طالب الرفاعى.. كتابة الإنسان والمجتمع الكويتى بين الذاكرة والهوية والاغتراب - بوابة الشروق
السبت 20 يونيو 2026 3:33 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

طالب الرفاعى.. كتابة الإنسان والمجتمع الكويتى بين الذاكرة والهوية والاغتراب

كتبت - شيماء شناوى
نشر في: السبت 20 يونيو 2026 - 9:30 ص | آخر تحديث: السبت 20 يونيو 2026 - 11:28 ص

يحتل الروائى والقاص الكويتى طالب الرفاعى مكانة خاصة فى المشهد الأدبى العربى، إذ انشغل مشروعه السردى بالإنسان فى لحظات اختباره الكبرى، سواء كان ذلك عبر الرواية أو القصة القصيرة، التى أسس لها واحدة من أبرز الجوائز العربية «ملتقى القصة القصيرة للرواية العربية»، ولا ينفصل هذا الاهتمام عن البيئة الكويتية التى تشكل خلفية أساسية لمؤلفاته، لكنه يتجاوزها ليطرح أسئلة إنسانية تتعلق بالهوية والحرية والذاكرة والاغتراب والعدالة الاجتماعية.
وتكشف روايات طالب الرفاعى «دوخى.. تقاسيم الصبا»، و«حابى»، و«ظل الشمس»، إلى جانب المجموعة القصصية «رمادى داكن»، وجميعها صادرة عن دار الشروق، عن مشروع سردى متنوع يجمع بين استكشاف الهوية واستعادة الذاكرة ورصد التحولات الاجتماعية.
وخلال الأيام الماضية تضامن الكثيرون مع الرفاعى ضد قرار سحب الجنسية الكويتية منه، ذلك التضامن تحول إلى قضية ثقافية عربية على صفحات التواصل الاجتماعى.


«دوخى.. تقاسيم الصبا».. رواية الذاكرة والغناء والمجتمع الكويتى

فى روايته الأحدث «دوخى.. تقاسيم الصبا»، يقترب طالب الرفاعى من حياة الفنان الكويتى الراحل عوض دوخى، لكنه لا يقدم سيرة تقليدية، بل رواية تمزج بين التخييل والتوثيق.
تبدأ الأحداث فى ليلة مرض دوخى الأخيرة 16 ديسمبر 1979، بينما يحيط به أفراد أسرته وأصدقاؤه وصوت القرآن الكريم، ومن هذه اللحظة يفتح الكاتب أبواب الذاكرة، لتتحول الرواية إلى رحلة عبر الطفولة والشباب والحياة الفنية.
ومن أهم شخصيات الرواية نجد «الصاحب»، ذلك الكائن الغامض الذى يرافق عوض منذ ولادته وحتى لحظاته الأخيرة، تاركًا المجال مفتوحًا لتفسيره بوصفه قرينًا أو ضميرًا أو ملاكًا حارسًا.
وتحتل الطفولة مساحة واسعة فى الرواية، خاصة إثر وفاة الأب المبكرة، التى شكلت شخصية عوض وأورثته خوفًا دائمًا من الموت، كما تحضر الموسيقى باعتبارها قدرًا إنسانيًا، إذ يرث البطل حب الغناء البحرى والنهمات الشعبية عن أبيه.
وتتميز الرواية بتقديم صورة ثرية للمجتمع الكويتى القديم، من خلال البيوت الشعبية، وعلاقات الجيران، وأجواء الأعياد، والحياة البحرية، وأغانى العمل، ومهنة النهام، لتصبح الرواية وثيقة أدبية عن الذاكرة الكويتية.
ولا تكتب «دوخى» سيرة فنان فقط، وإنما سيرة مجتمع كامل، يحتفى بالإنسان والفن والهوية، ويؤكد أن المبدعين جزء من الذاكرة الوطنية التى لا تموت.

«حابى».. رحلة البحث عن الهوية فى مواجهة المجتمع والجسد


تُعد رواية «حابى» واحدة من أكثر كتابات طالب الرفاعى جرأة، إذ تقتحم منطقة شائكة فى المجتمع العربى، هى قضية اضطراب الهوية الجنسية والتصحيح الجنسى الطبى، ليس من باب الإثارة، وإنما عبر حكاية إنسانية تتداخل فيها الأسئلة الطبية والنفسية والدينية والاجتماعية.
تقدم الرواية المستوحاة من قصة حقيقة كان الرفاعى شاهدًا عليها، حول شخصية «ريان» التى تتحول لاحقًا إلى «حابى»، فى رحلة طويلة للبحث عن الذات والاعتراف.
تفتتح الرواية بمشهد بالغ الدلالة؛ بطلة السرد ترقد فى مستشفى فى بانكوك قبل إجراء عملية التصحيح الجنسى، بينما تطاردها أصوات الأسرة، خصوصًا صوت أختها نورة: «لا تصيرى ولدًا»، فى إشارة إلى أن الصراع الحقيقى لن يكون مع الجسد فحسب، بل مع المجتمع والأسرة أيضًا، وفى المقابل، تمنح شخصية «جوى» مساحة للتقبل والدعم، حين تختار له اسم «حابي»، المستوحى من إله النيل المصرى القديم، والذى يجمع فى هيئته بين السمات الذكورية والأنثوية، كما تحسب للرواية خلفيتها العلمية الدقيقة، إذ تقدم تفسيرات طبية للحالة، وتناقش تعقيدات العلاج والاعتراف القانونى والاجتماعى، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.
فى جوهرها، لا تبدو «حابي» رواية عن التحول الجنسى بقدر ما هى رواية عن الإنسان فى مواجهة جسده ومجتمعه وقدره، وعن السؤال الأبدى: من أنا؟

«رمادى داكن».. 25 قصة عن الإنسان فى المنطقة الفاصلة بين الأبيض والأسود


فى مجموعته القصصية «رمادى داكن»، يقدم طالب الرفاعى خمسًا وعشرين قصة قصيرة تتناول الإنسان فى لحظات ضعفه وقوته، وتبحث عن الدراما المختبئة فى التفاصيل اليومية.
لا تعتمد المجموعة على حبكة واحدة، بل تقدم عوالم متنوعة؛ امرأة تواجه سلطة زوجها، وعاملًا وافدًا، وطبيبًا، وخادمة، وأستاذًا جامعيًا، وأبًا مطلقًا، وشخصيات أخرى تواجه اختبارات أخلاقية وإنسانية.
فى قصة «لحية وشارب» تناقش القصة حرية المرأة داخل الأسرة، وفى «قرب المدخل» يتحول خبر مقتل ابن عامل بسيط فى تفجير إرهابى إلى صدمة إنسانية، بينما تكشف «قط صغير» تقلبات الحياة الاجتماعية، وتتناول «أم» عالم العمالة الوافدة والخادمات، أما «لوحة للهواء» فتناقش نسبية الحقيقة من خلال لوحة يراها البطل رمادية بينما يؤكد الفنان أنها زرقاء.
ويعكس عنوان المجموعة فلسفتها؛ فالرمادى هو منطقة الالتباس بين الأبيض والأسود، وهو اللون الذى يطبع حياة شخصياتها.
كما ترصد المجموعة المجتمع الكويتى فى علاقاته الأسرية، وقضايا المرأة، والعنف، والمحسوبية، والفساد، والعمالة الوافدة، والعزلة الرقمية، والإرهاب، دون أن تفقد بعدها الإنسانى العام.
ويتميز الرفاعى فى هذه القصص بالإيجاز والمفارقة، واستخدام الرمز البسيط الذى يحمل معانى عميقة، ليخرج القارئ بانطباع أن الإنسان، مهما اختلفت ظروفه، يبحث عن الاعتراف والكرامة والحب.

«ظل الشمس».. الحلم الخليجى والاغتراب


فى رواية «ظل الشمس»، يروى طالب الرفاعى حكاية حلمى، مدرس اللغة العربية المصرى الذى يهاجر إلى الكويت بحثًا عن حياة أفضل لأسرته.

يبدأ العمل برحلة السفر، ومن خلالها يستعيد البطل حياته فى مصر، وعلاقته بأسرته وزوجته، والأسباب التى دفعته إلى الهجرة. لكنه يكتشف بعد وصوله أن الواقع مختلف عن الأحلام، فيجد نفسه عاملًا فى مشروع إنشائى، يعيش وسط ظروف قاسية من العزلة والاستغلال والانتظار.

ولا تقدم الرواية الهجرة بوصفها طريقًا للثراء، بل باعتبارها تجربة إنسانية معقدة تكشف هشاشة الإنسان أمام الحاجة الاقتصادية.

ويمنح عمل الكاتب السابق فى المجال الهندسى الرواية مصداقية كبيرة، إذ يرسم عالم العمالة الوافدة ومواقع البناء بتفاصيل دقيقة، كما يقدم شخصية حلمى بصورة إنسانية، فهو ضحية للظروف، لكنه يحمل أيضًا تناقضاته وأخطاءه الخاصة.

أما عنوان الرواية، فيحمل دلالة رمزية؛ فالشمس التى يفترض أن تمنح الحياة، تصبح قوة قاسية تحرق حتى ظلها، كما تحرق أحلام المهاجرين الباحثين عن الخلاص.

تكشف هذه المؤلفات الأربعة عن مشروع طالب الرفاعى، الذى يقوم على الانحياز إلى الإنسان، والاقتراب من القضايا الشائكة دون أحكام مسبقة، ورغم اختلاف الموضوعات والأشكال الفنية، فإنها تلتقى عند فكرة واحدة؛ أن الأدب ليس مهمته تقديم الإجابات النهائية، بل طرح الأسئلة الصعبة حول الإنسان ومجتمعه وذاكرته ومصيره. ومن هنا، ينجح طالب الرفاعى فى أن يجعل من الحكاية الفردية مرآة لقضايا إنسانية أوسع، وأن يقدم صورة للمجتمع الكويتى فى تحولاته، دون أن يفقد أعماله بعدها العربى والإنسانى.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك