تحت سطح العالم.. غادة لبيب تكتب عن «أستراليا بين المكان والذاكرة والإنسان» - بوابة الشروق
الخميس 17 سبتمبر 2026 5:11 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

تحت سطح العالم.. غادة لبيب تكتب عن «أستراليا بين المكان والذاكرة والإنسان»

شيماء شناوي
نشر في: الخميس 17 سبتمبر 2026 - 1:46 م | آخر تحديث: الخميس 17 سبتمبر 2026 - 1:47 م

_ يتجاور في الكتاب جمال أستراليا الطبيعي مع تاريخها القاسي
_ قوة الكتاب الأساسية في عين الرحالة التي تنتقي ما يستوقفها وتربطه بتجربتها
_ كأن السفر يعيدها في النهاية إلى عالمها الأصلي: الكتب والكتابة والقراءة


منذ السطور الأولى لـكتاب «تحت سطح العالم.. ستون يومًا في أستراليا»، تضع الدكتورة غادة لبيب القارئ أمام سؤال يتجاوز المكان الذي تحمل الرحلة اسمه: ماذا يبقى من السفر بعد أن تنتهي الرحلة؟ فالكتاب، الذي تصنفه دار الشروق ضمن «أدب الرحلات/ مذكرات»، ليس محاولة لتقديم أستراليا إلى القارئ من خلال قائمة من المدن والمعالم، وإنما تسجيل لتجربة شخصية تشكلت على مدى ستين يومًا، بدأت من حلم بزيارة الأخ عمرو، وانتهت بكتاب استعادت صاحبته من خلاله ما عاشته وخبرته وما ظل عالقًا في ذاكرتها.

يكشف الإهداء منذ البداية أن العلاقة العائلية ليست هامشًا في الكتاب؛ فهي تهديه إلى والديها الراحلين، وإلى أخيها عمرو، وتقول بوضوح: «إلى أبي وأمي في رحمةِ الله الواسعة... إلى أن نلتقي. وإلى جُزءٍ منهما توأم الروح أخي عمرو.. لولاك ما كان هذا الكتاب».

وهذا المدخل مهم لفهم الكتاب؛ لأن أستراليا ليست موضوعه الوحيد، ذلك لأن الرحلة تبدأ في الحقيقة من علاقة إنسانية، ثم تتسع تدريجيًا لتصبح وسيلة لاكتشاف بلد كانت بالنسبة للكاتبة «مجرد وجهة على خريطة العالم، متميزة عن غيرها لوجود شقيقي هناك»، لكن سرعان ما تحولت بعد وصولها وتجولها إلى تجربة مختلفة تمامًا؛ إذ تقول: «رأيتها قصيدة بعيدة تنتظر مَن يُصغي إلى موسيقاها الخفية، العذبة الهادئة والملحمية المتسارعة».

ومن هذا الاكتشاف الشخصي تنطلق غادة لبيب لرسم صورة أوسع للقارة التي «تبدو عند أطراف الأرض، كنجمة وحيدة في الجنوب»، وتجمع، كما تراها، «بين اتساع الطبيعة الأولى وسحر الحضارات المتعددة التي جاءت لتسكنها»، في عالم «يختلط فيه البشر كما تختلط الألوان على لوحات الرسامين، ويمتزج فيه الصمت الكوني للطبيعة مع ضجيج المدن الحديثة».

ومن هنا يأتي معنى «تحت سطح العالم» فالعنوان يعكس منهج الكاتبة في النظر إلى الأشياء؛ فكلما ظهرت أمامها صورة جذابة للمكان، حاولت البحث عن طبقة أخرى خلفها: التاريخ خلف المبنى، والإنسان خلف المعروض، والذاكرة خلف الاحتفال، والتجربة الشخصية خلف المعلومة. ولذلك يتجاور في الكتاب جمال أستراليا الطبيعي مع تاريخها القاسي، والحدائق والمتاحف مع السجون، والكنغر واللؤلؤ مع قصص السكان الأصليين والمهاجرين والحروب والاحتجاجات.

بيرث هي المدخل الأول إلى هذا العالم. تصفها لبيب بأنها مدينة هادئة وجميلة، ومن أكثر المدن الكبرى عزلة في العالم، وهي عاصمة غرب أستراليا وأكبر مدن الولاية ورابع أكبر مدن أستراليا من حيث عدد السكان وفق المعلومات التي توردها. غير أن أهمية بيرث في الكتاب لا تأتي من المعلومات الجغرافية وحدها، وإنما من كونها المدينة التي تتعلم فيها الكاتبة كيف تنظر إلى أستراليا من الداخل. تبدأ بالأسرة والطعام وفارق التوقيت والحياة اليومية، ثم تتوسع دوائر معرفتها لتصل إلى الأسواق والمتاحف والشواطئ والمكتبات ومجموعات القراءة.

وتكشف هذه التفاصيل عن واحدة من أهم خصائص صوت لبيب: «الفضول»، هي لا تسافر باعتبارها خبيرة، ولا تتظاهر بمعرفة كل شيء. بالعكس، تعترف بدهشتها وتسمح للمعلومة بأن تغير تصورها. تقول إنها لم تدخل الرحلة محملة بصور مسبقة، وإنها لم تعد بإجابات مؤكدة عن عالم مختلف عن عالم القاهرة، وإنما أرادت أن تندهش وتسجل ملاحظاتها. وهذا يمنح الكتاب صدقه الأساسي؛ فالكاتبة لا تخفي موقعها كزائرة مصرية ترى الأشياء للمرة الأولى، ولا تحاول إلغاء الفارق بين عالمها وعالم المكان الذي تزوره.

لكن الفضول عند لبيب لا يظل فضولًا سياحيًا. أحد أوضح الأمثلة على ذلك زيارتها فريمانتل. تبدأ الجولة بالمباني القديمة والبحر، ثم تصل إلى سجن فريمانتل، وهناك يتغير نوع النظر. المجسم الذي تراه في الطريق لمساجين مقيدين بالسلاسل يجعلها تفكر في معنى فقدان الهوية، قبل أن تدخل السجن وتبدأ في التعرف إلى تاريخه. وفي متحف حطام السفن، تنتقل من السفن الغارقة إلى تاريخ الملاحة والاستيطان والتجارة، ثم إلى اللؤلؤ، الذي يفتح بدوره بابًا على السكان الأصليين والمستوطنين والأستراليين وصناعة اللؤلؤ.

هذه الطريقة في الانتقال هي من أهم ما يميز الكتاب: المعلومة لا تأتي منفصلة عن التجربة، وإنما تنشأ منها. ترى الكاتبة شيئًا، فتسأل، ثم تبحث، ثم تحكي ما اكتشفته. ولذلك يبدو الكتاب في مواضع كثيرة أقرب إلى دفتر ملاحظات مثقفة منه إلى رحلة سياحية جاهزة. وهو ما يفسر اتساع موضوعاته؛ فالطبيعة تقود إلى الحيوان، والحيوان إلى البيئة، والمتحف إلى التاريخ، والتاريخ إلى السياسة، والمكتبة إلى الكتاب، والكتاب إلى الجاليات العربية والهوية والهجرة.

وتصبح المكتبات، تحديدًا، مفتاحًا مهمًا لشخصية الكاتبة. غادة لبيب ليست مجرد مسافرة تحب زيارة المكتبات؛ القراءة جزء معلن من حياتها، وهي مؤسسة «Garden Book»، لذلك تحمل معها كتبًا مصرية وعربية وتهديها إلى مكتبات ومجموعات قراءة في أستراليا.كما تترك كتبًا لدى الأصدقاء في سيدني لتتداولها الجالية المصرية والعربية هناك.

ومن هنا يتحول السفر إلى تبادل ثقافي صغير. فالكاتبة لا تكتفي بأن تقرأ أستراليا، وإنما تحمل معها جزءًا من مصر إليها. وفي مكتبة ملبورن، يصبح الكتاب نفسه موضوعًا للتأمل؛ تتوقف عند قسم «الكتاب والأفكار»، وعند تاريخ المخطوطات، وعند فكرة أن الكتب غيرت نظرة البشر إلى العالم وأسهمت في نشر الأفكار، قبل أن تصل إلى سؤال أكبر يتعلق باستحالة احتواء معرفة العالم كلها في مكتبة واحدة، بل وفي كتاب واحد. وهذه اللحظة تحديدًا تكشف أن الكتاب الذي بين أيدينا يحاول أن يفعل شيئًا مشابهًا: أن يحتوي تجربة عالم كامل داخل كتاب واحد، مع الاعتراف ضمنيًا باستحالة الإحاطة الكاملة به.

وتتوقف غادة لبيب عند واحدة من أكثر الصفحات قسوة في تاريخ أستراليا، والمتعلقة بالسكان الأصليين، الذين عانوا طويلًا من الإقصاء والتمييز، ولم يكن مسموحًا لهم بدخول المدن إلا للعمل، وظلوا يناضلون حتى انتزعوا حقهم في التصويت، كما تستعيد كذلك مأساة ما عُرف بـ«الأجيال المسروقة»، حين انتُزع أطفال من أسر السكان الأصليين بحجة توفير تربية أفضل لهم، ففُصلوا عن عائلاتهم وقبائلهم، تاركين وراءهم جرحًا امتد أثره إلى أجيال. وتشير إلى جهود جمعيات تعمل على تتبع هؤلاء الأبناء وإعادة وصلهم بأسرهم وأقاربهم، في محاولة لاستعادة ما انقطع من صلات، بعدما قدمت أستراليا مجرد اعتذارًا عن عمليات انتزاع الأطفال.

أما ملبورن فتدفع الكتاب إلى مستوى أكثر تركيبًا. الوصول إليها نفسه يختلف عن بيرث: برد شديد، مدينة تقدم نفسها باعتبارها مدينة الفنون والقهوة، ثم شبكة واسعة من المتاحف والمعارض والمواقع التاريخية. ومع تقدم الرحلة، يتضح أن اهتمام لبيب بالمدينة لا ينحصر في صورتها الحديثة، وإنما يتجه إلى كيفية تشكل هذه الصورة عبر طبقات التاريخ.

أبرز هذه الطبقات حضور السكان الأصليين.ليصبح معها الكتاب أكثر من مجرد حكاية عن اختلاف الثقافات؛ إذ تتوقف الكاتبة أمام تاريخ الإقصاء و«الأجيال المسروقة»، وتحاول فهم ما تركته تلك السياسات في الذاكرة الأسترالية. وهذا الجانب ليس تفصيلًا عابرًا؛ فهو أحد الخيوط التي تمنح العنوان دلالته. فالصورة الحديثة للبلد لا يمكن فهمها، وفق ما تعرضه الكاتبة في رحلتها، من دون النظر إلى التاريخ الذي سبقها.

والأمر نفسه يحدث عندما تدخل إلى معرض يتناول الاحتجاجات في ملبورن. هنا لا تكتفي بعرض فكرة عامة عن حرية التظاهر، وإنما تستعرض تاريخًا من الاحتجاجات المتعلقة بالحقوق السياسية والعمال والحرب والتجنيد الإجباري والبيئة وغيرها.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الكتاب: فالكاتبة لا تضع نفسها في موقع المؤرخ الذي يصدر أحكامًا على المجتمع الأسترالي، وإنما في موقع الزائرة التي ترى مادة تاريخية وتحاول فهمها. وفي أكثر من موضع، تترك المعلومة تقود القارئ إلى التفكير بدل أن تقدم له خلاصة جاهزة، لتصبح هذه النقطة مهمة لأن الكتاب، رغم كثرة المعلومات، ليس كتابًا بحثيًا؛ قوته الأساسية في عين الرحالة التي تنتقي ما يستوقفها وتربطه بتجربتها.

حتى رحلة «الألف درجة» في ملبورن تكشف هذه الطريقة. تبدأ الحكاية من اقتراح عمرو لمكان طبيعي، ثم تبحث لبيب عنه وتكتشف أنه مسار «كوكودا التذكاري للمشي»، المرتبط بضحايا الجنود الأستراليين في معارك كوكودا ضد القوات اليابانية في غينيا الجديدة عام 1942. وعلى طول الطريق تجد لوحات تخلد أسماء الجنود وما فعلوه وكيف ماتوا. وهنا لا تتوقف عند صعوبة صعود الدرج، وإنما تلتقط الطريقة التي تحولت بها مساحة للمشي في الطبيعة إلى وسيلة لاستعادة الذاكرة العسكرية.

وبذلك يصبح المشي نفسه جزءًا من فلسفة الكتاب: الاقتراب من المكان خطوة وراء خطوة، والنظر إلى ما يبدو عاديًا حتى تظهر دلالته. وهي فلسفة تتكرر في المتاحف والمكتبات والمعارض؛ فالمكان لا يعطي معناه دفعة واحدة.

وفي المقابل، لا تذيب لبيب ذاتها تمامًا داخل المكان. تظل القاهرة حاضرة بوصفها مرجعًا تقيس عليه تجربتها. فرق التوقيت، الطعام، الطقس، المشي، المواصلات، التعامل مع الغرباء، المكتبات، العرب المقيمون هناك، كلها تفاصيل تجعل الرحلة حوارًا مستمرًا بين عالمين. لذلك فإن «أستراليا» في الكتاب ليست مجرد موضوع خارجي؛ إنها مرآة ترى فيها الكاتبة بعض الأشياء المتعلقة بعالمها هي أيضًا.

ويظهر هذا بوضوح أكبر في حضور المصريين والعرب. فلقاء أماني يوسف، التي أسست مجموعة للقراءة باللغة العربية في بيرث، لا يأتي كحادثة اجتماعية منفصلة، وإنما يثبت أن القراءة أصبحت وسيلة لتكوين مجتمع عابر للحدود. وفي سيدني، تبلغ هذه الفكرة ذروتها مع الندوة التي تجمع ثلاثة كتاب مصريين ، نهى عودة وأيمن حويرة ونشأت يونس، تناقش معهم لبيب الهجرة وتأثيرها في الكتابة، والترجمة، والنشر، وتجارب الكتاب الجدد.

وبهذا تتسع الرحلة مرة أخرى: من زيارة أخ إلى اكتشاف بلد، ومن اكتشاف بلد إلى اكتشاف مجتمع مصري وعربي يعيش بعيدًا عن الوطن، ومنه إلى سؤال الكتابة نفسها. فالكاتبة التي بدأت الرحلة بقارئتها الخاصة تنتهي إلى لقاء كتاب آخرين، وكأن السفر يعيدها في النهاية إلى عالمها الأصلي: الكتب والكتابة والقراءة.

ومن أجمل ما في بناء الكتاب أن العودة لا تأتي بوصفها نهاية جغرافية فقط. في الخاتمة تستعيد لبيب أيامها مع أخيها وأسرته، وتقول إن ما عاشته لا يختزل في الذاكرة وحدها، وإنما في الطريقة التي نروي بها ما عشناه. وهذه العبارة تصلح مفتاحًا أخيرًا للكتاب كله؛ فالرحلة حدث، لكن الكتاب هو إعادة بناء لهذا الحدث عبر السرد.

ولذلك فإن قيمة «تحت سطح العالم» لا تكمن في أن القارئ سيعرف منه كل شيء عن أستراليا، فهذا ليس هدف الكتاب أصلًا. قيمته في الطريقة التي تكشف بها رحلة شخصية صغيرة ــ زيارة أخ لأخته ــ طبقات متعددة من المكان: الطبيعة، والتاريخ، والهجرة، والسكان الأصليون، والحروب، والاحتجاج، والمتاحف، والمكتبات، والجالية العربية، والكتابة.

وقد يلاحظ القارئ أن كثافة المعلومات أحيانًا تجعل بعض المقاطع تقترب من أسلوب المادة التوثيقية، خصوصًا حين تطول التفاصيل التاريخية أو الشروحات المصاحبة للمعروضات. لكن هذا الجانب نفسه جزء من طبيعة التجربة التي اختارتها لبيب؛ فهي لا تريد أن تروي فقط ما رأته، وإنما ما تعلمته وهي تراه. وفي المقابل، تظل أقوى أجزاء الكتاب هي التي تتشابك فيها المعلومة مع لحظة إنسانية: لقاء الأخ، اكتشاف الكنغر، المشي في الطبيعة، الحديث مع القراء العرب، الوقوف أمام آثار السكان الأصليين، أو العودة في النهاية إلى دفء العائلة.

«تحت سطح العالم» إذن ليس كتابًا عن أستراليا بالمعنى الجغرافي وحده، ولا مذكرات شخصية خالصة. إنه كتاب يقع في المسافة بين الاثنين؛ تستعمل فيه غادة لبيب الرحلة لكي تكتشف المكان، وتستعمل المكان لكي تكتشف البشر، ثم تعود من البشر إلى نفسها. ولهذا يصبح السفر في الكتاب فعل معرفة قبل أن يكون انتقالًا، وتصبح الكتابة محاولة للاحتفاظ بما لا تستطيع الصور وحدها الاحتفاظ به.

فبعد ستين يومًا، لا تكون النتيجة قائمة بالأماكن التي زارتها الكاتبة، وإنما طبقات من الذاكرة: أخ وأسرة وبلد بعيد، مدن ومتاحف ومكتبات، حيوانات وطبيعة، تاريخ مؤلم، مهاجرون وقراء وكتاب. ومن هذه الطبقات يتشكل معنى العنوان: أن العالم الذي نراه من الخارج ليس كل العالم، وأن المكان، مثل الإنسان، لا يكشف نفسه دفعة واحدة. يحتاج إلى أن ننظر مرة أخرى، ونسأل أكثر، ونقترب من التفاصيل التي تقع فعلًا تحت السطح.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك