فيلسوف أمريكي: الكنز في الرحلة الإنسانية.. وهوس النتائج والصدارة دمر حياتنا المعاصرة - بوابة الشروق
الخميس 22 يناير 2026 7:07 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

فيلسوف أمريكي: الكنز في الرحلة الإنسانية.. وهوس النتائج والصدارة دمر حياتنا المعاصرة

منى غنيم
نشر في: الأربعاء 21 يناير 2026 - 12:16 م | آخر تحديث: الأربعاء 21 يناير 2026 - 12:16 م

في زمن تحكمه الأرقام ومؤشرات الأداء، طرح الفيلسوف الأمريكي سي. ثي نجوين سؤالًا يبدو بسيطًا لكنه بالغ الخطورة؛ ألا وهو: ماذا يحدث حين تتحول المقاييس إلى غايات؟ وحين ننسى السبب الذي جعلنا نشرع في أمر ما من الأساس ونصبح مهووسين بالنتائج فقط؟ وفي كتابه بعنوان «النتيجة: كيف نتوقف عن لعب لعبة شخص آخر؟»، الصادر عن دار نشر بنجوين، تتبع "نجوين" أثر هوسنا المعاصر بالنقاط والتصنيفات والبيانات الكمية، كاشفًا كيف يمكن للأدوات المصممة لقياس التقدم أن تختطف القيم نفسها التي وُجدت لخدمتها، على مستوى الفرد والمؤسسة والمجتمع.

وقدم الكتاب - الذي تربّع على قوائم أمازون لأفضل الكتب مبيعًا فور صدوره الأسبوع الماضي - قراءة فلسفية قريبة من الحياة اليومية، تفكك علاقتنا بالأرقام، وتحذر من الثمن الإنساني والمعرفي الذي ندفعه حين نخلط بين النتيجة وما تستحقه الحياة فعلًا، وذلك ما بين تطبيقات التعلم والألعاب الرقمية، إلى الجامعات والاقتصاد والسياسات العامة.

وعبر صفحات الكتاب، انطلق "نجوين" من أطروحة بسيطة وخطيرة في آن: ألا وهي أن الخلط بين المقياس والغاية خطأ واسع الانتشار، يقودنا إلى بناء حياتنا ومؤسساتنا حول أشياء لا نريدها أصلًا، وأسمى "نجوين" هذه الظاهرة بـ «اختطاف القيمة» (Value Capture)، وهي تحدث عندما تبدأ الحدود بين ما نهتم به فعلًا وبين الطريقة التي نقيس بها تقدمنا في التلاشي، فنستبطن المقياس، ويحل تدريجيًا محل الهدف الأصلي، إلى أن يعيد تعريف إحساسنا الجوهري بما هو هام أو قيم.

وضرب "نجوين" مثالًا بجداول تصنيف كليات القانون في الولايات المتحدة، التي أُنشئت في الأصل لتوفير معيار موضوعي للمتقدمين، بعد أن كان الاختيار يعتمد على المواد الترويجية أو الشائعات داخل الوسط الأكاديمي، غير أن هذه البيانات الجامدة ركّزت على عدد محدود من المؤشرات الضيقة، وبدل أن تبرز كل كلية فلسفتها التعليمية ورؤيتها الخاصة، كما كانت تفعل سابقًا عبر بيانات الرسالة والهوية، اختُزلت هذه القيم المعقدة، صعبة القياس، في رقم واحد.

هذا الرقم، بحسب "نجوين"، أصبح الهدف الذي يُلاحقه الجميع؛ فإما أن تطارده المؤسسة التعليمية، أو تخسر التمويل والطلاب. والنتيجة، كما قال، إن أجزاء ضخمة من موارد الجامعات حُوّلت بعيدًا عن النشاط التعليمي الحقيقي، إلى جهود لا غاية لها سوى التحايل على التصنيفات، نقلًا عن صحيفة الجارديان.

وكانت نسبة رفض المتقدمين من بين عناصر هذا التصنيف، وقال المؤلف في هذا الصدد إن المنطق السائد يقول إن ارتفاع نسبة الرفض دليل على نخبوية المؤسسة وجاذبيتها، لكن هذا المقياس يدفع بعض كليات القانون إلى إنفاق أموال على استقطاب طلبات من طلاب فرص قبولهم شبه معدومة، فقط "ليكون هناك عدد أكبر ممن يمكن رفضهم".

وتميز الكتاب بلغة واضحة وأسلوب دقيق وممتع في آن واحد؛ حيث اعتمد المؤلف على مزيج من الحكايات الشخصية والأمثلة الواقعية، كما امتلا الكتاب باهتمامات ثقافية متنوعة، من مصمم الألعاب الألماني راينر كنيتسيا إلى سباقات السرعة في لعبة "ماريو" الشهيرة، مما منح الكتاب نبرة حيوية لا تجعله دراسة فلسفية نخبوية.

وأوضح الكاتب أن القضية التي يناقشها تمسّ حياة الجميع؛ لأن "اختطاف القيمة" يجعلنا نهدر أعمارنا في محاولتنا للترقى في الحياة بشكل عام، سواء بشكل عملي مثل سعينا لتحسين الدخل مثلًا على حساب أي شىء آخر، أو بشكل ترفيهي مثل زيادة عدد المشاهدات على يوتيوب، أو ترتيبنا في لوحات الصدارة في أي من مجالات الحياة التنافسية المختلفة، بل واعترف الكاتب نفسه بأنه جعل حياته بائسة حين انشغل بتصنيفات أقسام الفلسفة والمجلات الأكاديمية، على حساب التجارب التي تمنح الحياة معناها.

وعلى مستوى المجتمع، أوضح المؤلف أن اختطاف القيمة يقودنا إلى الهوس بمؤشرات مثل الناتج المحلي الإجمالي، وأرقام التوظيف، ودرجات الامتحانات؛ فالبيانات الكمية تعدنا بتحويل تعقيد العالم إلى ملخصات قابلة للحمل، في صفقة مغرية توفر "وضوحًا لذيذًا" في شكل رقم واحد، مقابل التضحية بالسياق والتفاصيل الدقيقة.

هذا الهوس غير النقدي بالمقاييس يفتح الباب، بحسب "نجوين"، لما يسميه "غسل الموضوعية"، حيث يخفي البيروقراطيون قراراتهم المتعلقة بالتعليم أو الصحة أو الرفاه الاجتماعي خلف الأرقام فحسب، بوصفها حكَما محايدًا؛ فمن يملكون السلطة يختارون أي المقاييس يُبرزون، ثم يدّعون أن القرارات الناتجة عنها متعالية على الأيديولوجيا.

وفي النهاية، فقد قدم كتاب «النتيجة» دعوة عامة للتفكير في أن الكنز ربما يكون بالفعل في الرحلة أو التجربة الإنسانية الثرية بالتفاصيل والتحديات، أما النتائج النهائية، فهي أشبه بنوع من السموم الفكرية يهدد باستبدال أفراحنا الهشة بنسخة مبسّطة وسطحية عن الحياة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك