بين البحر والخيام.. نازحو شمالي غزة يعيشون نكبة أقسى - بوابة الشروق
الخميس 14 مايو 2026 11:18 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

بين البحر والخيام.. نازحو شمالي غزة يعيشون نكبة أقسى

غزة - الأناضول
نشر في: الخميس 14 مايو 2026 - 12:40 م | آخر تحديث: الخميس 14 مايو 2026 - 12:40 م

- 1.5 مليون نازح يواجهون ظروفاً قاسية في الخيام، بينما تستحضر العائلات الفلسطينية مآسي نكبة 1948
- النازح عبد الكريم عقل: ما نمر به حرب إبادة فعلية لم تمر حتى في أسوأ كوابيسنا
- أسمهان خليف: الحياة في غزة تحولت إلى صراع يومي من أجل البقاء، وعدنا لعصور الظلام
- أم علاء سالم ديب: كنا نسمع من آبائنا وأجدادنا عن النكبة، لكنها لم تكن بهذا المستوى من الكارثية والدمار

 

في قطاع غزة لا تبدو ذكرى النكبة مجرد مناسبة وطنية يستعيد فيها الفلسطينيون حكايات التهجير الأولى بالعام 1948، بل تحولت إلى واقع يومي يعيشه أكثر من 1.5 مليون نازح وجدوا أنفسهم وسط الخيام، يطاردهم الجوع والخوف والبرد والحر، كأن الزمن عاد عقوداً إلى الوراء.

في مخيم "سنابل" للنازحين أقصى الشمال الغربي لقطاع غزة، تنتشر الخيام البيضاء المهترئة فوق رمال شاطئ منطقة "السودانية"، بينما تلفح حرارة الشمس وجوه الأطفال والنساء، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور النكبة الأولى، لكن بظروف أكثر قسوة واتساعاً.

ومع حلول الذكرى 78 للنكبة، يرصد مراسل الأناضول واقع النازحين في المخيم، حيث تتقاطع روايات الآباء والأجداد مع معاناة جيل جديد وجد نفسه يعيش التهجير ذاته، وسط حرب ودمار وتجويع مستمر.

و"النكبة" مصطلح يطلقه الفلسطينيون على اليوم الذي أُعلن فيه قيام إسرائيل على معظم أراضيهم بتاريخ 15 مايو 1948.

**مأساة تتجاوز النكبة

داخل إحدى الخيام، يجلس عبد الكريم عقل (52 عاماً)، النازح من بلدة بيت حانون شمالي القطاع التي دمرها الجيش الإسرائيلي بالكامل، محدقاً في الفراغ، بينما تتزاحم في مخيلته صور الحرب والنزوح والفقدان.

ويقول عقل بصوت مثقل بالألم للأناضول إن "إطلاق اسم النكبة على ما نحن فيه، لا يضاهي ما حل بنا، فما جرى لنا لم يحدث في أي بقعة من العالم".

ويضيف: "ما جرى لنا كان حرب إبادة فعلية، لم نكن لنتخيلها حتى في أسوأ كوابيسنا".

ويرى عقل أن ما يحدث يتجاوز حدود الحرب التقليدية، قائلاً: "المؤامرة الإسرائيلية الأمريكية تهدف لإنهاء قضية فلسطين، وليس مجرد حرب عابرة".

ويتابع وهو يشير إلى الخيام المكتظة حوله: "لولا صمود أهل غزة في الشهور الأولى للحرب لتمكنت إسرائيل من تهجيرنا خارج فلسطين"، مستدركاً أن "هذا الحلم ما زال قادة الاحتلال".

وشنت إسرائيل حرب إبادة جماعية بدعم أمريكي ضد قطاع غزة استمرت لمدة سنتين، خلفت أكثر من 72 ألف شهيد فلسطيني وأكثر من 172 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.

ويصف عقل واقع النزوح بأنه "حصار داخل حصار”، مضيفا أن الجيش الإسرائيلي "يسيطر فعلياً على كامل قطاع غزة، بينما يحشر الناس في منطقة جغرافية ضيقة على ساحل البحر".

ولا يخفي الرجل الخمسيني حجم الانكسار النفسي الذي يعيشه النازحون، فيقول: "بتنا نفضل الموت على الحياة، لأن من يعيش في هذه الظروف هو الميت، أما من قضى شهيداً فقد نجا من هذه المعاناة".

ويستعيد أيام المجاعة التي عاشها الفلسطينيون خلال حرب الإبادة قائلاً: "عشنا مجاعة خانقة لم يعانِ منها الإنسان فقط، بل حتى الحيوانات التي صارت تنهش أجساد الشهداء من شدة الجوع وعدم توفر ما تأكله".

وتسببت حرب الإبادة الإسرائيلية في كارثة إنسانية حادة، تمثلت في تفشي المجاعة وسوء التغذية ووفاة أطفال وكبار سن، إلى جانب نزوح واسع بعد تدمير المنازل، وانقطاع الكهرباء وشح المياه النظيفة، مع انهيار كبير في القطاع الصحي.

** صراع من أجل البقاء

وفي خيمة أخرى، تحاول أسمهان خليف (61 عاماً)، النازحة من بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، تهيئة مساحة صغيرة لأحفادها وسط الرمال.

وتقول للأناضول إن أكثر ما يثقل حياتهم هو انعدام الأمان "فالقصف مستمر، والشهداء والجرحى يسقطون كل يوم".

وتشير بيدها إلى سقف الخيمة المهترئ قائلة: "الخيام لا تقينا حر الصيف ولا برد الشتاء، ولا تحمينا من الرصاص والقذائف".

وتستعيد المسنة حياتها السابقة بحسرة: "قبل الحرب كانت لنا بيوت تؤوينا، والحياة رغم بساطتها كانت جميلة، أما اليوم فنعيش في الجحيم".

وتصف الحياة في المخيم بأنها "صراع يومي من أجل البقاء"، مضيفة: "لا توجد أسواق أو مدارس أو عيادات، وكأننا عدنا إلى عصور الظلام".

وترى خليف أن النكبة الحالية ألغت الفوارق الاجتماعية بين الناس، موضحة "في نكبة الـ 48 لم تكن الظروف كما الآن، لقد أصبحنا جميعاً في ظروف متشابهة وذابت الطبقات الاجتماعية وبات الجميع في طبقة واحدة مسحوقة".

** خارج نطاق الجغرافيا

أما السيدة أم علاء سالم ديب (53 عاماً)، فتجلس أمام وعاء بلاستيكي تغسل فيه ملابس أطفالها، بينما تصف ما يعيشه الفلسطينيون في غزة بأنه "نكبة كبرى" بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وتقول للأناضول: "كنا نسمع من آبائنا وأجدادنا عن النكبة، لكنها لم تكن بهذا المستوى من الكارثية والدمار".

وتوضح أن مخيم النزوح الذي تعيش فيه معزول تماماً عن مظاهر الحياة، قائلة: "نعيش في منطقة نائية بعيداً عن كل مظاهر الحياة، لكننا مضطرون لذلك لأننا لم نجد مكاناً آخر يؤوينا".

وتضيف: "لا توجد مواصلات ولا أسواق أو محال تجارية، وليس لدينا مدارس أو نقاط تعليمية ولا طبية.. كأننا نعيش خارج نطاق الجغرافيا".

وأكثر ما يؤلم أم علاء هو ما آلت إليه حياة الأطفال، إذ تقول إن "الأطفال باتوا مشردين في الشوارع بلا مدارس تؤويهم، وقد حملوا حملاً أكبر من طاقتهم".

وتتوقف السيدة قليلاً وهي تستعيد لحظة فرارها من منزلها في الشهور الأولى للحرب، وتابعت: "خرجتُ من منزلي تحت نيران القذائف ونجوت من الموت بأعجوبة، إلا أنني فقدت معظم أفراد عائلتي بينهم ابنتي".

وبينت أنهم عاشوا أصنافاً من العذاب ورأوا الموت بأعينهم، مضيفة: "كل ما نرجوه من العالم أن ينظر لنا بعين الرحمة والإنسانية، وأن يسمحوا لنا بحياة كريمة.. يكفي ما حل بنا".

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 تواصل إسرائيل الإبادة بحصار وقصف يومي يُسفر عن قتلى وجرحى، كما تمنع إدخال كميات كافية من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء والمنازل المجهزة إلى غزة.

وأدت الخروقات الإسرائيلية إلى مقتل نحو 856 فلسطينيا وإصابة 2463 آخرين، وفق بيان لوزارة الصحة، الثلاثاء.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك