نعرف جميعا قصة نبي االله يونس الذي التقمه الحوت وقضى في بطنه أياما قبل أن يلفظه، ونأخذ من هذه المعجزة الالهية العبرة في فضل الاستغفار والتوبة.
ولقد تناولت العديد من الأعمال الأدبية والأفلام السينمائية، بل والكرتونية أحياناً، مراراً فكرة الصراع بين الانسان والحوت، حيث رأينا على شاشة السينما حيتانا تهاجم سفن الصيادين وتحطمها وتلتهم بحارة، وشاهدنا نجوم السينما الأمريكية وهم يقتلون الحيتان ويمزقون أوصالها في مشاهد درامية تبعث في النفس الإثارة والرهبة.
ولقد أثارت هذه الفكرة اهتمام الكثير من الباحثين ودفعت بعضهم إلى التفكير بشأن ما إذا كان من الممكن فعلاً أن يبتلع الحوت انسان، وأن يقضي في جوفه أيام دون أن يفارق الحياة.
وبعيداً عن المعجزات الإلهية، يستبعد شين جيرو خبير بيولوجيا الحيتان في مبادرة "بروجيكت سيتي" Project CETI العلمية المعنية بدراسة الحيتان أن يبتلع حوت ما سباحاً أو غواصاً على سبيل المثال.
ويقول في تصريحات للموقع الإلكتروني "بيوبلار ساينس" المتخصص في الأبحاث العلمية: "إذا ما وقع مثل هذا الأمر، فإن سوف يحدث من قبيل الخطأ من الطرفين". ويلوح هنا السؤال: "إذا لم تكن مثل هذه الحادثة قد وقعت أو تم تسجيلها من قبل... فهل هي على الأقل قابلة للحدوث؟".
ويقول الباحث جيرو: "على حد علمي، لم يحدث من قبل أن ابتلع أحد حيتان العنبر شخصا ما"، ويؤكد أن العادات الغذائية والسلوكية والصفات التشريحية للحيتان تنفي إمكانية حدوث هذا الأمر.
وأضاف: "من الناحية التشريحية أعتقد أنه من الممكن أن يمر شخص نحيف عبر حلق حوت عنبر ذكر، ولكن ذلك مستبعد للغاية نظرا لأن أدوات الغطس التي يرتديها هذا الشخص سوف تجعله في الواقع أكبر من حجمه الحقيقي بكثير، كما أن قيام الحوت بابتلاع شخص ما عن طريق الخطأ هو أيضا أمر مستبعد للغاية".
وأشار إلى أنه حتى إذا نجا هذا الشخص من تجربة الدخول في فم الحوت دون أن يغرق بسبب تيار المياه الصاعد، فإنه سوف يقضي نحبه بعد ذلك في غضون ثوان".
واستطرد: "أرى في تخميني أن أي شخص سوف يلقي حتفه في نفس الثانية التي سوف يدخل فيها داخل فم الحوت". ويطرح جيرو فرضية أخرى مثيرة تتعلق بالحوت نفسه، حيث يقول إن حيتان العنبر في العادة تتغذى على الرخويات والحبار، وهي كائنات بحرية بدون عظام، وبالتالي، فإن التهام شخص يرتدي اجهزة غوص سوف تؤدي على الأرجح إلى اختناق الحوت حتى الموت".
ويوضح أن جسم الحوت سوف يلفظ هذا الغواص على الفور في استجابة طبيعية، على غرار ما قد يحدث إذا ما دخلت حشرة إلى فم الانسان بشكل مفاجئ. ويقر جيرو أنه بالرغم من أنه ليس خبيرا في تشريح الحيتان، فإنه يعتقد أنه من المستبعد للغاية أن يمر شخص ما إلى داخل جوف حوت العنبر وأن يظل بعد ذلك على قيد الحياة".
ويقول إن "جوف الحوت يحتوي على أحماض وغازات، حيث أن المسار الهضمي للثدييات على اختلاف أنواعها لا يصلح كمكان للعيش بالنسبة لأي فريسة ينتهي بها المطاف في جوف الوحش الضاري الذي يلتهمها".
ومن جانبها، تقول الباحثة جوي رايندبرج خبيرة علم التشريح المقارن في كلية إيكان للطب بجامعة ماونت سيناي في نيويورك إن معدة حوت العنبر تتكون من أربع غرف، وتحتوي الغرفة الأولى على بطانة سميكة عضلية لتهشيم الغذاء الذي يتناوله الحوت نظراً لأن فم الحوت يحتوي على أسنان في الفك السفلي فقط، كما أن أسنانه مدببة لا تصلح للمضغ.
وأضافت أنه حتى إذا افترضنا أن شخص ما قد دخل إلى جوف الحوت وحاول الصعود للخارج مرة أخرى عبر الحلق، فإنه على الأرجح لن يجد أي نتوءات بارزة يمكن التشبث بها من أجل الخروج حيث أن مسار الهضم لدى حوت العنبر تبطنه جدران رطبة ولزجة لا يمكن التعلق بها باستثناء منطقة الحلق أو الأحبال الصوتية، حيث أنها تبرز للخارج كما لو كانت أنبوبة صلبة".
وتؤكد مجددا أنه حتى في حالة افتراض وقوع مثل هذا الحادث، فإن الشخص لن يستطيع البقاء داخل معدة الحوت دون سترات حماية وأجهزة تنفس توفر له الهواء".
ولكن بعد التيقن بشأن شبه استحالة أن يبتلع حوت العنبر شخصا ما، فهل من الممكن أن يبتلع مخلوق آخر على وجه الأرض انسان بكامل هيئته ويحتفظ به داخل جوفه، ثم يلفظه للخارج، ويظل بالرغم من ذلك على قيد الحياة؟ ولعلك سوف تندهش وربما تفزع عندما تعرف أن الإجابة هي نعم... فإن الأفعى الشبكية Malayopython reticlulatus، التي تعتبر من أطول أنواع الثعابين في العالم، حيث يصل طولها إلى قرابة 26 قدماً يمكنها بالفعل ابتلاع انسان بأكمله.
وكشفت دراسة علمية أجريت عام 2025 تتناول حوادث الأفاعي في إندونيسيا أن هذه النوعية من الثعابين العملاقة قد التهمت بالفعل 17 شخصا خلال الفترة ما بين 1927 و2025، ولكن الأمر الذي يدعو للاستغراب أن أربعة من هؤلاء الأشخاص قد نجوا بالفعل رغم قضاء بعض الوقت في جوف الأفعى.
ويؤكد الباحثون أنه في العديد من هذه الحالات، كانت الأفعى تلتهم الضحية بشكل كامل دون أن تمزقه إلى أجزاء. ويقول جيرو إن فصيلة أخرى من الأفاعي الضخمة تعرف باسم الأناكوندا الخضراء Eunectes Murinus يمكنها أيضا ابتلاع شخص كامل، حيث أنها تلتهم حيوانات ضخمة الحجم مثل الغزلان. يضيف: "تشتهر ثعابين الأناكوندا بأنها تلتف بأجسامها حول ضحيتها وتسحق عظامها قبل أن تبادر بابتلاعها".
ولكن جيرو يشير إلى نقطة اختلاف رئيسية بين الحيتان والأفاعي حيث يوضح أن حيتان العنبر "ليس لديها أي اهتمام على الإطلاق بالتهام البشر سواء بشكل متعمد أو غير ذلك" ويقول إن البشر قد أمضوا عقودا في صيد الحيتان طلباً لزيوتها، وبالرغم من ذلك لم يتم تسجيل وقوع أي عمل عدائي من هذه الحيتان بحق الصيادين، فهي في حقيقة الأمر عمالقة وديعة لا تعرف الإيذاء.