أعادت وثائق قضية رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين فتح ملف واسع من الجدل في فرنسا، بعد أن كشفت عن ورود أسماء شخصيات سياسية وعامة فرنسية بارزة، من بينها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، وعائلة وزير الثقافة الأسبق جاك لانج، إضافة إلى مستشار سابق للرئيس نيكولا ساركوزي.
ونشرت وزارة العدل الأمريكية أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الصور والوثائق المرتبطة بقضية رجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين، المتهم بالاتجار الجنسي بقاصرات، والذي انتحر في السجن عام 2019. وكشفت هذه الوثائق ورود أسماء عدد من الشخصيات السياسية والعامة الفرنسية، لأسباب وسياقات مختلفة.
وقالت محطة "فرانس.إنفو" الفرنسية، إنه منذ أن أتاحت وزارة العدل الأمريكية جميع عناصر ملف قضية جيفري إبستين للعموم، تداول مراقبون ووسائل إعلام ورواد التواصل الاجتماعي مزاعم تفيد بأن شخصيات فرنسية تلطخت بالقضية، إلا أن وحدة التحقق من الأخبار الزائفة التابعة لإذاعة فرانس إنفو، وبعد الاطلاع على آلاف الوثائق، أكدت أنه توجد أي أدلة تثبت تورط شخصيات فرنسية في شبكة الجرائم الجنسية التي كان يديرها إبستين.
جاك لانج "يتحمل مسؤولية" علاقاته السابقة
وظهر اسم عائلة لانج آلاف المرات في ملف إبستين، ويذكر اسم كارولين لانج وحدها أكثر من ألفي مرة، ضمن رسائل إلكترونية ووثائق تعود إلى الفترة بين عامي 2012 و2019.
وجاك لانج، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، ورئيس معهد العالم العربي في باريس.
وتعود معرفة عائلة لانج بإبستين إلى عام 2012 عبر صديق مشترك هو المخرج الأمريكي الشهير وودي آلن، أي بعد إدانة إبستين الأولى عام 2008 في قضية تتعلق باستغلال قاصرات.
وأقرت كارولين لانج، في تصريحات لموقع "ميديا بارت" الفرنسي، بأنها كانت على علم بماضيه القضائي، قائلة إنها بحثت عنه واطلعت على إدانته، لكنه أكد لها حينها أنه "سدد دينه للمجتمع وعوض الضحايا"، فصدقته.
ويؤكد وزير الثقافة الفرنسي الأسبق جاك لانغ أنه "يتحمل مسؤولية" علاقاته السابقة مع إبستين، مشددًا على أنه "لم يكن هناك ما يوحي" بأنه يقود شبكة للاتجار الجنسي بالقاصرات.
وبحسب الوثائق الأمريكية الذي ذكرتها المحطة الفرنسية، فإن المراسلات بين الرجلين كانت ودية، ولا تتضمن أي حديث عن أنشطة جنسية أو إجرامية.
وورد ذكر الأطفال مرة واحدة فقط، حين أرسل جاك لانج، بصفته وزيرًا سابقًا للتربية، مشروعًا تربويًا بعنوان "الأمير الصغير" إلى إبستين، دون توضيح سبب الإرسال.
وقد وصفت كارولين لانج الوثيقة بأنها "ملخص غير مكتمل"، وهي تتناول تعليم الأمراء في فرنسا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وتدعو إلى تعليم شامل للأطفال بدل التخصص المبكر.
وفي رسالة إلكترونية مؤرخة في 28 يناير 2013، اقترح إبستين إضافة أسئلة تتعلق بالدين والجنس وأساليب التقييم التربوي. وأفادت كارولين لانج بأن والدها وافق على إدراج هذه الملاحظات.
لاحقًا، أُرسلت الوثيقة إلى الأكاديمي الأمريكي هوارد غاردنر (جامعة هارفارد)، الذي رأى أنها عامة جدًا ولا يعرف كيف يمكن استخدامها عمليًا.
روابط مالية
تكشف الوثائق عن طلبات متكررة من جاك لانج لإبستين تتعلق بالمساعدة في تمويل مشاريع فنية، واستعارة سيارة أو طائرة، إضافة إلى لقاءات ورحلات مشتركة.
كما أرسل له عام 2015 صور عقار في مراكش معروض للبيع بقيمة 5.4 ملايين يورو "أوفشور".
أما العلاقة الأقرب، فكانت بين إبستين وكارولين لانج، حيث أظهرت الوثائق مشاركتهما عام 2016 في تأسيس شركة أوفشور في جزر العذراء، مخصصة للاستثمار في فنانين شباب.
وبعد الكشف عن هذه الشركة، أقرت كارولين لانج بأنها كانت "ساذجة بشكل صادم"، واستقالت من منصبها في نقابة الإنتاج المستقل، مؤكدة أنها لم تتقاض أي أجر أو أرباح.
علاقات مع شخصيات فرنسية أخرى
وظهرت آريان دو روتشيلد أكثر من 4500 مرة في الوثائق، في إطار مراسلات مع إبستين حول قضايا سياسية واقتصادية.
كما تحدثت معه عدة مرات عن إيمانويل ماكرون، وذكرت له حادثة مرتبطة بحركة "السترات الصفراء".
مستشار ساركوزي
وتثير مراسلات إبستين مع قائد الأوركسترا الفرنسي فريديريك شاسلان، والمستشار الدبلوماسي السابق للرئيس نيكولا ساركوزي أوليفييه كولوم، جدلًا أكبر بسبب مضامين وصفت بأنها إشكالية أو ذات طابع جنسي وعنصري.
ومع ذلك، شددت المحطة الفرنسية على أن هذه الرسائل لا تشكل دليلًا قانونيًا على تورط أصحابها في شبكة الاتجار الجنسي.
ماكرون ولوبان: ورود أسماء دون أي تواصل
كما ظهر اسم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر من 200 مرة في الوثائق، لكن دون وجود أي دليل على تواصل مباشر بينه وبين إبستين.
ووفقاً للمحطة الفرنسية، فإن ذلك يرجع أساسًا إلى أن أطرافًا أخرى كانت تتحدث عنه في مراسلاتها مع إبستين، إضافة إلى إدراج رسائل ومنشورات لا صلة مباشرة لها بالقضية.
وأشارت المحطة الفرنسية إلي أن الأمر نفسه ينطبق على مارين لوبان، التي ورد اسمها نحو 70 مرة دون أي اتصال مباشر بينها أو بين حزبها وإبستين، وغالبًا في سياق تعليقات أو آراء أطراف ثالثة، من بينهم ستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولي.
كما تبين أن ستيف بانون لم يطلب من إبستين تمويل حملات حزب "التجمع الوطني"، خلافًا لما تم تداوله على الإنترنت.
أسماء أخرى
وتضمنت الوثائق مراسلات محدودة بين إبستين والنائب السابق سيدريك فيلاني، دون ما يثبت حصول لقاء فعلي.
كما وردت أسماء شخصيات فرنسية أخرى، مثل بيير موسكوفيتشي، وجان-لوك ميلانشون، والفرنسي الساخر ديودونيه، فقط لأن أطرافًا أخرى تحدثت عنهم في مراسلاتها مع إبستين.
رغم كثرة الأسماء الفرنسية الواردة في وثائق قضية جيفري إبستين، لا توجد حتى الآن أدلة تثبت تورط أي من هذه الشخصيات في شبكة الاتجار الجنسي التي كان يديرها، بحسب ما أكدته التحقيقات الصحفية المعتمدة على الوثائق المنشورة.