مصحات أم سجون؟.. رحلة علاج إدمان المخدرات بين الأمل والانتهاكات - بوابة الشروق
الإثنين 7 سبتمبر 2026 4:11 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

مصحات أم سجون؟.. رحلة علاج إدمان المخدرات بين الأمل والانتهاكات

دينا النجار
نشر في: الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 2:13 م | آخر تحديث: الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 2:16 م

أثارت فيديوهات متداولة لهروب جماعي من إحدى مصحات علاج الإدمان في مصر حالة واسعة من الصدمة، بعدما ظهر عدد من المرضى يتحدثون عن احتجازهم، وسوء معاملتهم وحرمان من الطعام والأدوية، قبل أن تتولى الجهات المختصة فورا التحقيق في الواقعة، وغلق المصحات المخالفة.

وجددت هذه المشاهد الحديث عن ملف مصحات علاج الإدمان الخاصة وغير المرخصة، وهي الأزمة التي أثيرت حولها تساؤلات كثيرة خلال السنوات الماضية، كما تناولتها أعمال فنية وتقارير متعددة، في ظل تكرار الشكاوى المرتبطة بطرق العلاج داخل بعض هذه الأماكن.

 -سماسرة الموت وتجارة الألم

«سلمته يتعالج، فعاد جثة».. بهذه الكلمات المكلومة روت والدة شاب آخر مأساته، بعدما تحولت رحلة علاجه من الإدمان إلى واقعة وفاة داخل إحدى المصحات في أبو النمرس، لتخرج باكية عبر وسائل الإعلام، تروي ما جرى لابنها.

وخلال ظهورها في برنامج «تفاصيل» المذاع على فضائية "صدى البلد"، قالت الأم إنها سلمت نجلها للمصحة أملاً في علاجه، قبل أن تكتشف لاحقًا أن الشخص الذي تولى إدخاله كان سمسارًا، مضيفة أنها ظلت تبحث عنه حتى علمت أن جثته نُقلت من المصحة إلى مكان آخر في محاولة لإخفاء الواقعة.

وروت الأم، نقلًا عن شاهدة عيان، أن سيدة شاهدت أشخاصًا ينقلون جثة بواسطة "تروسيكل" فأبلغت الشرطة، مشيرة إلى أن نجلها عُثر عليه مصابًا بتورمات وآثار اعتداء، وأنه كان مقيدًا داخل المصحة.

وتساءلت الأم بحرقة: "إحنا مودّينه يتعالج.. تضربوه وتكتفوه ليه؟"، مؤكدة أن المصحة كانت تقع في مكان بعيد ومعزول، فيما نقلت عن بعض الأهالي شكاواهم من سماع صرخات المرضى بشكل متكرر على مدار سنوات، مختتمة حديثها بمطالبة الجهات المختصة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسئولين.

وتكثف وزارة الصحة والسكان بالتنسيق مع الإدارة العامة لمكافحة المخدرات حملاتها لضبط مصحات علاج الإدمان غير المرخصة وإغلاقها فوراً، وأغلقت مئات من هذه الكيانات الوهمية التي تشكل خطراً جسيماً على حياة المرضى، لكونها تدار عبر أشخاص غير مؤهلين وتفتقر للاشتراطات الفنية والصحية والكوادر الطبية المتخصصة.

-المصحات الوهمية.. أسعار أقل ومخاطر أكبر

وعن أسباب لجوء بعض الأسر إلى المصحات الوهمية وغير المرخصة، كشف الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن فارق التكلفة يعد أحد أبرز العوامل التي تدفع الأهالي للبحث عن بدائل أقل سعرًا أملاً في علاج أبنائهم، رغم ما قد تحمله هذه الأماكن من مخاطر نتيجة غياب الإشراف الطبي المتخصص وبرامج العلاج والتأهيل المعتمدة.

وضرب فرويز، مثلا بأن تكلفة العلاج داخل المصحات المتخصصة قد تصل إلى نحو 5000 جنيه في اليوم بسبب وجود فريق طبي متكامل من أطباء نفسيين وتمريضًا متخصصًا وأخصائيين نفسيين واجتماعيين يعملون ضمن خطة علاج وتأهيل متكاملة، بينما تلجأ بعض الأسر إلى مصحات غير مرخصة تقدم أسعارًا أقل بكثير قد تصل إلى 3000 جنيه للشهر أو من 6000 إلى 8000 جنيه شهريًا، وهو ما يجعلها تبدو خيارًا أقل تكلفة رغم اختلاف مستوى الخدمة، مقارنة بالمصحات المؤهلة التي قد تصل تكلفتها إلى نحو 30 ألف جنيه شهريًا.

وأوضح أن المصحات غير المرخصة تجذب الأسر التي تواجه أعباء مالية كبيرة مع طول فترة العلاج، مشيراً إلى أن المشكلة لا تتوقف عند الأسعار فقط، بل تمتد إلى طبيعة الخدمة المقدمة، إذ تعتمد بعض هذه الأماكن على أساليب غير علمية أو الاكتفاء بإعطاء أدوية مهدئة ومنومات دون برامج علاج حقيقية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى عودة المريض للتعاطي بعد انتهاء فترة الاحتجاز أو العلاج الشكلي، لتبدأ رحلة المعاناة من جديد.

-التعافي ممكن.. لكن ليس بالدواء وحده

أكد فرويز، أن التعافي من الإدمان يظل ممكنًا مهما طالت فترة التعاطي، لكنه يرتبط في المقام الأول برغبة المريض في العلاج والالتزام بخطته العلاجية، موضحًا أن الإدمان مرض مزمن قابل للانتكاس، لذلك يحتاج إلى متابعة مستمرة ودعم متواصل من الأسرة والفريق العلاجي.

وشدد على أهمية تغيير النظرة إلى المدمن باعتباره مريضًا يحتاج إلى المساندة والعلاج، لا العقاب أو الوصم، حيث تزداد فرص النجاح كلما تعاون المريض مع أسرته والطبيب المعالج والأخصائيين النفسيين، مضيفًا أن الانتكاسة قد تحدث في أي مرحلة، لكن التدخل السريع والعودة إلى العلاج يساعدان على تجاوزها واستكمال طريق التعافي.

-بين أبواب المصحات وعبء تكاليف العلاج.. أسر مرضى الإدمان تبحث عن الأمل

"دفعنا اللي ورانا"، استهلت والدة الشاب "م.م" مريض فصام بسبب تعاطي المواد المخدرة، الذي يخضع حاليًا للعلاج داخل مستشفى المعمورة، بعدما تحدثت عن إنفاق آلاف الجنيهات على العلاج داخل مصحات خاصة غير مرخصة دون تحسن حقيقي في حالة نجلها.

وقالت إن الأسرة أنفقت كل ما تملك على مدار سنوات بحثًا عن العلاج، مضيفة أن العلاج الحكومي متوفر بالمجان، لكن الأزمة الحقيقية تكمن أحيانًا في عدم وجود أماكن كافية لاستقبال الحالات في بعض الأوقات، أو رفض المريض نفسه للعلاج، ما يضطر الأسرة أحيانًا للاستعانة بأشخاص لتقييده ونقله بالقوة، إضافةً لزيادة أسعار العلاج في الدرجات الخاصة داخل المستشفى من 600 جنيه إلى ما يتراوح بين 4000 و9000 جنيه شهريًا.

ولعل أكثر ما يؤرق الأسرة هو اضطرارهم لتغيير العلاج أو تدبيره بشكل منفصل نتيجة وجود نواقص في بعض الأدوية، ما يدفعهم أحيانًا لشرائه من الصيدليات أو من السوق السوداء، وهو ما قد يؤثر على انتظام الخطة العلاجية ويؤدي في بعض الحالات إلى عدم استقرار الحالة أو تعرضها للانتكاس.

-أزمة دواء عالمية هل تهدد علاج الإدمان والصحة النفسية

وعن معاناة نسمة "اسم مستعار" مع رحلة علاج شقيقها من مرض الذهان، الذي خضع للعلاج مسبقًا في مستشفى بني سويف الحكومي والعباسية للصحة النفسية، ووصفتها برحلة مليئة بتفاصيل صعبة ما بين التنقل بين المصحات الخاصة، ومحاولات البحث عن مكان آمن يقدم رعاية حقيقية للمرضى النفسيين، موضحة إن بعض الأماكن غير المرخصة كانت تمثل أزمة كبيرة بسبب ضعف الإشراف وسوء المعاملة أحيانًا، إلى جانب عدم كفاية البرامج العلاجية المقدمة للمرضى.

كما تحدثت عن معاناة الأسر من نقص الأدوية المهمة، خاصة الإبر طويلة المفعول التي تساعد على استقرار حالات الفصام وتقليل الانتكاسات، مؤكدة إن الوصمة المجتمعية ما زالت بتضاعف معاناة المرضى وأهاليهم في الدراسة والشغل والعلاقات الاجتماعية.

وأشارت إلى أن مدة العلاج المحدودة في بعض المراكز، والتي قد لا تتجاوز 15 يومًا، لا تكون كافية أحيانًا لاستقرار الحالة بشكل كامل، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة في دعم الصحة النفسية والتوسع في خدمات العلاج، مؤكدة أن أكثر ما يتمناه الأهالي اليوم هو سهولة توفير العلاج المناسب بشكل مستمر وآمن لكل مريض.

-مصر تلاحق المصحات غير المرخصة

وخلال الأشهر الماضية، تمكنت الأجهزة المعنية من إغلاق عشرات مراكز الأدمان المخالفة بعدما حملات أمنية مكثفة وضبط أفراد غير مؤهلين لإدارتها، بما يمثل تهديدًا مباشرًا لحياة المرضى.

وعلى وقع أزمة المريوطية، أغلقت وزارة الصحة أكثر من 33 مركزًا غير مرخص لعلاج الإدمان والطب النفسي بمحافظات القاهرة والقليوبية والشرقية، بسبب مزاولة النشاط دون تراخيص لازمة ومخالفة الاشتراطات الصحية والقانونية، وتعتمد بعض هذه الأماكن على الإعلانات غير الرسمية وصفحات السوشيال ميديا والسماسرة المحليين للوصول إلى الأسر، ما يصعب من عمليات الرقابة والكشف عنها.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك