-مناطق واسعة غرب الإسكندرية حتى الحدود الليبية مرشحة لاكتشاف مواقع أثرية غارقة جديدة
-البحث الأثري تحت الماء يواجه تحديات قاسية بسبب محدودية الرؤية وقوانين الغوص وقصر مواسم العمل
-تقنيات السونار والمسح ثلاثي الأبعاد أصبحت أدوات حاسمة للكشف عن المواقع الأثرية الغارقة
-التعاون الدولي أسهم في اكتشاف مواقع مهمة وتدريب كوادر مصرية في علم الآثار البحرية
-المواقع الغارقة قد تغيّر فهم التاريخ المصري والبطلمي مع اكتشاف سفن وموانئ كاملة
أكد رئيس بعثة الدومينيكان للآثار الغارقة كاثلين مارتينيز، أن مستقبل البحث الأثري تحت الماء في مصر «واعد بشكل استثنائي»، مشددًا على أن ما جرى اكتشافه حتى الآن لا يمثل سوى جزء محدود من التراث الثقافي المغمور الممتد على سواحل البحرين المتوسط والأحمر وفي قاع نهر النيل.
وفي حوار خاص لـ«الشروق»، كشفت أن مناطق واسعة غرب الإسكندرية وحتى الحدود الليبية لا تزال تحتضن مواقع أثرية مجهولة، يمكن أن تسهم في تغيير الفهم التقليدي للتاريخ المصري والبطلمي، إذا ما حظيت بالدعم العلمي والمؤسسي اللازم، مؤكدًا أن التعاون الدولي وتطور التقنيات الحديثة باتا عنصرين حاسمين في حماية هذا التراث الفريد واستكشافه.
وإلى نص الحوار:
- كيف ترون مستقبل أبحاث الآثار الغارقة (تحت الماء) في مصر؟ وأي المناطق تعتقدون أنها لا تزال تخفي اكتشافات مهمة؟
أرى أن مستقبل أبحاث الآثار الغارقة في مصر واعد للغاية، خاصة في ظل تزايد الاهتمام الوطني بتطوير هذا المجال. ومن المهم التأكيد على أن ما جرى اكتشافه حتى الآن لا يمثل سوى جزء ضئيل للغاية من النطاق البحري الواسع لمصر، الممتد شرقًا وغربًا على ساحل البحر المتوسط، وشمالًا وجنوبًا على البحر الأحمر، فضلًا عن الإمكانات الأثرية الكبيرة الكامنة في قاع نهر النيل.
فالنيل، الذي كان الشريان الرئيسي للحياة في مصر القديمة، من المرجح أن يحتوي على تراث ثقافي مغمور ذي أهمية كبيرة لم يخضع بعد لدراسات منهجية شاملة. وعندما يقترن ذلك بالدراسة العلمية الدقيقة لهذا التراث، إلى جانب الإعداد المنهجي للمتخصصين في علم الآثار الغارقة، فإن هذه العوامل مجتمعة تدعم نظرة شديدة التفاؤل لمستقبل البحث في هذا التخصص، شريطة استمرار الدعم المؤسسي والمالي طويل الأمد.
أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فأعتقد أن جميع البيئات المائية في مصر تمتلك درجات متفاوتة من الإمكانات الأثرية، نظرًا للتفاعل المستمر والمتعدد الأوجه بين المجتمعات المصرية القديمة وهذه المسطحات المائية عبر عصور تاريخية مختلفة. ومع ذلك، تظل المنطقة الساحلية الممتدة غرب الإسكندرية باتجاه الحدود الليبية محل اهتمام خاص، إذ يُرجح أنها تضم العديد من المواقع الأثرية التي لم تُكتشف بعد، وتحتاج إلى مسح علمي منهجي وتقييم دقيق وتوثيق شامل.
- استنادًا إلى خبرتكم، ما أبرز التحديات العلمية التي تواجه فرق البحث تحت الماء مقارنة بالحفائر الأثرية البرية؟
تشترك الحفائر الأثرية تحت الماء والحفائر البرية في المنهجية العلمية الأساسية، إلا أن اختلاف طبيعة البيئتين يفرض استخدام أدوات وتقنيات وأساليب عمل مختلفة. فالمواقع البرية يمكن دراستها على مدار العام ولساعات عمل طويلة يوميًا، بينما تختلف ظروف العمل في علم الآثار الغارقة اختلافًا كبيرًا، إذ يعمل الأثري في بيئة غير مهيأة بطبيعتها للبشر، وتخضع لعدد من العوامل البيئية القاسية.
وتشمل هذه التحديات محدودية الرؤية تحت الماء، وتغير التيارات، والتقلبات الموسمية في حالة البحر، إضافة إلى القوانين الصارمة للغوص التي تُقيّد عمل الأثري الغواص. كما أن القيود المفروضة على زمن الغوص وعمقه وإجراءات السلامة تقلل بدرجة كبيرة من الوقت الفعلي للعمل أسفل السطح، فضلًا عن اختلاف القدرات البدنية لأفراد الفريق. ونتيجة لذلك، لا يمكن إجراء أعمال الحفر الأثري تحت الماء إلا خلال مواسم محدودة من العام.
كما تختلف الإجراءات التقنية المستخدمة في الآثار الغارقة جذريًا عن تلك المعمول بها على اليابسة، ويجب أن ينفذها الأثري بنفسه دون الاستعانة بالعمالة المساعدة. ولهذا السبب، تعتمد البعثات العاملة تحت الماء على استخدام تقنيات متقدمة في المسح والكشف والتحليل المكاني لدعم عمل الأثري في هذه البيئة شديدة التعقيد.
- كيف تسهم تقنيات المسح والبحث البحري، مثل السونار والتصوير ثلاثي الأبعاد، في تحسين دقة الكشف عن المواقع الغارقة؟
يساعد التداخل المنهجي والنظري بين علم الآثار وعلوم الأرض على فهم المواقع الأثرية وسياقها الطبيعي، لا سيما ما يتعلق بعمليات تكوّن الموقع. وقد أصبح التعاون بين العلماء والأثريين سببًا في تحويل التقنيات الجيوفيزيائية إلى أدوات أساسية في علم الآثار الحديث، لما لها من قدرة كبيرة على حل الإشكاليات الأثرية.
وفي علم الآثار البحرية، أصبح استخدام هذه التقنيات المتقدمة مطلبًا متزايدًا، حيث يعتمد عدد متزايد من الأثريين عليها بدرجة كبيرة. وقد أسهمت هذه الوسائل في الكشف عن العديد من المواقع الأثرية حول العالم. وفي الواقع، يُعد إجراء مسح أثري تحت الماء في مناطق غير معروفة دون استخدام هذه التقنيات مهمة شبه مستحيلة، نظرًا لمحدودية الوقت والقدرات البدنية للأثريين أثناء الغوص.
وتتمثل إحدى المشكلات الرئيسية أيضًا في صعوبة دراسة الطبقات الرأسية (الاستراتيغرافيا) في معظم المواقع الغارقة، نظرًا لأن الرواسب تحت الماء تكون أكثر سيولة مقارنة بطبقات التربة على اليابسة، ما يجعل تموضع اللقى الأثرية مرتبطًا بوزنها أكثر من ارتباطه بعمرها الزمني.
ومنذ منتصف القرن الماضي، شهد استخدام الوسائل الجيوفيزيائية في علم الآثار تطورًا ملحوظًا. وتشمل أكثر التقنيات شيوعًا حاليًا أجهزة الكشف المغناطيسي والأنظمة الزلزالية مثل السونار الجانبي، وأجهزة اختراق القاع، وأجهزة قياس الأعماق، والمسح متعدد الحزم. وقد تحسنت دقة هذه التقنيات بمرور الوقت، وأصبحت توفر بيانات كمية دقيقة عن طبيعة قاع البحر، وصلابته، وتضاريسه، إلى جانب صور طبقية وباثيمترية عالية الجودة.
- كيف تقيّمون التعاون العلمي بين البعثات الأجنبية والجهات المصرية في مجال الآثار الغارقة؟
يُعد علم الآثار الغارقة مجالًا مكلفًا للغاية ويتطلب طيفًا واسعًا من الخبرات المتخصصة. وباعتباره تخصصًا علميًا حديث النشأة نسبيًا، فإن تبادل الخبرات والتعاون الدولي يمثلان ركيزتين أساسيتين فيه، وهو ما أكدته بوضوح اتفاقية اليونسكو لعام 2001 لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه.
وتُعد مصر من أغنى دول العالم بالتراث الأثري، سواء المغمور أو البري، ما يجعل دراسة هذا التراث والحفاظ عليه مسؤولية علمية دولية مشتركة. ومنذ البدايات الأولى لنشاط الآثار الغارقة في مصر، لعب التعاون الدولي دورًا محوريًا، حيث تعود جذوره إلى النصف الثاني من القرن العشرين، عندما أسهمت اليونسكو في دعم القوات البحرية المصرية في أعمال المسح والتوثيق واسترداد القطع الأثرية الغارقة.
ومع نهاية القرن الماضي، منحت السلطات المصرية تصاريح لبعثات أجنبية للعمل في المياه الإقليمية، وهو ما أسهم بشكل كبير في اكتشاف مواقع غارقة مهمة، فضلًا عن تدريب كوادر أثرية مصرية اكتسبت خبرات واسعة ومتنوعة. ولا يزال هذا الدعم الدولي يلعب دورًا أساسيًا في تطوير المناهج العلمية ورفع كفاءة المتخصصين المصريين، بما يعزز قدرات الدولة في توثيق وحماية وإدارة التراث الثقافي الغارق بشكل مستدام.
- هل لديكم خطط مستقبلية للعمل في مواقع غارقة داخل مصر؟
من الضروري إدراك أن العمل الأثري في المدن الساحلية أو المناطق القريبة من المسطحات المائية في مصر يتطلب فهمًا شاملًا للعلاقة بين المصريين القدماء والبحر. وعندما تسفر الحفائر في موقع قريب من الساحل عن أدلة مادية تشير إلى ارتباطه بالبيئة البحرية، يصبح من الضروري توسيع نطاق البحث ليشمل المجال تحت المائي، من أجل إعادة بناء التاريخ الكامل للموقع.
وبناءً على ذلك، فإن الإجابة هي نعم؛ فنحن نعمل بالفعل على دراسة الامتدادات المحتملة لأحد المواقع أسفل مياه البحر المتوسط، بهدف فهم العلاقة بين الموقع والبحر، في ضوء المؤشرات والامتدادات المكانية التي كشفت عنها أعمال البحث.
-من واقع زيارتكم لمصر، أي موقع أثري غارق ترونه الأعلى قيمة من الناحية البحثية؟ ولماذا؟
أعتقد أن جميع المواقع الأثرية الغارقة ذات قيمة بحثية عالية، إذ إن أهمية أي موقع أثري تكمن أساسًا في المعلومات التي يتيحها من خلال الدراسة المنهجية. وقد قدمت المواقع الغارقة في مصر إسهامات علمية بالغة الأهمية لفهم التاريخ المصري عمومًا، والتاريخ البحري على وجه الخصوص، سواء في البحر المتوسط أو البحر الأحمر أو حتى في نهر النيل.
ومع ذلك، تتميز بعض المواقع بغزارة استثنائية في المادة الأثرية، من بينها المدن الغارقة بخليج أبي قير، وبقايا الحي الملكي القديم بالإسكندرية، والأدلة الأثرية المرتبطة بمنارة الإسكندرية القديمة. كما يُتوقع أن تسهم بعض المواقع، عند استكمال دراستها، في إحداث طفرة معرفية كبيرة، وعلى رأسها المنطقة الأثرية البحرية المقابلة لمدينة تابوزيريس ماجنا غرب الإسكندرية.
-هل تعتقدون أن هناك اكتشافات غارقة قد تغيّر السرد التاريخي لمصر القديمة أو العصر البطلمي؟
نعم، فالمواقع الغارقة غالبًا ما تحتفظ بأنواع من الأدلة لا تتوافر على اليابسة، مثل السفن المكتملة التجهيز، وحمولاتها السليمة، والعناصر المعمارية الكاملة للموانئ القديمة. وقد يؤدي اكتشاف حطام سفينة مؤرخ بدقة، أو منشأة مينائية محفوظة بالكامل، إلى إعادة تقييم كبرى لمسارات التجارة، والنشاط البحري، والعلاقات الخارجية، بل وحتى التسلسل الزمني لبعض الأحداث التاريخية.
-برأيكم، ما أهم اكتشاف أثري غارق على مستوى العالم حتى الآن؟
على المستوى العالمي، يُعد كل من حطام سفينة «أولوبورون» من العصر البرونزي المتأخر، وحطام «أنتيكيثيرا»، من أبرز الاكتشافات في علم الآثار الغارقة. فقد قدمت سفينة أولوبورون أدلة غير مسبوقة على تعقيد شبكات التبادل التجاري بين أقاليم شرق المتوسط، بينما كشف حطام أنتيكيثيرا، ولا سيما الآلة الفلكية الميكانيكية الفريدة، عن مستوى مذهل من المعرفة العلمية والقدرات الهندسية في العالم القديم.
أما في مصر، فيُعد اكتشاف اللوحة الشهيرة في مدينة هيراكليون، التي تحمل اسم المدينة، من أهم الاكتشافات التي أكدت هوية الموقع باعتباره مدينة «تونيس–هيراكليون» القديمة، إلى جانب الكشف عن الفرع الكانوبي الغارق وعدد هائل من حطام السفن، ما يبرز الأهمية التجارية الكبرى للمدينة قبل تأسيس الإسكندرية.
-كيف يُحدد ما إذا كان الموقع الغارق مناسبًا للحفر دون الإضرار بالقطع الأثرية؟
يخضع ذلك لتقييم علمي دقيق متعدد المراحل، يشمل المسح غير التدخلي باستخدام تقنيات جيوفيزيائية متقدمة، وتقييم الظروف البيئية والمخاطر المحتملة، وضمان توافر إمكانات الحفظ والتخزين، فضلًا عن تقدير القيمة العلمية للموقع، ووضع خطة حماية وإدارة تضمن الحد الأدنى من التدخل وفقًا للمعايير الدولية المعتمدة.
-ما حجم التهديد الذي يمثله تغير المناخ وارتفاع منسوب البحار على المواقع الأثرية الغارقة؟
يشكل تغير المناخ تهديدًا متزايدًا للمواقع الأثرية الغارقة، إذ يؤدي ارتفاع منسوب البحار إلى تسريع معدلات التعرية، كما قد تتسبب العواصف الشديدة في إلحاق أضرار مباشرة بالطبقات الأثرية، فضلًا عن زيادة تحلل المواد العضوية. ولهذا، تتطلب العديد من المواقع استراتيجيات عاجلة للتوثيق والمراقبة، وأحيانًا تدخلات إنقاذية لحمايتها.
-ما اللحظة الأكثر تأثيرًا بالنسبة لكم خلال أعمال التنقيب؟
العمل الأثري تحت الماء شديد التعقيد ويتطلب تركيزًا عاليًا في كل مراحله. ورغم ذلك، فإن لحظات انتشال القطع الأثرية، خاصة اللقى الصغيرة مثل العملات الذهبية، أو العمل في مواقع حطام السفن القديمة، تمثل تجارب مهنية وإنسانية بالغة التأثير، وتمنح الأثري شعورًا فريدًا بالتواصل المباشر مع التاريخ المغمور.