قال الناقد والكاتب محمود عبدالشكور إن استخدام الأغاني والسمسمية في رواية "انخدعنا" لم يكن حشوا أو استعراضا للفلكلور، وإنما جاء جزءا طبيعيا من بناء الشخصية والمكان.
وأوضح أن "طارق العايق"، بطل الروابة، نفسه يحب الغناء ويغني، وأن هذا الأمر جزء من تكوين الشخصية، خاصة في المجتمعات الشعبية التي يرتبط فيها الغناء بالحياة اليومية.
وأشار عبدالشكور في حفل مناقشة الرواية بمقر دار الشروق بوسط البلد إلى أن الأغاني في الرواية تؤدي وظيفة أخرى، هي التعبير عن الحالة النفسية لـ"طارق"، إذ تأتي الأغاني في اللحظات التي تعجز فيها الشخصية عن التعبير المباشر عن ألمها.
وقال إن الغناء الشعبي في مصر يمثل في أحيان كثيرة وسيلة للتعبير عما لا يستطيع الإنسان قوله، خاصة بالنسبة إلى الرجل الذي قد لا يستطيع التعبير عن حزنه بالبكاء، لكنه يستطيع التعبير عنه بالغناء.
وأضاف أن أغاني الرواية ترتبط أيضا بعلاقة "طارق" بـ"ميرفت الغريب"، التي تمثل مشروع حياته، ولذلك تصبح الأغاني في بعض المواضع بديلا عن الكلام المباشر عن مشاعره.
وأوضح أن الأغاني نفسها ترسم تطور الزمن وتغير المجتمع، لأن الغناء يتغير بتغير الظروف.
وتوقف عند تقليد "حرق اللمبي" في بورسعيد، معتبرا أنه نموذج مهم لكيفية تحول الرموز الشعبية مع الزمن، وأشار إلى أن "اللمبي" كان شخصية مرتبطة بالمندوب السامي البريطاني، وأن أهل بورسعيد صنعوا عروسة تحمل اسمه وأصبحوا يحرقونها في شم النسيم، ثم تطور الأمر بحيث أصبح "اللمبي" رمزا لكل ما يرفضه الناس أو يغضبون منه.
وأكد أن الأغنية الشعبية في بورسعيد مرت بمسار مشابه، إذ تحولت من صوت للمقاومة ضد الاستعمار إلى صوت يعبر عن تغيرات المجتمع وأزماته، وهو ما ينسجم مع التحول الأساسي في الرواية.
وقال إن الزمن هو البطل الخفي في "انخدعنا"، رغم أن الرواية لا تعلن ذلك بشكل مباشر؛ فالقارئ يشعر بتغير الشخصيات والمناخ واللغة والأغاني، ويرى كيف تحولت بورسعيد من مدينة تقاوم الاستعمار إلى مجتمع يبحث عن لقمة العيش.
وأضاف أن الانفتاح الاقتصادي لعب دورا كبيرا في هذا التحول، مؤكدا أن فكرة الانفتاح في حد ذاتها قد تكون عظيمة، لكن طريقة تطبيقها خلقت مشكلات وتحولات اجتماعية كبيرة، وحولت بورسعيد إلى مساحة للتهريب وغيرت شكل المجتمع.
وأشار إلى فيلم "سواق الأتوبيس" للمخرج عاطف الطيب، مستشهدا بالمشهد الذي يذهب فيه "مرزوق" إلى بورسعيد ويكتشف أن الناس والظروف تغيرت، معتبرا أن هذا التحول الاجتماعي نفسه حاضر في رواية دينا شحاتة.
وأكد أن الرواية تطرح سؤالا مهما حول توارث الخيبات من جيل إلى آخر: "لماذا تتكرر الخيبة؟، ولماذا لا تتعلم الأجيال من تجاربها السابقة؟".
وقال إن الإنسان ليس آلة، وإنه يمتلك القدرة على التغيير والمحاولة، حتى لو كانت محاولته محدودة.
وأوضح أن "طارق" يقضي معظم الرواية جالسا على المقهى، يلعب الدومينو ويغني، بينما يبدأ في نهاية الرواية في استعادة وعيه والتحدث مع ابنه، وهو ما يفتح سؤالا حول ضرورة أن يكون الإنسان فاعلا في حياته، لا مجرد مفعول به.
وتحدث عبدالشكور عن مفهوم الخديعة في الرواية، موضحا أن الخديعة لا تعني فقط أن هناك طرفا خدع وطرفا وقع ضحية، وإنما السؤال الأهم هو: "لماذا يستمر الإنسان في الوقوع في الخديعة؟، ولماذا تتوارث الأجيال الخيبات؟".
وقال إن الخديعة موجودة في التاريخ الإنساني كله، وإن الدول التي تعرضت للاستعمار يمكن النظر إليها بوصفها دولا تعرضت للخديعة، لكن مواجهة الخديعة تبدأ عندما تحاول هذه الدول التحرر منها.
وأوضح أن هذا هو السبب الذي جعله يرى أن "انخدعنا" تقرأ التاريخ بدلا من أن تكتبه، لأن الرواية ليست كتاب تاريخ، والروائي ليس مؤرخا؛ فالكاتب الروائي يستخدم التاريخ لكي يطرح سؤالا على الحاضر، وليس لكي يستعيد الماضي لمجرد استعادته.
وأضاف أن دينا شحاتة لا تتحدث في الرواية عن "طارق" وحده، وإنما تتحدث عن الحاضر، وأن "طارق" مجرد قناع نرى من خلاله أنفسنا، ومن هنا يأتي السؤال: "لماذا نتوارث الخديعة؟، ولماذا نميل دائما إلى اعتبار أنفسنا ضحايا؟".
وأشار إلى أن الإنسان عندما يتعرض للهزيمة قد يلجأ إلى تفسيرها بالمؤامرة، لكن السؤال الحقيقي هو: "إذا كان الآخرون قد دبروا مؤامرة ضدنا، فماذا فعلنا نحن لمواجهتها؟".
وأكد أن عبارة "طارق" في نهاية الرواية، التي يقول فيها إن المدينة علمته الطريق لكنها لم تعلمه المشي، تلخص جانبا أساسيا من الفكرة؛ فالإنسان قد يتلقى من أسرته ومجتمعه ومكانه قدرا كبيرا من التأثير، لكنه في مرحلة معينة يصبح كائنا مستقلا ومسئولا عن نفسه واختياراته.
وقال إن هذا السؤال لا يخص "طارق" أو بورسعيد وحدهما، وإنما هو سؤال مصري وإنساني عام: "ماذا يفعل الإنسان عندما يواجه الخديعة؟".
واختتم عبدالشكور حديثه بالتأكيد على أن أهمية الرواية تكمن في قدرتها على تحويل تجربة شخصية إلى سؤال إنساني عام، وأن القراءة الروائية للتاريخ تختلف عن كتب التاريخ، لأنها تقدم التفاصيل الإنسانية ونبض الحياة اليومية والذاكرة الفردية، وهي أمور لا تظهر عادة في السرد التاريخي التقليدي.