بدأت أسواق قطاع غزة تستعيد تدريجيا بعض مظاهر الحياة مع اقتراب عيد الفطر، في مشهد لم يشهده السكان منذ نحو عامين تقريبا، إلا أن هذه الاستعدادات تجري في ظل واقع اقتصادي وإنساني بالغ الصعوبة، مع استمرار آثار الحرب وارتفاع الأسعار وهشاشة وقف إطلاق النار.
وفي أسواق مدينة غزة وخان يونس ودير البلح، يتجول السكان بين الأكشاك الصغيرة التي تعرض ملابس الأطفال والحلويات وبعض المواد الغذائية الخاصة بالعيد، بينما ينادي الباعة على بضاعتهم في محاولة لجذب الزبائن.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان أجواء ما قبل الحرب، حين كانت الأسواق تعج بالحركة مع اقتراب نهاية شهر رمضان، وتنتشر رائحة كعك العيد في الأزقة الضيقة، وينتظر الأطفال شراء ملابسهم الجديدة.
لكن هذه الحيوية المحدودة لا تخفي حجم الدمار الذي خلفته الحرب في القطاع، إذ لا تزال أحياء كاملة مدمرة، فيما يعيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين في خيام ومراكز إيواء أو داخل منازل متضررة بعد تهجيرهم خلال العمليات العسكرية التي استمرت لأشهر طويلة.
ورغم أن وقف إطلاق النار الهش ساهم في تراجع حدة العمليات العسكرية واسعة النطاق، إلا أن التوتر الأمني لا يزال قائماً.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، أن قوات الاحتلال الإسرائيلية قتلت أكثر من 670 فلسطينيا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في حوادث قصف وإطلاق نار متفرقة في مناطق مختلفة من القطاع.
• مشاعر متناقضة
بالنسبة لكثير من سكان غزة، تحمل عودة أجواء العيد مشاعر متناقضة بين الرغبة في استعادة شيء من الحياة الطبيعية والحزن على الخسائر التي خلفتها الحرب.
وقال محمد الحداد، وهو أحد سكان مدينة غزة، لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، إن العائلات تحاول رغم الظروف الصعبة إدخال بعض الفرح إلى حياة أطفالها.
وأضاف: "اشتقنا لأجواء العيد في الأسواق، لكن أغلب الناس يأتون للتجول فقط لأن أوضاعهم المادية صعبة للغاية".
وأوضح أن كثيرا من العائلات باتت تكتفي بشراء أشياء بسيطة لأطفالها، في ظل ارتفاع الأسعار وفقدان مصادر الدخل.
وقال تجار، إن الحركة في الأسواق تحسنت مقارنة بالأشهر الماضية، لكنها لا تزال بعيدة عن مستوياتها المعتادة قبل الحرب بسبب تراجع القدرة الشرائية لدى معظم السكان.
وفي سوق الزاوية التاريخي في مدينة غزة، يتفقد الزبائن معروضات من الملابس البسيطة والحلويات المنزلية، بينما تحاول بعض المتاجر التكيف مع الظروف الاقتصادية من خلال عرض ملابس مستعملة أو سلع منخفضة التكلفة.
وقال سامر الكردي، وهو صاحب متجر ملابس في غزة، إن الزبائن يقضون وقتا أطول في تفقد البضائع، لكن عمليات الشراء تبقى محدودة.
وأضاف: "الأهالي يريدون أن يشتروا ملابس العيد لأطفالهم، لكن الأسعار مرتفعة مقارنة بقدرتهم المالية".
وتضرر اقتصاد غزة، بشدة خلال السنوات الأخيرة نتيجة الحصار الطويل الذي تفرضه إسرائيل على القطاع، إضافة إلى الدمار الذي خلفته الحرب الأخيرة، حيث فقد مئات الآلاف من الفلسطينيين وظائفهم أو مصادر دخلهم، بينما تعرضت متاجر ومنشآت اقتصادية كثيرة للتدمير. ونتيجة لذلك، يعتمد عدد كبير من السكان على المساعدات الإنسانية أو ما تبقى لديهم من مدخرات محدودة، وهو ما ينعكس بشكل واضح على طبيعة التسوق قبل العيد.
وقال الكردي: "إن بعض العائلات تأتي إلى السوق فقط للتنزه دون شراء أي شيء؛ الكثيرون يريدون فقط أن يشعروا بأن العيد يقترب".
• ارتفاع الأسعار
كما أصبحت مستلزمات العيد الأساسية أكثر تكلفة من السابق، حيث ارتفعت أسعار مواد مثل السكر والطحين وزيت الطهي نتيجة نقص الإمدادات واستمرار القيود المفروضة على دخول البضائع إلى القطاع.
وقال إبراهيم الحتو، مواطن من مدينة غزة لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، إنه حتى الأسماك التي تعد من الأطعمة التقليدية خلال العيد أصبحت أكثر تكلفة، بسبب القيود المفروضة على الصيد وقلة الكميات المتوفرة في الأسواق.
وأضاف: "حتى السمك أصبح مكلفاً لأن الصيادين لا يستطيعون العمل بحرية والإمدادات محدودة".
• الحفاظ على تقاليد العيد
ورغم هذه التحديات، تحاول العديد من العائلات الحفاظ على بعض تقاليد العيد.
وفي منزل متضرر جزئيا في مدينة دير البلح وسط القطاع، تجتمع نساء من عائلة واحدة لإعداد كعك العيد التقليدي المحشو بالتمر. وعلى الرغم من بساطة المكان وضيق الإمكانيات، تمتلئ الغرفة بأحاديث وضحكات بينما تقوم النساء بتشكيل العجين يدوياً.
وقالت أم أحمد السواركة، وهي أم لطفلين، إن هذه اللحظات تحمل أهمية كبيرة لعائلتها بعد شهور طويلة من النزوح.
وأضافت: "خلال الحرب كنا نعيش في مركز إيواء ولم يكن لدينا دقيق أو سكر لنصنع كعك العيد".
وأوضحت أن العائلة تمكنت هذا العام من جمع كمية صغيرة من المكونات، وقالت: "حتى لو كانت كمية بسيطة، فهي تعطي الأطفال شعوراً بأن العيد ما زال موجوداً".
وبينما تظهر بعض مظاهر الاستعداد للعيد في الأسواق والمنازل، تبقى آثار الحرب حاضرة بقوة في حياة السكان؛ ففي العديد من مناطق القطاع، لا تزال الأنقاض تحيط بالمنازل، فيما يعيش مئات الآلاف من الأشخاص في خيام أو مبانٍ متضررة بعد أشهر من النزوح المتكرر.
كما سيأتي العيد بالنسبة لكثير من العائلات في ظل غياب أقارب فقدوا حياتهم خلال الحرب.
• لحظات بسيطة من الفرح
ورغم هذه الظروف، يحاول السكان خلق لحظات بسيطة من الفرح، خصوصاً للأطفال، وفي بعض مراكز الإيواء، يوزع متطوعون حلويات وألعاباً بسيطة على الأطفال، بينما تنظم العائلات تجمعات صغيرة داخل الخيام.
وقالت رهام أبو شمالة، وهي طالبة جامعية نزحت مع عائلتها إلى خيمة قرب خان يونس، إن معنى العيد تغير كثيراً بعد الحرب.
وأضافت: "لن يكون هذا العيد مثل الأعياد التي اعتدنا عليها، لكننا نحاول أن نمنح الأطفال بعض الفرح".
وأعربت عن أملها بأن يحمل العيد القادم بداية مرحلة أفضل لسكان القطاع، متابعة: "نأمل أن يحمل هذا العيد بعض الأمل بأن الأيام القادمة ستكون أقل صعوبة".