نلاحظ كثيرًا ازدياد حدة التوتر والعصبية بين الناس خلال شهر رمضان المبارك، خاصة في الساعات التي تسبق الإفطار، والتي تُعرف شعبيًا بـ«عصبية قبل الإفطار».
ومع انطلاق أول أيام الشهر الكريم، تواصلت «الشروق» مع الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ الطب النفسي بجامعة أسيوط، لمعرفة التفسير النفسي لهذه الظاهرة، وما الذي يحدث فعليًا داخل أجسامنا في تلك اللحظات.
انخفاض السكر وارتفاع هرمون التوتر أبرز الأسباب
يوضح الدكتور محمد أن زيادة التوتر قبل الإفطار لا تعود إلى الصيام في حد ذاته، وإنما ترتبط بسلسلة من التغيرات الفسيولوجية والهرمونية التي تتراكم تدريجيًا على مدار ساعات الامتناع عن الطعام والشراب، وتبلغ ذروتها في نهاية اليوم.
ويفسر ذلك بأن الدماغ يعتمد بشكل أساسي على الجلوكوز كمصدر رئيسي للطاقة، ومع استمرار الصيام لمدة تتراوح بين 12 و16 ساعة، ينخفض مستوى السكر في الدم تدريجيًا، ما يضع الدماغ تحت ضغط يُعرف بالتوتر الدماغي. وهذا الانخفاض يدفع الجسم إلى تنشيط استجابة «القتال أو الهروب»، حيث يتم إفراز هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول لرفع مستوى السكر سريعًا.
وينعكس ذلك في صورة زيادة التهيج وسرعة الانفعال والشعور بالتوتر، خاصة في الساعات الأخيرة قبل الإفطار، مشيرًا إلى أن الدراسات الحديثة تؤكد أن انخفاض الجلوكوز يضعف القدرة على تنظيم المشاعر.
ويتابع أن الصيام يتسبب أيضًا في ارتفاع مستوى هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، باعتباره استجابة وقائية للحفاظ على توازن الطاقة داخل الجسم. إلا أن هذا الارتفاع، رغم أنه يعزز اليقظة، قد يتحول إلى توتر ممتد عند استمراره لساعات طويلة، ما يؤدي إلى زيادة العصبية والغضب.
الجفاف واضطراب النوم يزيدان حدة الانفعال
كما يلفت عبد العال إلى أن الجفاف المتراكم خلال ساعات الصيام، خاصة في الأجواء الحارة أو مع بذل مجهود بدني، يؤثر على تدفق الدم إلى الدماغ، ما يؤدي إلى الشعور بالصداع وضعف التركيز والتهيج العصبي، موضحًا وجود دراسات علمية أثبتت أن حتى الجفاف الخفيف يمكن أن يزيد من تقلبات المزاج.
ويؤكد أن اضطراب مواعيد النوم خلال شهر رمضان نتيجة السهر أو النوم المتقطع يؤدي إلى تراكم الإرهاق البدني والذهني، وبالتالي يقلل من قدرة الفرد على التحكم في انفعالاته، ويجعله أكثر عرضة للتوتر قبل موعد الإفطار.
انسحاب الكافيين والنيكوتين قد يضاعف الشعور بالعصبية
ويوضح الدكتور محمد أن انسحاب بعض المنبهات مثل الكافيين والنيكوتين لدى المدخنين أو معتادي القهوة والشاي خلال ساعات النهار قد يسبب أعراضًا انسحابية مثل الصداع والتوتر والعصبية، نتيجة انخفاض مستويات بعض النواقل العصبية المرتبطة بتحسين المزاج.
ويضيف أن الساعات الأخيرة قبل الإفطار تمثل ذروة تلاقي هذه العوامل مجتمعة، حيث يصل انخفاض الجلوكوز والجفاف والإرهاق إلى أعلى مستوياته، ما يفسر زيادة حدة التوتر والانفعال خلال هذه الفترة تحديدًا.
الأساس فسيولوجي والضغوط النفسية تعزز الأعراض
ويختتم أستاذ الطب النفسي حديثه مشيرًا إلى أن التوتر قد يرتفع خلال الأيام الأولى من الصيام، لكنه غالبًا ما ينخفض بعد الإفطار، ويتحسن المزاج تدريجيًا مع تكيف الجسم مع النظام الغذائي الجديد خلال الأسابيع اللاحقة من الشهر الكريم، مؤكدًا أن العوامل النفسية مثل الضغوط اليومية قد تزيد من حدة هذه الأعراض، إلا أن أساسها يظل فسيولوجيًا.