نهاية عصر أوربان بخسارة مدوية تنهي 16 عاما من حكم المجر - بوابة الشروق
الخميس 30 أبريل 2026 2:14 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

نهاية عصر أوربان بخسارة مدوية تنهي 16 عاما من حكم المجر

بودابست- خالد أبو بكر
نشر في: الإثنين 13 أبريل 2026 - 11:07 ص | آخر تحديث: الإثنين 13 أبريل 2026 - 11:07 ص

- حزب "تيسا" بقيادة بيتر ماجيار يحصد 53.7% و138 مقعدا.. الحزب الحاكم يتراجع إلى 37.7% و55 مقعدا ومشاركة قياسية تقارب 79% تعكس انقلاب المزاج الشعبي

- شباب ما بعد الشيوعية يقلبون الطاولة على حليف ترامب وبوتين... وضربة قاصمة لليمين الشعبوي تعيد رسم موازين القوة داخل أوروبا


في مساء انتخابي مشحون على ضفاف نهر الدانوب في قلب بودابست، احتشد آلاف المجريين أمام شاشات عملاقة تتابع إعلان النتائج لحظة بلحظة. في جهة، كان أنصار بيتر ماجيار، زعيم حزب "تيسا" المحافظ المؤيد للاتحاد الأوروبي، يهتفون مع كل تقدم جديد في الأرقام.

وفي الجهة المقابلة، خيّم الصمت تدريجياً على مقار حزب فيدس، الحزب القومي المحافظ الذي يقوده رئيس الوزراء فيكتور أوربان منذ عام 2010. ومع اقتراب منتصف الليل، بدأت ملامح التحول التاريخي تتضح؛ أنصار أوربان تابعوا الشاشات بوجوه متجهمة، بينما تحولت الساحات القريبة إلى احتفالات صاخبة، رفعت فيها الأعلام ورددت هتافات "استعدنا بلدنا".

في تلك اللحظة، لم تكن المجر تشهد مجرد تبدل في السلطة، بل نهاية حقبة سياسية كاملة امتدت 16 عاماً.

لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية في المجر مجرد تغيير في الحكومة، بل زلزالاً سياسياً مكتمل الأركان أنهى حقبة امتدت 16 عاماً من حكم فيكتور أوربان، أحد أبرز رموز اليمين الشعبوي في أوروبا. فوز حزب "تيسا" بقيادة بيتر ماجيار بنسبة 53.7% من الأصوات، وحصوله على 138 مقعداً من أصل 199، منح المعارضة ليس فقط أغلبية مريحة، بل أغلبية دستورية قادرة على تفكيك النظام السياسي الذي بناه أوربان على مدى سنوات.

في المقابل، تراجع حزب "فيدس" الحاكم إلى 37.7% و55 مقعداً، في هزيمة وُصفت بأنها الأسوأ في تاريخ أوربان السياسي، رغم أنه كان قبل سنوات قليلة فقط يُعد نموذجاً ناجحاً للقيادة القومية المحافظة، ويحظى بإشادة من شخصيات مثل دونالد ترامب، وبعلاقات وثيقة مع فلاديمير بوتين.

هذه النتائج، التي جاءت في ظل مشاركة انتخابية قياسية قاربت 79%، تعكس تحوّلاً عميقاً في المزاج الشعبي، وتحديداً لدى جيل ما بعد الشيوعية، الذي لم يعد يرى في خطاب أوربان القائم على المواجهة مع الاتحاد الأوروبي أولوية، بل عبئاً سياسياً واقتصادياً يحد من فرص البلاد.

- جيل ما بعد الشيوعية يحسم المعركة

أحد أبرز ملامح هذه الانتخابات كان الحضور الكثيف للناخبين الشباب، الذين نشأوا في ظل اقتصاد السوق والانفتاح الأوروبي، ولم يعيشوا صراعات الحرب الباردة ولا حساسياتها. هذا الجيل لم يتأثر بخطاب "السيادة مقابل بروكسل" الذي تبناه أوربان، بل كان أكثر ميلاً إلى البراغماتية، والبحث عن فرص العمل، والاستقرار الاقتصادي، والانخراط في الفضاء الأوروبي.

الأرقام تعكس هذا التحول بوضوح. فبحسب استطلاعات سابقة، فضّل نحو 46% من المجريين تعزيز العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، مقابل نسب ضئيلة أرادت التقارب مع روسيا أو حتى الولايات المتحدة. كما عبّر أكثر من ثلثي الناخبين عن رغبتهم في تغيير النهج الأوروبي للحكومة، وهو ما ترجمته صناديق الاقتراع بوضوح.

نجاح ماجيار لم يكن فقط نتيجة هذا التحول، بل أيضاً بسبب قدرته على تقديم خطاب يجمع بين المحافظة الاجتماعية والانفتاح السياسي. فهو لم يطرح نفسه كخصم أيديولوجي جذري، بل كإصلاحي من داخل المنظومة، يعرف نقاط ضعفها، وقادر على تفكيكها دون الدخول في مغامرات غير محسوبة.

- سقوط نموذج "الديمقراطية غير الليبرالية"

منذ عام 2010، عمل أوربان على بناء ما وصفه بـ"الديمقراطية غير الليبرالية"، وهو نموذج أعاد فيه تشكيل مؤسسات الدولة، من القضاء إلى الإعلام، بما يعزز سيطرة السلطة التنفيذية. هذا النموذج، رغم نجاحه في تثبيت حكمه لسنوات، بدأ يواجه تحديات متزايدة، خاصة مع اتهامات الفساد، وتراجع الأداء الاقتصادي، وتجميد مليارات اليوروهات من أموال الاتحاد الأوروبي بسبب مخاوف تتعلق بسيادة القانون.

كما أن الاقتصاد المجري، الذي كان أحد نقاط قوة أوربان في بداياته، دخل مرحلة من التباطؤ، حيث سجل نمواً ضعيفاً لا يتجاوز 0.3% في عام 2025، مع معدلات تضخم مرتفعة في السنوات السابقة. هذه المؤشرات أضعفت الثقة في قدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد، خصوصاً في ظل أزمة الطاقة العالمية وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

في هذا السياق، لم تعد الشعارات كافية لإقناع الناخبين، خاصة مع تزايد الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، ما جعل الانتخابات تتحول إلى استفتاء على مجمل تجربة أوربان، وليس فقط على سياساته الأخيرة.

- انتصار أوروبي وخسارة لمحور ترامب -بوتين

النتيجة لم تكن داخلية فقط، بل حملت أبعاداً دولية واضحة. فخسارة أوربان تعني عملياً فقدان فلاديمير بوتين لأحد أبرز حلفائه داخل الاتحاد الأوروبي، كما تشكل انتكاسة لتيار يميني عالمي كان يرى في بودابست نموذجاً يمكن تكراره.

في المقابل، يمثل فوز ماجيار انتصاراً واضحاً للتيار الأوروبي، ويفتح الباب أمام إعادة دمج المجر في السياسات المشتركة للاتحاد، خصوصاً في ملفات حساسة مثل دعم أوكرانيا، حيث كانت بودابست في عهد أوربان تعرقل قرارات مهمة، من بينها حزمة دعم بقيمة 90 مليار يورو.

رئيسة المفوضية الأوروبية أكدت في أول تعليق لها أن "المجر اختارت أوروبا"، في إشارة إلى أن هذه الانتخابات قد تمثل نقطة تحول في العلاقة بين الطرفين، بعد سنوات من التوتر والتصعيد.

- ضربة لليمين الشعبوي في أوروبا

تتجاوز تداعيات هذه الانتخابات حدود المجر، إذ يُنظر إليها على أنها اختبار حقيقي لقوة اليمين الشعبوي في أوروبا. أوربان لم يكن مجرد زعيم محلي، بل كان بمثابة "مرجعية سياسية" لأحزاب اليمين المتطرف في القارة، التي استلهمت من تجربته في السيطرة على المؤسسات، وتوظيف الخطاب القومي.

هزيمته بهذه الطريقة، وبفارق كبير، توجه رسالة واضحة إلى هذه الأحزاب بأن النجاح الانتخابي ليس ضمانة للاستمرار، وأن الناخبين الأوروبيين قد يتقبلون الخطاب الشعبوي لفترة، لكنهم يعودون إلى الخيارات الأكثر توازناً عندما تتراكم الأزمات.

مع ذلك، لا يعني هذا نهاية اليمين الشعبوي، بل ربما بداية مرحلة إعادة تموضع، حيث قد تسعى هذه الأحزاب إلى تعديل خطابها لتفادي المصير نفسه.

- تحديات ضخمة أمام الحكومة الجديدة

رغم الانتصار الكبير، فإن الطريق أمام حكومة ماجيار مليء بالتحديات. أول هذه التحديات هو إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة استقلاليتها بعد سنوات من التسييس. كما أن تفكيك شبكات النفوذ المرتبطة بحزب "فيدس" لن يكون مهمة سهلة، خاصة أنها متجذرة في قطاعات اقتصادية وإدارية واسعة.

اقتصادياً، تواجه الحكومة وضعاً معقداً، مع عجز في الميزانية، وتباطؤ في النمو، وارتفاع في مستويات الفقر، حيث يعيش نحو ثلاثة ملايين مجري في ظروف صعبة. كما أن إعادة الثقة مع الاتحاد الأوروبي تتطلب إصلاحات حقيقية في ملف سيادة القانون، وهو ما قد يواجه مقاومة داخلية.

إلى جانب ذلك، تبقى مسألة الانقسام المجتمعي تحدياً رئيسياً، إذ إن سنوات من الاستقطاب الحاد تركت المجتمع المجري منقسماً بشكل عميق، ما يستدعي مقاربة سياسية جديدة تقوم على التهدئة وإعادة بناء الثقة.

- نقطة تحول أم استثناء؟

في المحصلة، تمثل هذه الانتخابات لحظة فارقة في تاريخ المجر الحديث، ونقطة تحول محتملة في مسار السياسة الأوروبية. لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالاً مفتوحاً: هل ما حدث هو بداية تراجع موجة الشعبوية في أوروبا، أم مجرد استثناء فرضته ظروف خاصة؟

الإجابة ستتضح في السنوات المقبلة، لكن المؤكد أن سقوط أوربان بهذه الطريقة أعاد التأكيد على حقيقة أساسية في الديمقراطيات الأوروبية: أن الناخب، مهما طال صبره، يبقى الحكم النهائي.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك