يحيط بملف الكلاب الضالة في مصر، جدل متجدد، قد يخفت أحيانا لكنه لا يغيب أبدا، وتقدر الجهات الرسمية أعدادها في مصر بنحو 10 إلى 14 مليون كلب، في حين تقول نقابة الأطباء البيطريين إن أعدادها تصل إلى 20 مليونا، بينما تحدد جمعية الرفق بالحيوان وجود 40 مليون كلب، تضل في شوارع مصر وتثير جدلا وربما مشاحنات على القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي.
هذا الجدل الملتهب، نُقِل نقاشُه إلى طاولة برنامج «الحكاية» للإعلامي عمرو أديب الذي أجرى ما تشبه المناظرة الجماعية حول ملف الكلاب الضالة.
الكلاب والتوازن البيئي.. دور أم لا دور؟
الجدل الأكبر حول ملف الكلاب الضالة أو كلاب الشوارع تعلّق بكيفية تحقيق التوازن بين الحفاظ على الصحة العامة وسلامة المواطنين من جهة، وضمان المعاملة الإنسانية للحيوانات ومراعاة التوازن البيئي من جهة أخرى.
ويقول الدكتور مصطفى الجعفري، الأستاذ المساعد بالطب البيطري بجامعة القاهرة، إن أهمية الكلاب لتحقيق عنصر التوازن البيئي يكون في دول بعينها بطبيعة جغرافية معينة، مثل الدول التي بها غابات تظهر فيها نمور بكثافة وبالتالي يكون دور الكلب مهمًا، بخلاف الوضع في مصر الخالية من الغابات والتي يقتصر الأمر فيها على الثعالب وبعض الذئاب في أعماق الصحراء.
وبناء على ذلك، يرى الجعفري أنه لا يوجد دور حقيقي للكلاب في عملية تحقيق التوازن البيئي بمصر، واستدل على حديثه بأن لا يوجد كلاب شوارع في دول عربية مثل السعودية أو الإمارات أو غيرها وهي دول بطبيعة صحراوية مثل مصر.
واعتبر أن دور القطط مهم في التوازن البيئي على حساب الكلاب، وذلك لأن القطط تتناول الفئران التي قد تكون مصدرًا لأمراض كثيرة، لكنه أشار إلى تناقص أعداد القطط بسبب تغذِّي الكلاب عليها.
تصريحات الجعفري أثارت انتقاد منة قطب الناشطة بمجال حقوق الحيوان، التي قالت مستنكرة: «لو كان الكلب غير مهم فلماذا خُلق من الأساس»، وأشارت إلى أن الأسلوب العلمي المتبع في أي دولة بالعالم للتعامل مع الكلاب هو أسلوب التعقيم والتطعيم، وأبدت اتفاقًا مع فكرة الإطعام الحضاري للكلاب ولا يكون الأمر بشكل عشوائي.
بدوره، عارض شهاب عبدالحميد رئيس جمعية الرفق بالحيوان، التقليل من أهمية الكلاب في تحقيق التوازن البيئي وقال إن دورها مهم ويجب المحافظة عليه بشكل كامل.
زيادة تفوق الحد الطبيعي
بحسب شهاب عبدالحميد رئيس جمعية الرفق بالحيوان، فإن هناك زيادة في أعداد الكلاب الضالة عن الحد الطبيعي أو الحد المسموح به وفقا للتوازن البيئي، ويضاف إلى ذلك التواجد الذي وصفه بأنه كثيف جدًا للكلاب داخل الكتل السكنية.
يضيف عبدالحميد: «هاتان المشكلتان تسببان أرقًا كبيرًا في الدولة، وإذا نجحنا في نزع الكلاب عن الكتلة السكنية بأي طريقة سنكون قد أنهينا 80% من المشكلة».
حالات عقر.. كلفة بشرية وأخرى اقتصادية
بحسب وزارة الصحة، تخلف هجمات الكلاب الضالة على المواطنين 400 ألف حالة عقر سنويًّا، في كلفة بشرية تضاف إلى كلفة اقتصادية تقدر بـ1.7 مليار جنيه على أمصال حالات العقر.
وأوضح عبدالحميدـ أن حالات العقر في 2014 كانت 300 ألف حالة، وصلت في 2025 إلى 1.5 مليون حالة، وستصل في العام الحالي إلى 2 مليون حالة, ويرجع الزيادة في الحالات إلى وجود زيادة في أعداد الكلاب.
وأشار إلى أن زيادة أعداد الكلاب سببها اختلال التوازن البيئي، بسبب قرارات غير صائبة، موضحا أن التباين في تقدير أعداد الكلاب يعكس زيادتها وبالتالي يجب العمل على معالجة المشكلة.
ولفت إلى أن العدد الطبيعي للكلاب بناء على تحقيق عنصر التوازن البيئي يجب ألا يزيد عن ثمانية ملايين كلب، وبالتالي يجب التعامل مع الزيادة الراهنة في الأعداد.
تشكيك في دقة الإحصاءات
وشككت الناشطة منة قطب في دقة إحصاءات العقر، ضاربة مثالًا بحالة شخصية لها حيث حصلت على المصل إثر تعرضها لعقر قطة أثناء إطعامها، وقالت إن التقرير كُتب فيه "مصل عضة كلب" فسألت عن سبب عدم كتابة "عضّة قطة"، فكان الرد أن جميع الحالات تُدوَّن تحت بند "مصل عضة كلب"، في إشارة إلى أن جميع الحالات ليست بسبب الكلاب.
ورفضت قطب، ربط الأمر بتأثير الكلاب والإنفاق على أمصال حالات العقر بالوضع الاقتصادي، قائلة إن الكلب الذي تسلّق الأهرامات والكلبة مي في المتحف المصري الكبير تسببا في ترويج سياحي لمصر لم يستطع أحدٌ أن يروج مثله.
تدخلات حكومية
الحكومة ممثلة في وزارة الزراعة، تبنت بدورها خلال عام 2026 نهجًا يعتمد على برامج الإمساك والتعقيم والتطعيم والإيواء، ضمن خطة قومية تستهدف الوصول إلى "مصر خالية من السعار بحلول عام 2030".
وفق الهيئة العامة للخدمات البيطرية بوزارة الزراعة، فإنَّ الدولة تتبنى حاليًا برنامجًا متكاملًا للتعامل مع الكلاب الضالة يعتمد على الأساليب العلمية المعترف بها دوليًا، مع رفض استخدام السموم أو الممارسات العشوائية في التعامل مع الحيوانات بالشوارع.
وتشير بيانات وزارة الزراعة إلى أن حملات التطعيم والتعقيم شهدت توسعًا ملحوظًا منذ مطلع العام الجاري، حيث تم تطعيم آلاف الكلاب ضد مرض السعار وتعقيم أعداد متزايدة منها ضمن الحملة القومية لإدارة أعداد الكلاب الضالة.