المحلل الاستراتيجي ديفيد روبرتس: على دول الخليج إقامة نظامها الأمني الخاص دون الاعتماد على الشركاء الدوليين - بوابة الشروق
الأربعاء 20 مايو 2026 10:34 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

المحلل الاستراتيجي ديفيد روبرتس: على دول الخليج إقامة نظامها الأمني الخاص دون الاعتماد على الشركاء الدوليين

واشنطن - (د ب أ)
نشر في: الأربعاء 20 مايو 2026 - 9:43 ص | آخر تحديث: الأربعاء 20 مايو 2026 - 9:43 ص

وجدت دول الخليج العربية نفسها في موقف لا يحسد عليه، مع نشوب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير، بعد أن تحولت القوات والقواعد الأمريكية في دول الخليج العربية إلى سبب رئيسي لمهاجمة إيران لفنادقها وبنيتها التحتية ردا على الحرب الأمريكية الإسرائيلية.

ورغم تراجع القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير نتيجة القصف الأمريكي الإسرائيلي، لاتزال طهران قادرة على ضرب الخليج، ومازالت سيطرتها على مضيق هرمز قوية.

في الوقت نفسه، فإنه سواء توصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران واعتباره انتصارا، أو استأنف القتال ضدها، ستكون دول الخليج خاسرة. لذلك على هذه الدول العمل على التوصل إلى اتفاق خاص بها مع إيران يحقق مصالحها بدلا من انتظار واشنطن لكي تحقق هذه المصالح.

وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية، يقول ديفيد روبرتس، المحاضر في قسم دراسات أمن الشرق الأوسط في جامعة كينجز كوليدج لندن البريطانية ورئيس معهد دراسات الأمن التطبيقي في الجامعة، إن خروج دول الخليج من هذا المأزق يحتم عليها التخلي عن تصور أن الأمن سلعة تباع وتشتري وليست قدرة يجب بناؤها. وهذا يعني ضرورة تعامل دول الخليج مع ملف إيران بنفسها، والسعي إلى اتفاق إقليمي شامل مع إيران، يكون فيه الانسحاب العسكري الأمريكي التدريجي من الخليج حجر الزاوية، مقابل تنازلات إيرانية واسعة النطاق تتضمن القبول بقيود على برامجها النووية والصاروخية، ووقف سياساتها العدوانية تجاه دول الجوار وتطبيع العلاقات الدبلوماسية معها.

ورغم أهمية مثل هذه التسوية في وضع إطار جيد للأمن الإقليمي، فإنها لن تكون كافية بمفردها حيث تحتاج دول الخليج لإعادة تأهيل جيوشها حتى تكون قادرة على خوض الحروب دفاعا عن أراضيها ومصالحها بدلا من الاعتماد على شركاء دوليين لضمان الأمن.

والتاريخ يقول إن القوى الخارجية كثيرا ما تخذل حلفاءها. فقد تخلت بريطانيا عن حلفائها في اليمن في ستينيات القرن الماضي، وسمحت لإيران بالاستيلاء على ثلاث جزر إماراتية. وتخلت واشنطن عن حليفها شاه إيران أمام ثورة الخميني عام 1979. كما لم تقدم أي دعم لحلفائها خلال ثورات الربيع العربي.

ولا يوجد مبرر استراتيجي يفسر سبب عدم تطوير دول الخليج قدرات عالمية المستوى في مجال الكشف عن الألغام البحرية وإزالتها، في الوقت الذي تعتمد فيه اعتمادا كبيرا على الصادرات البحرية، التي ظلت لفترة طويلة عرضة لتهديدات زرع الألغام الإيرانية في مضيق هرمز. فقد اعتمدت دول الخليج على الخبرة البحرية للولايات المتحدة وبريطانيا في مجال التعامل مع الألغام في الخليج، لتجد نفسها الآن في مواجهة هذا التهديد المصيري بعد أن سحبت بريطانيا كاسحات الألغام التابعة لها من الخدمة قبل نشوب حرب إيران، في حين شنت الولايات المتحدة حربها ضد طهران من على بعد آلاف الأميال. وكما هو الحال دائمًا، اتخذت لندن وواشنطن هذه القرارات لمصلحتهما الخاصة، وليس لمصلحة دول الخليج.

ويجب على جيوش الخليج بناء قدرات قتالية كافية لحماية أمن دولها، انطلاقا مما حققته من نجاحات سابقة، حيث كان الإنزال البرمائي الناجح لدولة الإمارات العربية المتحدة في مدينة عدن اليمنية عام 2015 الأكثر تعقيدا في التاريخ العسكري العربي الحديث؛ كما أن مشغلي أنظمة الدفاع الصاروخي في الخليج يتمتعون بالكفاءة، لا سيما وأنهم من بين الأكثر خبرة قتالية في العالم. وقد أثبتت جيوش الخليج جدارتها بهذه المهمة. وقد يؤدي رحيل القوات الأمريكية عن الخليج إلى زيادة تركيز دول الخليج على تعزيز قدراتها الذاتية كما لم يحدث من قبل.

ويقول ديفيد روبرتس مؤلف كتاب "السياسات الأمنية لممالك الخليج" إنه لا يمكن الرهان على واشنطن لكي "تكمل المهمة" وتواصل الحرب حتى تفقد إيران قدرتها على تهديد مضيق هرمز، ودعم وكلائها، وضرب البنية التحتية لدول الجوار دون عقاب. لكن إيران خرج من حرب شاملة مع العراق دامت ثماني سنوات، دمرت اقتصادها وأودت بحياة مئات الآلاف من الإيرانيين، كما عانت من عقود من العقوبات، وحملة اغتيالات إسرائيلية استهدفت شخصيات بارزة في النظام. والآن، وبعد مرور أشهر على واحدة من أطول حملات القصف التي شهدتها المنطقة على الإطلاق، لا يزال النظام الإيراني قائما ويواصل إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ على جيرانه.

وعلى عكس هذا الرهان غير المجدي، يمكن القول إن انسحاباً أمريكيا تدريجيا من منطقة الخليج على مدى خمس سنوات، مع التزام تعاقدي بين واشنطن وعواصم الخليج يضمن العودة السريعة للقوات الأمريكية في حال ظهور خطر جسيم، من شأنه إزالة أحد الأسباب الهيكلية لانعدام الأمن في الخليج. كما أن إيران ستكون أقل عدوانية ورغبة في زيادة قدراتها العسكرية إذا لم تعد تواجه تهديدات وجودية من الولايات المتحدة وإسرائيل. ولن يكون أي انسحاب أمريكي من الخليج قرارا أحادي الجانب ولا غير مشروط. فمن المرجح الحصول على تنازلات إيرانية غير مسبوقة مقابل الانسحاب الأمريكي، وهو مكسب لم يعرض من قبل.

كما أن أي تسوية معقولة ستتيح لإيران استئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشروط شديدة الصرامة تضمن عدم حصولها على سلاح نووي، في حين يمكن لبرامج دول الخليج النووية المدنية أن تشكل أساسا لإطار عمل للتفتيش المتبادل والشفافية وبناء الثقة. وهذا بدوره قد يقيد العمليات الأحادية لإسرائيل ضد إيران، كما أن طهران، في حال زوال التهديد الوجودي لها ، قد تكون أقل رغبة في السعي نحو امتلاك القنبلة النووية.

وإذا كان من الصعب تقييد برامج الطائرات المسيرة الإيرانية، فإن إقامة هيكل متعدد الأطراف للتفتيش على أنظمة الطائرات المسيرة والصواريخ يشمل دول الخليج بما فيها إيران يمكنه وضع حدود ملزمة على المدى والحمولة، وتقييد عمليات النقل إلى جهات غير رسمية، ومراقبة عمليات النشر واسعة النطاق. في الوقت نفسه، ينبغي لدول الخليج استيعاب تكتيكات مكافحة الطائرات المسيّرة التي تتبعها أوكرانيا، مثل الحرب الإلكترونية، والاعتراض متعدد المستويات، وتحصين البنية التحتية الحيوية ضد هذه الهجمات.

ما ستحتاج إيران إلى التوقيع على معاهدة شاملة لعدم الاعتداء تفرض حدودا لمدى صواريخها الباليستية وحمولاتها، وتنهي دعمها للجماعات الحليفة مثل الحوثيين في اليمن مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة عليها، وتضع أسساً للتعاون الاقتصادي الإقليمي، مما يمنح كلا الجانبين مصلحة حقيقية في المحافظة على بقاء مثل هذا الاتفاق. وبهذه الرؤية يمكن تحويل الخليج من ساحة صراع إلى منطقة اقتصادية متكاملة تستفيد منها فيها جميع الأطراف بما فيها إيران، وتتحمل في الوقت نفسه ثمن أي صراع.

وقد يرى البعض أن إيران لن تلتزم بمثل هذا الاتفاق، لأنها مدفوعة بمبادئ عقائدية لا يمكن تغييرها بأي حوافز. لكن قراءة أكثر واقعية لإيران ستكشف عن دولة عقلانية، وإن كانت قاسية، تسعى لتحقيق أهداف استراتيجية واضحة، تتمثل في إبعاد النفوذ العسكري الأمريكي عن جوارها، والاعتراف بمكانتها الإقليمية، وبقاء نظام الحكم. لذلك فإن سلوكها يتأثر كثيرا، بالضغوط والإغراءات.

معنى هذا أن الفرصة سانحة أمام دول الخليج لإقامة منظومة أمن إقليمي تحقق لها مصالحها وتضمن لها جوار آمن وتنهي عقودا من الاعتماد على الشركاء الدوليين وبخاصة الولايات المتحدة، وهو الاعتماد الذي أظهر في حالات كثيرة أن أضراره أكثر من فوائده.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك