تخطو خطواتك بثبات حين تزوره، ولا تزيغ عينك لحظةً أمام مشهد أكشاكه وصفوفه المرتبة، وواجهاته التي يفوح منها عبق عريق لكتبٍ متنوعةٍ تجمع بين العالمي والإقليمي والمحلي، وتضم أطيافًا فكرية وثقافية وتاريخية واجتماعية وإنسانية، وغيرها من الكتب التي نسعد بقراءتها واقتنائها.
نتحدث هنا عن سور الأزبكية في القاهرة؛ ذلك المكان الذي لا تكاد تمر دورة من دورات معرض القاهرة الدولي للكتاب دون أن يستدعي ذكره، فننظم السطور ونُفرِد له الكتابة، بوصفه ممرًا ثقافيًا مكتظًا بمختلف أشكال المعرفة والعلوم.

• أقدم وأشهر سوقا للكتب المستعملة بمصر
نجح سور الأزبكية، وهو أقدم وأشهر سوقا للكتب المستعملة بمصر، في الصمود أمام التحول الرقمي، حتى بعد تجديد أكشاكه الخشبية القديمة واستبدالها بأخرى حديثة التصميم، ذات أسطح قرميدية ولمبات تراثية؛ وهو الطراز الذي اعتمدته محافظة القاهرة عقب إعادة تنظيم المكان.
ودائما احتفظ سور الأزبكية بأصالته وعمق أهدافه في مواجهة التحول الرقمي، إذ إنك تعيش التجربة كاملة فيه؛ تلمس الكتب، وتستنشق رائحتها، وتقلب صفحاتها، وتتعرف على ثقافات متعددة لتحبها وتقترب منها. كما أنك تذهب إلى المكان دون أن يكون في ذهنك عنوان محدد أو كتاب بعينه، وتخرج منه محملًا بكتبٍ لم تكن تبحث عنها من الأساس؛ فالكتاب في سور الأزبكية يُكتشَف ولا يُبحَث عنه.

• علاقة إنسانية مع المعرفة
يعتمد المكان على اقتصاد الذاكرة لا اقتصاد الربح؛ إذ يضم كتبًا مستعملة، وأرشيفات، وصحفًا قديمة، ورسائل، وكتيباتٍ اندثرت، وهي مواد لا تتوافر رقميًا، وقد تفقد سياقها التاريخي والإنساني إذا جرى التفكير في رقمنتها.
في سور الأزبكية، أنت شريك للبائع لا مجرد مستهلك؛ تفاوضه وتتحاور معه عند الشراء، على عكس المنصات الرقمية التي تتحول فيها إلى مستخدم تُقاد اختياراته وتُختزل هويته في بيانات.

يخاطب المكان المجتمع بأكمله: الطلاب، والباحثين، والصحفيين، والقراء العابرين؛ إذ يؤدي دورًا اجتماعيًا لا ثقافيًا فحسب، بخلاف المنصات الرقمية التي قد تعمق الشعور بالعزلة.
ولا يصمد سور الأزبكية لأنه خارج الزمن، بل لأنه يحتفظ بما افتقده العصر الرقمي: العلاقة الإنسانية مع المعرفة.
• نظائر سور الأزبكية حول العالم
تتطابق هذه الأسباب مع نظائر سور الأزبكية حول العالم؛ إذ تمثل تلك الأماكن بدورها ذاكرة مدنها، بوصفها أسواقًا مفتوحة شعبية وتاريخية شهدت التحولات الثقافية والإنسانية في بلدانها، وفي السطور التالية، نتعرف على عدد من هذه النماذج.
1- سوق كتب تشارينج كروس رود لندن

هو مكان مشهور لعشاق الكتب، خاصة لمحبي الكتب المستعملة والقديمة، لأنه يضم العديد من المكتبات المتخصصة مثل Any Amount of Books، وتشتهر المنطقة بوجود مكتبة Foyles الضخمة، وشارع Cecil Court الفرعي الذي يطلق عليه "صف بائعي الكتب الجديد" لتركيزه على الكتب النادرة، كما أن المنطقة مستوحاة من رواية 84، شارع تشارينج كروس، وتتمتع بجو أدبي فريد يجمع بين الجديد والمستعمل، وهو أيضا سوق مكرّس للمكتبات المستقلة والقديمة ويعد مقصد للصحفيين والباحثين، ويمثل الكتاب كصناعة ثقافية لا مجرد سلعة.
2- سوق إل راسترو في مدريد

هو عبارة عن أكشاك خشبية متقاربة وقريب من المتنزهات العامة، كما أن أسعاره شعبية ويقام كل أحد فقط، وجمهوره الدائم من الطلبة والمثقفين، بالإضافة إلى أنه يضم متجر سان جينيس San Ginés للكتب الذي يعتبر معلما تاريخيا يقدم كنوزا أدبية.
3- سوق بائعي الكتب على نهر السين في باريس

هو عبارة عن أكشاك خضراء ثابتة على ضفاف السين ويضم كتب مستعملة ونادرة وخرائط قديمة، مُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، والكتاب فيه جزء من المشهد اليومي للمدينة، تعرف أيضا باسم "البوكينيست" (les bouquinistes)، كمعلم ثقافي باريسي عريق يمتد لمسافة 3 كم على ضفتي النهر، يضم حوالي 240 بائعا يستخدمون تلك الأكشاك الخضراء لعرض آلاف الكتب، بالإضافة إلى المطبوعات والملصقات، وهو جزء أصيل من تراث باريس الثقافي منذ قرون، ويعتبر أكبر مكتبة في الهواء الطلق في العالم.
4- سوق بورتا بورتيز (Porta Portese) للكتب المستعملة

يوجد في روما ويعتبر أكبر وأشهر سوقا مفتوحا للسلع المستعملة والعتيقة. يقع في حي تراستيفيري ويُقام كل يوم أحد صباحا، ويتميز بتشكيلة واسعة من الملابس المستعملة، التحف، الكتب، الأغراض المنزلية، ومأكولات الشارع الإيطالية، وهو مكان ممتاز للمساومة والبحث عن صفقات فريدة ويتماثل مع سور الأزبكية في أنه يعتبر الكتاب جزءا من الحياة اليومية لا معزول عنها، ويشمل فوضى جميلة تشبه روح السور قديما.
5- شارع الكتب في كولكاتا بالهند

من أشهر أسواق بيع الكتب المستعملة وأكبرها في كولكاتا بولاية غرب البنغال ويمتد على طول 900 متر من شارع بِيدهان ساراني إلى بوو بازار، متقاطع مع طريق إم جي وشارع سوريا سين، وهو معروف لدى محبي العلم والمعرفة في الهند، ويعد أطول شارع كتب في العالم وأكشاكه مفتوحة بلا واجهات، كما أنه يشبه سور الأزبكية في عشوائيته الحيوية قديما.
وفي النهاية علينا معرفة أن هذه الأماكن من سور الأزبكية إلى ضفاف السين في باريس، لا تبيع كتبا فحسب، بل تحفظ تاريخ المدن، وتعيد تشكيل العلاقة بين القارئ والشارع، بين الثقافة والحياة اليومية. وعلى الرغم من اختلاف اللغات، يبقى المشهد واحد، كتاب مفتوح في فضاء عام يعلن أن المعرفة ما زالت قادرة على العيش خارج العزلة، وأن للمدن قلبا نابضا لا يقاس بعدد المنشآت، بل بعدد الصفحات التي ما زالت تقلب في طرقاتها.
يذكر أن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب تنطلق يوم 21 يناير الجاري بحفل الافتتاح الرسمي، ويفتح المعرض أبوابه للجمهور من 22 يناير وحتى 3 فبراير 2026 في مركز مصر للمعارض والمؤتمرات الدولية بالتجمع الخامس، ويُشارك في هذه الدورة 1457 دار نشر من 83 دولة تحت شعار: "من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونا".