ميدان سفير.. الفنان سمير فؤاد يرسم لوحة حنين لمصر الجديدة - بوابة الشروق
الأربعاء 20 مايو 2026 10:37 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

ميدان سفير.. الفنان سمير فؤاد يرسم لوحة حنين لمصر الجديدة

مي فهمي
نشر في: الثلاثاء 19 مايو 2026 - 3:45 م | آخر تحديث: الثلاثاء 19 مايو 2026 - 3:45 م

- شهادة إنسانية على زمن العلاقة بين الإنسان والمكان فيه أكثر دفئاً وانسجاماً

 

من شرفة تطل على "ميدان سفير" وفي الشقة ذاتها التي شهدت صرخته الأولى، يرسم الفنان التشكيلي سمير فؤاد لوحا بالكلمات لا تقل إبداعًا عن لوحاته الملونة.

يبدأ الكاتب، السرد بوصف المكان لا بوصفه جغرافيا صامتة، بل ككائن حي يحتفظ بالأصوات والروائح والوجوه التي صنعت وجدان طفولته.

في كتابه الصادر عن دار الشروق، لا يكتفي فؤاد بكتابة سيرة ذاتية تقليدية، بل يحول مرسمه اليومي الذي يربط حاضره بماضيه إلى آلة زمن تأخذنا في جولة بانورامية داخل مجتمع مصري كان يضج بالتنوع، ويفيض بالجمال الذي كان يومًا ما ركنًا أصيلاً من أركان الحياة.

يبدأ الكاتب رحلته بوصف آسر لضاحية "مصر الجديدة" (هيليوبوليس)، تلك البقعة التي وُلد ونشأ فيها، واصفًا رحلته اليومية المعتادة من أرض الجولف إلى ميدان سفير.

بعين الفنان الخبير، يتغزل فؤاد في العمارة التي ميزت الحي، حيث تزاوج الفن الإسلامي مع التصميم المعماري الكلاسيكي الحديث، مستحضرًا إبداعات معماريي طراز "الآرت ديكو"، وبصمات المعماري البلجيكي إرنست جاسبار والفرنسي ألكسندر مارسيل، ويتجول بنا بين عمارات شركة مصر الجديدة، ومقاهيها العتيقة كقهوة الإسماعيلية التي ارتادها والده، وصولًا إلى "البواكي" الأنيقة وكازينو سفير وصور ميدان تريومف القديمة.

في فصل يحمل اسم الكتاب "شقة ميدان سفير"، يفتح لنا فؤاد باب بيت العائلة الذي بُني عام 1941، واصفًا بلاطه المعصراني وغرفه الخمس، من خلال هذا الحيّز المكاني، ينسج الكاتب تفاصيل الحياة الاجتماعية الدافئة، راصدًا العلاقة الاستثنائية مع الجيران؛ حيث تبادل التحيات والمأكولات.

كما يرسم الكاتب صورة حيّة لعلاقات الجيرة، حيث كان التبادل الإنساني جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، من تبادل الطعام إلى المشاركة في الأفراح والأحزان، فتظهر شخصيات تركت أثرًا غائرًا في ذاكرته؛ مثل الجارة اليهودية "برتا" وطنط زوزو وابنتها بوسي في الشقة المجاورة.

كما يغوص الكاتب في تفاصيل عائلته، متحدثًا عن والده الصارم والموهوب، وأخيه الطيار سامي، وأمه وعاداتها المنزلية الأصيلة من تسييح السمن وتقطير ماء الزهر، وصولًا إلى شقيقتيه سوسو وسميحة، ومشهد زفاف سوسو الذي حوّل منزلها لاحقًا إلى ملتقى لأطفال العائلة.

ولا تتوقف الذاكرة عند حدود الشقة، بل تنطلق في شوارع الضاحية زيحكي الكاتب بشغف عن رحلة تعلم ركوب الدراجات، وطقس يوم الخميس الممتع عبر ركوب المترو العتيق متوجهًا إلى وسط البلد وجروبي، مارًا بتمثال نهضة مصر في موقعه القديم بميدان "الليمون" رمسيس حالياً، كما يستعيد طقوس التصوير السنوية في "فوتو رعمسيس» مع كل عيد ميلاد.

في استعراضه للمجتمع الكوزموبوليتاني لمصر الجديدة، يصف فؤاد كيف كانت المنطقة ملاذًا للباحثين عن الهدوء، بتركيبتها السكانية المتنوعة من يونانيين وأرمن وإيطاليين. خصص الكاتب مساحة واسعة لوسائل الترفيه، من نادي هليوبوليس وكازينوهات المنطقة الشهيرة، إلى دور السينما التي اعتبرها طقسًا اجتماعيًا جامعًا، مثل سينما الريفيرا و"الحرية" ذات التحفة المعمارية، ولم ينسَ تأثير الفن البصري الأول عليه؛ أفيشات الأفلام الملونة، وتحديدًا أفيش فيلم "شمشون الجبار" الذي دفعه لرسمه مرارًا وتكرارًا.

تتدرج مذكرات فؤاد لتشمل تشكله الوجداني في المدارس؛ بدءًا من "روضة مصر الجديدة" و"الخلفاء" وصولًا إلى المرحلة الثانوية، مستذكرا معلمي الأمس الذين كانوا قامات ثقافية ترعى المواهب، وأصدقاء العمر.

وفي الخلفية، لا يغفل الكاتب عن رصد التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى التي تزامنت مع صباه، مثل حريق القاهرة المروع عام 1952، والعدوان الثلاثي، وتأثير خاله الإذاعي أحمد سعيد مؤسس إذاعة صوت العرب، وكيف انعكست هذه الأحداث على وعيه وهو في سن مبكرة، مشكّلة إدراكه للعالم من حوله

يتخلل الكتاب فصول شيقة مثل حكاية "النداهة" مع خادمة المنزل، ورحلات العائلة إلى قرية جده "المناشي"، وشغفه المبكر بالموسيقى والأدب، قبل أن تتفتح "بذور فنان".

في النهاية، يُتوّج الكتاب بخاتمة عن يوم الكاتب الحالي ومجموعة من لوحاته الملونة، ليضعنا أمام مرآة قاسية تعكس تناقضات الواقع.

"ميدان سفير" ليس مجرد سيرة ذاتية، بل شهادة إنسانية على زمن كانت فيه العلاقة بين الإنسان والمكان أكثر دفئًا وانسجامًا، يقارن الكاتب بين ذلك الماضي، بما حمله من جمال وتناغم، والحاضر الذي يراه وقد فقد كثيرًا من ملامحه، ليصبح الكتاب محاولة واعية للحفاظ على الذاكرة من التآكلؤ فهو رحلة في تفاصيل صغيرة، لكنها كفيلة بأن ترسم صورة كبيرة لوطنٍ كان، وما زال يسكن وجدان أبنائه.


صور متعلقة


قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك