انتشرت عدة تقارير توثق توجه عدد من الدول إلى العودة للكتب الورقية وتقليل الاعتماد على الشاشات داخل الفصول الدراسية، إثر رصد تأثيرات سلبية على الطلاب مثل التشتت، وضعف الانتباه، وتراجع مستويات إجادة القراءة والكتابة واكتساب المفردات، وأصبح من الضروري إعادة النظر في الاعتماد المتزايد على الوسائط التعليمية الرقمية، بعدما أصبحت الشاشات جزءا لا يتجزأ من اليوم الدراسي لكثير من الطلاب، سواء في قراءة الدروس أو حل الواجبات إلكترونيا.
وفي هذا السياق، تناقش الدكتورة بثينة عبدالرؤوف، الخبيرة التربوية، في تصريحاتها لـ«الشروق»، كيف يمكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى لتجنب الوقوع في الأخطاء ذاتها، وتحقيق توازن بين التعليم الرقمي والوسائل التقليدية.
• تقليل الاعتماد على الشاشات داخل الفصول الدراسية مطلب عالمي
قالت الدكتورة بثينة، إن فكرة التقليل من الاعتماد على الشاشات أصبحت بالفعل مطلبا عالميا، مشيرة إلى أن من أوائل الدول التي انتبهت إلى هذا الموضوع كانت اليابان وفنلندا.
وأوضحت أن اليابان رغم كونها من أكبر الدول المصنعة للتكنولوجيا، تقلل استخدام الأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر في مراحل التعليم الأساسي، ولا تعتمد على التعليم عبر الإنترنت للأطفال الصغار أثناء الدراسة، كما أن فنلندا من الدول التي سبقت في مراجعة الاعتماد الزائد على الشاشات بعد ظهور آثار جانبية واضحة.
• جيل شبه متعلم
وأضافت أنه لا يمكن إنكار أن بعض وسائل التعلم الرقمية سريعة وجذابة، لكن على المدى البعيد قد تكون لها تأثيرات سلبية، إذ تبين أن الطالب الذي يتعلم طوال الوقت من خلال الشاشة تضعف لديه مهارات الكتابة بدرجة كبيرة، وقد لا يستطيع كتابة طلب أو موضوع بخط يده إذا لم يكن لديه جهاز كمبيوتر.
وأكملت أن الأطفال الذين يتعلمون باستخدام الشاشات فقط منذ مرحلة الروضة قد يؤدي ذلك إلى خروج جيل ضعيف في مهارات الكتابة والتعبير، إضافة إلى زيادة النزعة إلى عدم الصبر على التعلم، والرغبة في الحصول على كل شيء بضغطة زر، والحصول على أي معلومة فورًا دون حفظ أو فهم أو استيعاب.
وأوضحت أن هذا يجعل بعض الشباب يبدون وكأن لديهم معرفة واسعة، بينما هم في الواقع يعتمدون على البحث السريع فقط دون فهم عميق، مما قد ينتج جيلًا شبه متعلم، إلا إذا كان الشخص متخصصًا فعلًا في مجال الحاسوب وكانت هذه طبيعة عمله، فعندها يكون الاستخدام المكثف مفهومًا.
وتابعت: "أما غير ذلك، فإن التربويين يتمنون عودة الكتاب الورقي والوسائل التقليدية في التعليم، لأنها تبني مهارات التعلم الحقيقي والبحث والتعبير والتواصل المتوازن، وليس مجرد التفاعل مع عالم افتراضي".
• مناشدة للقائمين على العملية التعليمية
ولفتت الدكتورة بثينة، إلى أن للتعلم التكنولوجي إيجابيات، لكن المشكلة تكمن في أن سلبياته قد تفوق إيجابياته في حال غياب التوازن.
وأكدت أن المطلوب هو تحقيق التوازن بين الوسائل التكنولوجية والوسائل التقليدية، وحتى لو كان الكتاب الإلكتروني أقل تكلفة، خاصة في المراحل المتقدمة، فعلى الأقل في التعليم الأساسي يجب أن يكون هناك تعامل مباشر مع الكتب والورق والكتابة.
زطوشددت على ضرورة أن يتضمن التقييم جزءًا مقاليًا، لا أن يقتصر على الاختيار من متعدد، حتى يحافظ الطالب على قدرته على التعبير.
وفي ختام حديثها، أكدت أنها تتمنى أن يراعي القائمون على العملية التعليمية في مصر أن القضية ليست مادية فقط، بل لها أبعاد إنسانية وتربوية مهمة، وألا يكون الهدف هو التسهيل والاكتفاء بكتاب إلكتروني في يد الطالب؛ لأن الآثار الجانبية واضحة، والدليل أن دولًا كثيرة بدأت بالفعل في تقليل الاعتماد على الشاشات.