نظمت مكتبة مصر العامة، مساء السبت، ندوة بعنوان «الملكية الفكرية والابتكار كأدوات هامة للتنمية في الوطن العربي»، حاضر فيها السفير الدكتور وليد عبدالناصر، المدير السابق للمكتب الإقليمي للدول العربية بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية «الويبو»، وذلك بحضور نخبة من السفراء والدبلوماسيين والمثقفين والكتّاب وأساتذة الجامعات. واستعرض عبد الناصر خلال الندوة تطور منظومة الملكية الفكرية عربيًا ودوليًا، ودورها في دعم التنمية والابتكار والاقتصاد المعرفي، إلى جانب أبرز التحديات التي تواجه العالم العربي في هذا الملف الحيوي.
وفي مستهل الندوة، أكد عبد الناصر أن قضية الملكية الفكرية لم تعد مسألة قانونية فحسب، وإنما أصبحت أحد الأعمدة الرئيسية في بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز التنمية المستدامة، مشيرًا إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي تفرض ضرورة تطوير رؤية عربية واضحة تجاه قضايا الابتكار وحماية الحقوق الفكرية، موضحًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود الأطر التشريعية، بل في تحقيق التوازن بين حماية حقوق المبدعين وإتاحة المعرفة بما يخدم التنمية ويعزز قدرة المجتمعات العربية على المنافسة والإنتاج.

• تطور مفهوم الملكية الفكرية
قدّم السفير وليد عبد الناصر عرضًا موسعًا حول مفهوم الملكية الفكرية وتطورها التاريخي، موضحًا أن هذا المجال لم يعد يقتصر على جانب واحد، بل أصبح يشمل منظومة واسعة من الحقوق المرتبطة بالإبداع والابتكار.
وأوضح أن الملكية الفكرية تنقسم إلى شقين رئيسيين؛ الأول يتمثل في حقوق الملكية الصناعية، وتشمل براءات الاختراع والعلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية والمواد الجينية والمعارف التقليدية والفلكلور والتصاميم الصناعية والرسومات الهندسية وغيرها من الحقوق المتعلقة بالابتكار، بينما يتمثل الشق الثاني في حقوق الملكية الأدبية، والتي تضم حق المؤلف والناشر والحقوق المجاورة، وتشمل حقوق الفنانين والملحنين والمبدعين، وهي الحقوق المرتبطة بالإبداع الفني والثقافي.
وأشار إلى أن العالم شهد تطورًا مبكرًا في تنظيم هذا المجال منذ القرن التاسع عشر، عبر عدد من الاتفاقيات الدولية البارزة، من بينها «اتفاقية باريس» لعام 1883 الخاصة بحقوق الملكية الصناعية، و«اتفاقية برن» لعام 1886 الخاصة بحقوق الملكية الأدبية، لافتًا إلى أن هذه المنظومة استمرت في التطور حتى عام 1967، حين جرى تأسيس المنظمة العالمية للملكية الفكرية «الويبو»، التي أصبحت لاحقًا وكالة متخصصة ضمن منظومة الأمم المتحدة، مؤكدًا أن مصر كانت من أوائل الدول التي انضمت إلى المنظمة.

• أجندة التنمية.. نقطة التحول الكبرى ودور كامل إدريس في مسار المنظمة
وتناول السفير وليد عبد الناصر تطور دور المنظمة العالمية للملكية الفكرية عبر العقود، موضحًا أن نقطة التحول الأبرز جاءت مع إدماج مفهوم التنمية داخل عمل المنظمة، خاصة عقب إطلاق «أجندة التنمية» عام 2007، والتي ضمت 44 بندًا أعادت صياغة العلاقة بين حماية الملكية الفكرية ودعم أهداف التنمية المستدامة، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن بين مصالح الدول المتقدمة والدول النامية.
وأشار إلى أن هذه المرحلة سبقتها سنوات طويلة من المفاوضات والنقاشات بين الدول الأعضاء، لافتًا إلى الدور الذي لعبه كامل إدريس، رئيس الوزراء السوداني الحالي، خلال توليه منصب المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، حيث أسهم في الدفع نحو إدماج مفهوم التنمية داخل هيكل المنظمة وبرامجها المختلفة، بما أدى إلى إعادة تعريف دور الملكية الفكرية بوصفها أداة تنموية مرتبطة بالابتكار ونقل المعرفة، وليس مجرد إطار قانوني للحماية.
وأوضح أن هذا التحول أسهم في إحداث نقلة نوعية داخل المنظمة، من خلال إنشاء قطاعات وبرامج متخصصة تُعنى بربط الملكية الفكرية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما لم يكن مطروحًا بهذا الشكل في المراحل السابقة، حيث أصبح التركيز أكثر وضوحًا على دور الملكية الفكرية في دعم الابتكار وتحفيز النمو وتعزيز قدرات الدول النامية على الاستفادة من منظومة الحقوق الفكرية في مساراتها التنموية.
• الملكية الفكرية كمدخل للتنمية وبناء القدرات في العالم العربي
وأكد السفير وليد عبد الناصر أن التحول في مفهوم الملكية الفكرية أسهم في تعزيز دورها كأداة محورية لدعم الابتكار ونقل المعرفة وبناء الاقتصاد المعرفي، موضحًا أنها لم تعد تقتصر على إطار الحماية القانونية، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من منظومات التنمية في الدول المختلفة، ولا سيما في العالم العربي.
وأشار إلى أن هذا التحول استلزم بالضرورة التركيز على بناء القدرات المؤسسية والبشرية داخل الدول العربية، باعتبار أن فاعلية أي منظومة للملكية الفكرية ترتبط بمدى توافر الكوادر المؤهلة، والقدرة على إدارة هذا الملف بشكل احترافي يواكب التطورات العالمية المتسارعة.
وأوضح أنه خلال سنوات عمله التسع داخل المنظمة العالمية للملكية الفكرية، شارك في تنفيذ برامج تدريبية واستراتيجيات متخصصة في نحو 16 دولة عربية من أصل 22 دولة، بهدف إدماج الملكية الفكرية كمدخل رئيسي للتنمية والابتكار بمفهومه الأوسع، وبما يعزز من قدرة الدول العربية على توظيف هذا المجال في دعم خططها التنموية.
وأضاف أن هذه الجهود لم تقتصر على التدريب فقط، بل شملت أيضًا إنشاء أكاديميات ومراكز تدريب متخصصة تهدف إلى تأهيل كوادر وطنية قادرة على إدارة ملف الملكية الفكرية بكفاءة واحترافية، بما يسهم في دعم منظومات الابتكار، وربطها بشكل مباشر بالبحث العلمي والصناعة والاقتصاد المعرفي.
وأشار إلى أن عددًا من الدول العربية اتجه بالفعل إلى تبني مسار إنشاء أكاديميات وطنية مستقلة في هذا المجال، بعيدًا عن الاعتماد المباشر على برامج المنظمة العالمية للملكية الفكرية، مستشهدًا بالتجربة المغربية في هذا الإطار، بينما لا تزال دول أخرى، من بينها المملكة العربية السعودية والجزائر، في مرحلة العمل على إنشاء وتطوير أكاديميات وطنية متخصصة في الملكية الفكرية، بما يعكس تنامي الوعي بأهمية هذا القطاع ودوره في دعم التنمية.

• دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة
وأوضح عبدالناصر أن ربط الملكية الفكرية بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة مثّل أحد المحاور المهمة خلال السنوات الأخيرة، باعتبار هذه المشروعات ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية.
وأشار إلى أن هذا التوجه ساعد في تعزيز القدرة التنافسية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، سواء على مستوى الأسواق المحلية أو أسواق التصدير، من خلال حماية العلامات التجارية وبراءات الاختراع والابتكارات المختلفة.
وأكد أن جوهر هذا الملف يتمثل في تمكين الدول من تحويل الإبداع والمعرفة إلى أصول اقتصادية قابلة للحماية والاستثمار، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص جديدة للنمو.
• الجامعات والبحث العلمي.. «سياسات الجيل الجديد»
واستعرض السفير وليد عبد الناصر ما وصفه بـ«سياسات الجيل الجديد» في مجال الملكية الفكرية، والتي تقوم على الربط بين الجامعات ومراكز البحث العلمي من جهة، وقطاعات الصناعة والاقتصاد من جهة أخرى.
وأوضح أن عددًا من البرامج الإقليمية جرى تنفيذها داخل 28 جامعة عربية، من بينها جامعات القاهرة، وعين شمس، والإسكندرية، وبنها، وطنطا، والمنصورة، والجامعة الأمريكية، والبريطانية، والألمانية، وجامعة زويل «جامعة النيل حاليًا»، إلى جانب الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، بهدف وضع سياسات واضحة لإدارة الملكية الفكرية داخل المؤسسات التعليمية.
وأضاف أن هذه البرامج هدفت إلى تشجيع الطلاب والباحثين على تسجيل ابتكاراتهم وتحويلها إلى مشروعات اقتصادية، موضحًا أن تلك المبادرات امتدت أيضًا إلى عدد من الجامعات العربية والإقليمية في إطار تعاون مشترك لدعم الابتكار وربط البحث العلمي بالتنمية.
وأشار إلى أن بعض الدول العربية بدأت بالفعل في تبني سياسات خاصة بإدارة الملكية الفكرية داخل مراكز الأبحاث، إلى جانب إنشاء هيئات وطنية مستقلة نسبيًا لإدارة هذا الملف، بما يسهم في تعزيز فاعلية السياسات العامة ودعم الابتكار على المستوى الوطني.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تكاملًا أكبر بين المؤسسات الأكاديمية والبحثية والقطاعات الاقتصادية المختلفة، بما يضمن تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
• عمرو موسى وإنشاء وحدة الملكية الفكرية والتنافسية بجامعة الدول العربية
ونوه السفير وليد عبد الناصر إلى أهمية المؤتمرات والبرامج المشتركة بين الدول العربية في مجال الملكية الفكرية، باعتبارها منصة محورية لتبادل الخبرات وبناء شبكات تعاون إقليمي فاعلة، تسهم في تطوير منظومة الملكية الفكرية وتعزيز تنافسية الدول العربية في إطار الاقتصاد المعرفي، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تسارع في التحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار.
وأشار إلى المبادرات المؤسسية التي شهدها العمل العربي المشترك في هذا المجال، لافتًا إلى الوحدة التي أنشأها وزير الخارجية الأسبق عمرو موسى داخل جامعة الدول العربية عام 2002 تحت عنوان «وحدة الملكية الفكرية والتنافسية»، والتي مثلت خطوة مهمة نحو وضع إطار مؤسسي عربي للتعامل مع قضايا الملكية الفكرية وربطها بمفاهيم التنافسية والتنمية.
وأوضح أنه تم في هذا السياق توقيع مذكرة تفاهم بين هذه الوحدة وجامعة الدول العربية والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، بهدف تعزيز التعاون المؤسسي بين الجانبين، وتطوير آليات عمل مشتركة تسهم في دعم الدول العربية في بناء قدراتها في هذا المجال، بما يضمن استفادة أوسع للدول الأعضاء من الخبرات الدولية والإقليمية المتاحة.
وأضاف أن هذه المذكرة شكلت قاعدة انطلاق لتوسيع مجالات التعاون لاحقًا، حيث جرى تطويرها وتوسيع نطاقها خلال فترة لاحقة في عهد السفير أحمد أبو الغيط، بما عزز من فاعلية الشراكات المؤسسية وفتح آفاقًا أوسع للتعاون العربي في قضايا الملكية الفكرية، سواء على مستوى السياسات أو بناء القدرات أو دعم المبادرات الإقليمية المشتركة.

• تبني مبادرات لرفع الوعي الجمعي بأهمية احترام حقوق الملكية الفكرية
وأكد عبدالناصر أن أحد أبرز التحديات التي تواجه منظومة الملكية الفكرية في العالم العربي يتمثل في ضعف الاستمرارية المؤسسية وتفاوت فاعلية السياسات بين الدول، رغم وجود قوانين واستراتيجيات قائمة.
وأوضح أن حماية الحقوق الفكرية لا تعتمد فقط على التشريعات، وإنما على كفاءة أجهزة التطبيق، وفي مقدمتها الجمارك والجهات القضائية، مشيرًا إلى أن مستوى تنفيذ القوانين يختلف من دولة إلى أخرى، وأحيانًا داخل الدولة نفسها.
وأضاف أن بعض التجارب الدولية أثبتت أهمية التنسيق بين المؤسسات المختلفة، من خلال حملات توعوية وبرامج تعليمية تستهدف المدارس والجامعات والمجتمع، بما يسهم في رفع الوعي بأهمية احترام حقوق الملكية الفكرية.
وأشار إلى أن عددًا من الدول العربية بدأ بالفعل في تبني مبادرات للتوعية المجتمعية، من بينها تنظيم مسابقات سنوية وجوائز للمخترعين والطلاب، وربط قضايا الملكية الفكرية بالأنشطة التعليمية والثقافية.
ولفت إلى أن بعض المعارض والفعاليات الخاصة بالمخترعين في عدد من الدول الخليجية والعربية أسهمت في تشجيع الشباب على الابتكار وتعزيز المشاركة المجتمعية في مجالات البحث والتطوير.
• تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي
وأكد السفير وليد عبد الناصر أن التطورات التكنولوجية المتسارعة خلال العقدين الأخيرين فرضت تحديات جديدة على أنظمة الحماية التقليدية، خاصة مع اتساع الفضاء الرقمي وانتشار الإنترنت والذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن قضايا التعدي على الحقوق الفكرية أصبحت أكثر تعقيدًا وعابرة للحدود، ما يستلزم تطوير القدرات المهنية والأمنية في الدول العربية، إلى جانب تعزيز التعاون العربي والدولي في هذا المجال.
وأشار إلى أن من أبرز التحديات أيضًا محدودية عدد المتخصصين داخل بعض الأجهزة المعنية بالملكية الفكرية، وضعف الإمكانات المالية المخصصة لهذا القطاع في عدد من الدول العربية.
وأضاف أن هناك برامج تعاون دولي وإقليمي جرى تنفيذها بالشراكة مع عدد من الدول والمنظمات، ركزت على تطوير الأداء المؤسسي وبناء القدرات، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، في تطوير أداء مكاتب الملكية الفكرية.
ولفت إلى مبادرات تعاون إقليمي ضمت عددًا من الدول العربية بالتعاون مع شركاء دوليين، وركزت على استخدام الذكاء الاصطناعي في رفع كفاءة العمل الإداري والفني داخل المؤسسات المعنية بحماية الحقوق الفكرية.

• فجوة البحث العلمي والصناعة
وفي ختام الندوة، أكد السفير وليد عبد الناصر أن أحد أبرز التحديات في العالم العربي يتمثل في ضعف الربط بين مؤسسات البحث العلمي وقطاعات الصناعة والأعمال، الأمر الذي يؤدي إلى محدودية تحويل مخرجات البحث العلمي إلى تطبيقات اقتصادية ذات أثر مباشر.
وأشار إلى أن الإحصاءات الخاصة بالمنطقة العربية تعكس فجوة واضحة في هذا المجال، حيث لا تزال نسبة تحويل الأبحاث العلمية إلى تطبيقات صناعية أو اقتصادية منخفضة مقارنة بالمعدلات العالمية، رغم وجود جهود بحثية معتبرة في عدد من الدول العربية.
وأوضح أن بعض الدول الخليجية حققت تقدمًا نسبيًا في هذا المجال، إلا أن الفجوة لا تزال قائمة على مستوى المنطقة ككل، سواء فيما يتعلق بربط البحث العلمي باحتياجات السوق أو بتعزيز الابتكار الصناعي.
وأضاف أن بعض الابتكارات العربية يجري تسجيلها خارج المنطقة، رغم أن مصدرها الأساسي يعود إلى باحثين ومؤسسات عربية، وهو ما يعكس الحاجة إلى تطوير منظومة حماية الملكية الفكرية وربطها بالاقتصاد الوطني بصورة أكثر فاعلية.
وشدد على أن تطوير منظومة الملكية الفكرية في العالم العربي لا يرتبط بالتشريعات وحدها، وإنما يتطلب بناء منظومة متكاملة تربط البحث العلمي بالصناعة، وتدعم الابتكار، وتحوّل المعرفة إلى قوة اقتصادية مؤثرة وقادرة على المنافسة.
وشهد اللقاء حضور عدد من السفراء ورموز الدبلوماسية المصرية وأساتذة الجامعات والمثقفين والكتاب، من بينهم محمد العرابي، رؤوف سعد، ومحمد الشاذلي، ورضا الطايفي، وسعد الفرارجي، ومحمد إدريس، ومحمد توفيق، وعلي مراد، والدكتور إبراهيم عوض، وعمرو الشوبكي، والروائي عمرو شعراوي، والدكتورة ميار فراج، والكاتبة حنان فهيم أمين، والكاتب الصحفي أبو بكر الدسوقي، والكاتب الصحفي سيد هاني، إلى جانب عبدالفتاح عز الدين، وحازم رمضان، وداليا يوسف وغيرهم.
