يحتفى العالم في 8 مارس من كل عام باليوم العالمي للمرأة، وفي هذه المناسبة تبدو بعض القصص الإنسانية أكثر قدرة على التعبير عن معنى القوة والصبر الذي تختزنه تجربة النساء في حياتهن اليومية، ومن بين هذه القصص تبرز تجربة الكاتبة هبة هنداوي في كتابها الصادر عن دار الشروق، «أنا وابني وست أرجل»، الذي يأتي أقرب إلى شهادة أم خاضت مع طفلها معركة طويلة مع المرض، وحولت الخوف والقلق إلى تجربة إنسانية مكتوبة يمكن أن تكون سندًا لآخرين يمرون بظروف مشابهة.
الكتاب في جوهره حكاية أم وجدت نفسها فجأة أمام اختبار قاس حين اكتشفت إصابة طفلها، الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره، بمرض نادر يُعرف باسم «ليج كالفيه برثز»، وهو اضطراب يصيب الدورة الدموية في عظمة الفخذ ويؤدي إلى تآكل رأس العظمة، ما يسبب العرج وصعوبات في الحركة، لتبدأ من هذه اللحظة رحلة طويلة من القلق والبحث، تتحول فيها الحياة اليومية للأسرة إلى سلسلة من الأسئلة الطبية والإنسانية.
تبدأ الحكاية بملاحظة بسيطة: عرج خفيف في قدم الطفل يظهر أحيانًا ويختفي أحيانًا أخرى. في البداية ظنت الأم أن الأمر لا يتجاوز شدًا عضليًا نتيجة نشاطه في ممارسة رياضة الكونغ فو، لكن المشهد سرعان ما بدأ يثير القلق، خاصة عندما لاحظت أن طفلها يمسك بدرابزين السلم أثناء الصعود كأنه رجل مسن، لا طفل في السابعة من عمره. هنا تدرك الأم أن الأمر يتطلب تدخلًا طبيًا سريعًا، لتبدأ رحلة الفحوصات بين الأشعة السينية والرنين المغناطيسي.
شيئًا فشيئًا تتكشف الحقيقة الصعبة: المرض نادر، ولا علاج حاسم له في الوقت الراهن، وكل ما يمكن فعله هو المتابعة الدقيقة للحالة. هذه اللحظة تمثل في الكتاب نقطة التحول الكبرى؛ إذ تنتقل الكاتبة من مرحلة الصدمة إلى مرحلة البحث المضني عن أي أمل ممكن؛ تقضي ساعات طويلة على الإنترنت تقرأ الدراسات الطبية والمقالات العلمية، بين خوف من الحقيقة ورغبة في إنكارها، حتى تعثر على مجموعات دعم تضم آباء وأمهات من أستراليا ونيوزيلندا مروا بالتجربة نفسها.
ومن خلال تلك الشبكات الإنسانية العابرة للحدود، تبدأ الكاتبة في جمع المعرفة والخبرة اليومية حول المرض، قبل أن تدخل مع طفلها مرحلة العلاج تحت إشراف طبي متخصص، حيث يخبرها الطبيب أن طفلها سيحتاج إلى السير بعكازين لفترة، مع احتمال التدخل الجراحي لاحقًا.
لكن ما يمنح الكتاب قيمته الخاصة ليس الجانب الطبي وحده، بل الطريقة التي تحول بها الكاتبة التجربة إلى سرد إنساني يمزج بين الخوف والأمل. فالعنوان نفسه، «أنا وابني وست أرجل»، يحمل دلالة رمزية على تلك المرحلة التي أصبح فيها العكازان جزءًا من جسد الطفل وحركته، وكأن الأم والابن يواصلان الرحلة معًا بثلاثة أزواج من الأرجل، لا بقدمين فقط.
وفي هذا المعنى، يتحول الكتاب إلى احتفاء غير مباشر ببطولة الأمومة؛ تلك البطولة الصامتة التي تتجلى في الصبر والبحث والقدرة على الاستمرار رغم القلق. فالكاتبة لا تقدم تجربتها بوصفها مأساة، بل بوصفها درسًا في الشجاعة الإنسانية، ورغبة في تحويل الألم إلى معرفة يمكن أن تنقذ أو تطمئن أسرًا أخرى.
ولهذا تؤكد هبة هنداوي أن قرارها بكتابة الكتاب جاء من شعورها بأن هذه التجربة قد تحمل فائدة حقيقية للآخرين، خصوصًا لكل أم تجد نفسها فجأة أمام واقع لم تكن مستعدة له. فالكتاب، في النهاية، محاولة لمد يد العون لمن يسير في طريق مظلم، ورسالة أمل تقول إن المعرفة والمشاركة يمكن أن تخففا من قسوة الرحلة.
ومن هذا المنظور، يصبح«أنا وابني وست أرجل» أكثر من مجرد سيرة تجربة مرضية؛ إنه شهادة على قوة الأم حين تواجه المجهول، وعلى قدرة الكتابة نفسها في تحويل التجربة الشخصية إلى طاقة إنسانية مشتركة. وفي يوم يحتفي بالعطاء والصمود مثل اليوم العالمي للمرأة، تصبح هذه الحكاية تذكيرًا بأن بطولات النساء لا تُكتب دائمًا في ساحات كبرى، بل كثيرًا ما تولد في غرف المستشفيات، وفي لحظات الخوف، وفي إصرار أم على أن تقاتل من أجل طفلها.