«قرية ظالمة» لمحمد كامل حسين.. دعوة ليرى الناس إله الحب - بوابة الشروق
السبت 21 سبتمبر 2019 2:17 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

عن الأيام الأخيرة للسيد المسيح:

«قرية ظالمة» لمحمد كامل حسين.. دعوة ليرى الناس إله الحب

 عبدالله محمد:
نشر فى : السبت 17 أغسطس 2019 - 10:47 ص | آخر تحديث : السبت 17 أغسطس 2019 - 10:47 ص

ــ يسأل فى الرواية: أتقتلون رجلا يقول إن الله هو الحب تلك كلمة لا يقولها مجرم؟

«الله هو الحب!» رأى لا يضع من قدر الله، ولكنه يرفع من قدر الحب، إن إله اليهود جبار هائل، وقد يكون مصدر خير أو شر. ولكن إله هذا الرجل لا يكون إلا خيرا. سيصلبونه اليوم على أنه كفر بالله وما كفر إلا برأيهم فى الله. سيقتلونه لأنه أجرم، إذ يقول إن الله هو الحب، تلك كلمة لا يقولها إلا ملك كريم.
أسئلة كثيرة تطرحها رواية «قرية ظالمة» للأديب محمد كامل حسين، الصادرة عن دار الشروق، حول الأيام الأخيرة للسيد المسيح، وما يتبعها من تحديات فكرية وفلسفية حول الحب وأزمات الإنسان النفسية والاجتماعية ورؤيته وتصوره عن الله.
على هذا المنوال الشعرى الفلسفى العميق يطرح محمد كامل حسين رؤيته فيقول: «ثم إنه كفر بالله، وأنكر الصفات التى له فى التوراة، فهو لا يقول بجبروته وانتقامه، وإنما يقول إن الله هو الحب، ويريد ألا يخاف الناس الله، وإنما يريد لهم أن يحبوه لأنه يحبهم، وفى ذلك خروج على تعاليم التوراة، لابد أن يؤدى إلى الفوضى. أتقتلون رجلا يقول إن الله هو الحب، تلك كلمة لا يقولها مجرم. الله هو الحب!».
وتعد «قرية ظالمة»، التى صدرت أول مرة عام 1954، من أجمل ما كتب د.«محمد كامل حسين» بل يراها البعض أجمل ما كُتِب عن الأيام الأخيرة للسيد المسيح، تناول المؤلف فى هذه القصة بأسلوب راق وسرد شائق مشكلات الإنسان النفسية والفكرية والاجتماعية المزمنة، وترجمت إلى لغات عديدة كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية والهولندية والتركية، واستحق من أجلها جائزة الدولة فى الأدب عام 1957. كان د.«محمد كامل حسين» (1901 ــ 1977) جراحا بارعا، تفوق فى الطب فكان يُعَد رائد طب العظام فى مصر، ونال جائزة الدولة فى العلوم عام 1967، فأصبح بذلك أول مصرى يحوز جائزتى الأدب والعلوم. وله عدة كتب تتناول اللغة العربية والأدب والنقد والطب والعلوم، ومن أهمها «الوادى المقدس» (دار الشروق، 2007) «وقوم لا يتطهرون» (دار الشروق، 2004) «والذكر الحكيم» و«اللغة العربية المعاصرة» و«التحليل البيولوچى للتاريخ» و«وحدة المعرفة».
من خلال الاسم يمنح لك أن تقرأ ما قد تخلفه تلك القرية التى ظلمت نفسها، فلقبت عن جدارة بالقرية الظالمة، واتخذها الكاتب نقطة البداية ليحكى حكايته المغزولة بالسرد البليغ المحكم التفاصيل الموزون بشاعرية الإيقاع، تلك القرية التى بحثت عن التبريرات لإقامة القصاص، وظلمت من يبشر بالحب، ومن يأتى ليتمسك بالحياة لأجل أن يحيى فيها حياة جميلة لا يملأها حقد ولا غل ولا حسد.
فى هذه الرواية نصطدم بكل تصوراتنا الطفولية عن أمور تبدو من المسلمات إلا أنه يطرحها للنقاش أمام العقل والمنطق، واحدة منها قوله: «لنفرض أن الأنانية وحدها هى التى تدعوك إلى خدمة الناس، فأى أثرة فى ذلك. إن الترهب أكبر مظاهر الأنانية، مهما يكن فيه من إرهاق وحرمان. إنه لا يراد به إلا أن ينفع الراهب نفسه فى الدنيا أو فى الآخرة، ولا ينفع تبتله أحد غيره، ثم إنه إن تكن تغبطنى على السكنية فإنى أغبطك على هذا الشعور الحاد بالحياة، وحبك التمتع بها كاملة، ولو أنك أخلدت إلى السكينة، وهى ليست من طبعك، لشقيت بها. ولو اندفع مثلى إلى الكفاح، وليس من طبعه، لكان شقيا. ولكى قد أضر أو أنفع، وقد أخطئ أو أصيب، وقد أوذى الأبرياء، أو أرفع المجرمين، وقد أفعل كل ذلك فى سبيل التمتع بهذا الشعور العميق بالحياة. إن خدمتك للناس فضل منك، مخطئا كنت أم مصيبا. إنما يرهق أمثالك أنهم يرون الحياة سباقا ومن رآها كذلك فلن يقنع بشىء، ولن يرضى عن نفسه، ولو أوتى ملك القياصرة».
قصة قرية ظالمة تعالج – من خلال حياة المسيح ــ ضمير الفرد وضمير الجماعة، الجماعة لا عقل لها ولا ضمير وتميل إلى الظلم أكثر من العدل، فى تلك القرية الظالم أهلها.. «أورشليم» التى ظلمت السيد المسيح وبحثت بكل سبل التبرير ليتجرأوا لإصدار الحكم عليه بالصلب ظلما خوفا من أن تضلهم أفكاره وأعماله التى تتسم بالخير والمحبة ويغلفها طابع إنسانى أراد أن يكسوا صفو أرواحهم وكان ينادى به.
ببساطة تدور أحداث الرواية فى يوم واحد، وموضوع هذا اليوم هو اتهام السيد المسيح من قبل بنى إسرائيل والمطالبة بقتله، وما تطرحه من أسئلة تخص الضمير الإنسانى ومدى ارتباطه وتأثيره فى الفرد والجماعة، ومسألة الدين وعلاقته بالنظام، ومسألة المبادئ الإنسانية، وذلك من خلال تناول الموضوع من وجهة نظر ثلاثة أطراف فى هذه الرواية وهم: بنو إسرائيل، والحواريون «تلاميذ المسيح»، والرومان، بأسلوب سردى رصين عميق وبلغة عذبة، مثلما فعل جبران خليل جبران فى كتابه «النبى».
والمؤلف يختم فى روايته برسالة إلى كل الإنسانية على اختلافاتها ونوازعها الفردية: «فى أحداث يوم الجمعة ذلك كل عوامل الضلال والخطأ، وفى كل يوم من أيام الحياة تتكرر مآسى ذلك اليوم.. فليتدبر الناس هذه العوامل، وليجتنبوها، وسيجدون بعد ذلك أمامهم مجالا واسعا لعمل الخير، يسعدون به فينعمون بحياة طيبة جميلة».
عن الرواية قال دكتور صلاح فضل أستاذ الأدب العربى: «وإن كانت تمضى على غير ما نألف اليوم من التقنيات السردية وأساليب الأداء الفنى واللغوى، مما يجعلها بطيئة الإيقاع كثيرة الجدل عميقة الفلسفة إلا أنها نموذج بديع للعمل الفنى الكلاسيكى الذى يستحق مكانة دائمة فى ذاكرة الأجيال المتلاحقة. تنتظم مع كوكبة من الأعمال الروائية التى تدور فى فلك الرؤية التاريخية وتفسيراتها المعاصرة والتى خطتها أفلام طليعية رائدة لأمثال طه حسين ومحمد فريد أبو حديد وعلى الجارم ممن أشبعوا الثقافة العربية تأملا نقديا وحوارا معرفيا وأسسوا وعى الأجيال التالية لهم، فأسهموا فى انبثاق تيارات الرواية المعاصرة بأقدار متباينة ودرجات مختلفة».
محمد كامل حسين أديب وطبيب وعالم ومفكر وفيلسوف جمع بين دقة العلم وتميز الأدباء وهو أول مدير لجامعة (إبراهيم باشا ــ جامعة عين شمس حاليا) وعضو مجمع اللغة العربية عام 1952 ميلادية وعضو المجلس الأعلى للجامعات وكذلك مجلس جامعة الأزهر الشريف، ومن مؤلفاته الفكرية (الوادى المقدس) ومن مؤلفاته الإبداعية قصة (قوم لا يتطهرون) وكذلك (قرية ظالمة) التى نال بسببها جائزة الدولة التقديرية فى فرع الأدب لعام 1957 وهو الوحيد الذى جمع بين جوائز الدولة فى العلوم والأدب، ولد محمد كامل حسين فى قرية سبك الضحاك بالمنوفية، تربى فى كنف أخيه الأكبر بعد وفاة أبيه وهو لا يزال صغيرا، كان الأول فى البكالوريا (الثانوية العامة حاليا)، وكذلك ظل الأول داخل فرقته فى كلية طب قصر العينى، حيث تخرج فيها وعمره اثنان وعشرون عاما فقط. أوفد محمد كامل حسين بعد تخرجه فى بعثة دراسية إلى بريطانيا؛ حيث نال إجازة الزمالة فى كلية الجراحين الملكية. وكان أول مصرى يحصل على ماجستير جراحة العظام من جامعة ليفربول، وهو يُعد بحق رائد طب العظام فى مصر فلقد قام بإنشاء قسم جراحة العظام، كما ساهم فى إنشاء مستشفى الهلال الأحمر فى القاهرة. وفى عام 1950 اختاره الدكتور طه حسين أول مدير لجامعة إبراهيم (عين شمس حاليا)، لكن التعقيدات الإدارية ومناورات السياسة دفعته إلى تقديم استقالته منها بعد عامين.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك