كتب الدكتور محمد أبو الغار، مقالًا عن كتاب «لا سمع ولا طاعة» للكاتبة عبلة الرويني، الصادر حديثًا عن دار الشروق، تناول فيه تجربتها المهنية في الصحافة المصرية، وما تكشفه من كواليس الرقابة، وحدود حرية التعبير، وعلاقة الكاتب برؤساء التحرير والمؤسسات الصحفية، في شهادة شخصية ومهنية تمتد لعقود.
وجاء مقاله المنشور في النسخة الورقية لصحيفة «المصري اليوم» (العدد 7876) تحت عنوان «لا سمع ولا طاعة.. كتاب عن خبايا الصحافة المصرية»، على النحو التالي:
يقول أبو الغار إنه أمسك بالكتاب بقلم عبلة الرويني بنية تصفحه فقط، لكنه لم يتركه إلا بعد أن أنهى قراءته كاملًا. والكتاب، الصادر حديثًا عن دار الشروق، يُعد سيرة ذاتية للكاتبة عن عملها في الصحافة، كما أنه سيرة صريحة وصادقة في آن واحد.
عملت عبلة الرويني في جريدة «الأخبار»، لكنها مارست المهنة لفترة في صحيفة «الأهالي» الناطقة باسم حزب التجمع، وكتبت مقالات لصحيفة سعودية تصدر في لندن. وتشير الكاتبة بوضوح إلى أن مصادرة مقالاتها أو منعها جزئيًا أو كليًا كان مقصورًا على عملها في جريدة «الأخبار».
واستمرت عبلة نحو عشرين عامًا تكتب عمودًا يوميًا من مائتي كلمة بعنوان «نهار»، وكان هذا العمود سببًا دائمًا للخلاف مع رؤساء التحرير. وتصف هذه التجربة بأنها اختبار صعب وصراع دائم فيه شد وجذب بين كاتب يسعى إلى حرية التعبير، ورقيب يحاول تقييدها أو إلغائها تمامًا.
وفي «الأخبار»، التي مثلت مقر عملها الأساسي، اعتُبرت غير منتمية للمؤسسة، باستثناء فترة قصيرة تولت خلالها رئاسة تحرير «أخبار الأدب» الأسبوعية. وتذكر أنها كانت تغضب في البداية عند حذف كلمة أو جملة من مقالها، لكنها مع مرور السنوات تعلمت محاولة تمرير ما تريد قوله عبر تخفيف حدة الصياغة، دون المساس بالرأي أو الرؤية.
ويرى أبو الغار أن هذه التجربة تنتهي في كثير من الأحيان إلى شكل من أشكال الرقابة الذاتية، إلا أن عبلة استطاعت، رغم ذلك، أن تمارس كتابة نقدية غاضبة حتى بعد خفض الصوت وتبريد الكلمات. كما تتناول عقلية رؤساء التحرير، مشيرة إلى أن الأكثر مهنية وثقة ووعيًا يسمح بحرية أوسع في النشر، بينما رؤساء التحرير الذين تحكمهم المخاوف ويمتثلون للتعليمات بلا نقاش هم من يوقفون المقالات المهمة.
وتبدي الكاتبة رضاها عن مشوارها المهني، وتختتم قائلة: «أكتب ما أريد، وينشرون ما يريدون»، مؤكدة أنه «لا كتابة دون حرية»، مع إدراكها أن الحرية لم تكن يومًا مطلقة أو متاحة على الدوام، فلكل مطبوعة سياستها المرتبطة بعقلية رئيس تحريرها. وتوضح أن هناك فارقًا كبيرًا بين من يمتلك إمكانات مهنية ومعرفية، وآخر خامل ومرتعد ينتظر التعليمات.
ويتضمن الكتاب فصلًا عن طفولة عبلة الرويني، وتفوقها الدراسي، وحبها لحصة الموسيقى، واهتمامها المبكر بالشعر والكتابة في مجلة المدرسة، واستعارتها الكتب من مكتبة الحي التي اختفت لاحقًا من معظم الأحياء. كما تتحدث عن قراءاتها لتوفيق الحكيم، الذي كان بداية دون أن يترك بصمة عميقة، ثم طه حسين ويحيى حقي ونجيب محفوظ، وحفظها لأشعار بيرم التونسي. وتشير إلى موافقة والدها على سفرها إلى دمشق لزيارة صديقة تعرفت عليها بالمراسلة، وهي في الرابعة عشرة من عمرها، بما يعكس طابع الأسرة التقدمي وقدرتها المادية.
وخلال الكتاب، يلمس القارئ أن الكاتبة تنتمي وجدانيًا إلى جيل ثورة 23 يوليو 1952، وكان جمال عبد الناصر زعيمها الأوحد. والتحقت بجريدة «الأهالي» في فترة سعت فيها قيادة الحزب إلى تخفيض نبرة المعارضة، واستمرت في رئاسة القسم الثقافي، وتروي واقعة نشر حوار مع البابا شنودة أثناء اعتكافه في الدير خلال خلافه مع الرئيس أنور السادات.
وتتحدث بتقدير عن عدد من الكتاب اليساريين، مثل أنور عبد الملك ولويس عوض، كما تتناول تجربتها في الترشح لعضوية نقابة الصحفيين، ومساندة يوسف إدريس لها، رغم عدم نجاحها في الانتخابات.
وتسرد بتفصيل علاقتها برؤساء تحرير «الأخبار»، وتذكر أنهم كانوا يرون أنها غير منتمية للجريدة. وعندما بدأت العمل قبل 45 عامًا، علّق الناقد عبد الفتاح البارودي على بلوزة حمراء كانت ترتديها، معتبرًا اللون الأحمر رمزًا للشيوعية، وهو ما علّقت عليه الكاتبة بأنها لم تكن شيوعية في أي وقت.
وتروي أنه عند إجرائها حوارًا مع الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، جرى حذف نصف الحوار بسبب كونه شيوعيًا. كما تطرح السؤال الصعب: هل تشتري سلامها النفسي وتتوقف عن الكتابة بسبب تكرار المنع وتصاعده من حذف عبارات إلى منع مقالات كاملة، أم تواصل العناء؟
وتشير إلى أن تولي محمد بركات رئاسة تحرير «الأخبار» أتاح لها فرصة أفضل للكتابة دون تضييق أو تهميش، لكن تراكم الضيق والكدر النفسي بلغ ذروته، فغادرت الجريدة للمرة الأخيرة في نوفمبر 2014 دون ضجيج أو ندم.
وتضمّن الكتاب عددًا من المقالات التي مُنعت من النشر، من بينها مقال عن احتفال لتكريم الدكتور فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب الأسبق، أُلقيت خلاله قصيدة على لسان الدكتور علي لطفي، رئيس الوزراء الأسبق، وبُث الحفل في التلفزيون والإذاعة، وتساءلت الكاتبة عن سبب منع المقال رغم إذاعته رسميًا.
كما تشير إلى أنه في فبراير 2011 تولت رئاسة تحرير «أخبار الأدب»، في سابقة هي الأولى من نوعها، حيث جرى تعيين رئيس تحرير دون المرور على مكتب الأمن أو الرقابة الإدارية، ودون لقاء مسؤول أمني. وتتحدث عن «عام الإخوان الأسود»، واصفة الإخوان بأنهم كانوا كالفئران المذعورة وسط إعلام وصحافة، وقد عبّرت عن ذلك في جريدة «الوطن»، التي استضافتها لمدة أربعة أشهر بعد إقصائها من «الأخبار».
وتحكي عن طلب الأستاذ محمد حسنين هيكل مقابلتها، وجلوسها معه لمدة ساعة دون تسجيل الحوار، ثم نشره من دون مراجعته أو علمه، رغم حرصه الدائم على مراجعة حواراته حفاظًا على صورته الذهنية والفعلية، مؤكدة أن اللقاء كان أقرب إلى دردشة ودية.
كما تسرد لقاءها بالرئيس محمد مرسي في قصر الاتحادية، مشيرة إلى أنه لم يُجب عن كثير من الأسئلة المتعلقة بالمرأة والأقباط وجماعة الإخوان المسلمين. وتذكر حضور نادر بكار، ممثل السلفيين، بملابس غربية أنيقة في محاولة لإظهارهم بصورة مختلفة، قبل أن يحصل لاحقًا على منحة في جامعة هارفارد، ويعمل محاضرًا، ثم يصبح رجل أعمال في الولايات المتحدة.
وتشير إلى أن الرئيس مرسي شكر الجميع، حتى سائقي التكاتك وعمال النظافة، لكنه لم يذكر المثقفين، ولم يتحدث عن الدولة المدنية.
وفي ختام الكتاب، تتناول عبلة الرويني علاقة طه حسين بضباط ثورة 23 يوليو ونظامهم، وترى أنه لم يكن هناك خلاف جوهري، بينما كان للكاتب السوري سعد الله ونوس رأي مختلف وسجال فكري، نشرته الكاتبة بالتفصيل.
ويخلص أبو الغار إلى أن هذا الكتاب رسالة واضحة تؤكد أن حرية الصحافة ضرورة لبقائها وقيامها بدورها، وأن تقييد حرية الصحف يؤدي إلى إضعافها وتهميشها، خاصة في ظل وجود بدائل أخرى، في مقدمتها وسائل التواصل الاجتماعي.