• وعلى المؤرخ أن يتجرد كالقاضي لا كالمحامي
حذر الدكتور إبراهيم العسال، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، من إسقاط المصطلحات والمفاهيم الحديثة للقرن العشرين والواحد والعشرين للحكم على روايات ووقائع جرت في العصور الإسلامية الأولى (القرنين السابع والثامن الميلاديين)، واصفاً هذا الفعل بـ "الجريمة التاريخية".
وأوضح د. العسال أثناء ندوت ظهر امس الاثنين ٢٠ يوليو بمكتبة مصر العامة أن إقحام مصطلحات معاصرة مثل "الديمقراطية"، و"العلمانية"، و"البيروقراطية"، أو التوصيف السياسي المعاصر لمصطلحات كـ "الجماعة" و"الفتنة"، يُعد تسطيحاً منهجياً.
وأضاف: "لا يجوز أن نتحسس من القول بأن المسلمين لم يطبقوا الديمقراطية في القرن السابع، لأنه ببساطة لم تكن هناك أي أمة أو شعب يطبق الديمقراطية في ذلك العصر".
ودعا أستاذ التاريخ إلى ضرورة التفرقة الحاسمة بين "النص الديني المقدس" و"النص التاريخي البشرى". وأوضح أن النص القرآني المقدس" مثل حادثة أصحاب الفيل في سورة الفيل مؤكداً أنها يقين إيماني فوق أي اعتبار ولا مجال للتشكيك فيه، بينما التفاصيل التاريخية الملحقة به (مثل اسم إبرهة أو هوية الملك) هي نصوص بشرية خاضعة للبحث والتحليل والتفنيد، كما صنفها المؤرخ العراقي جواد علي في كتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» وكما يتناولها المستشرقون.
وشدد العسال على أن الخلفاء والملوك عبر التاريخ لا يمثلون الدين الإسلامي بل يمثلون أنفسهم وسياساتهم، وبالتالي لا يجوز التعصب لشخصيات تاريخية كصلاح الدين الأيوبي أو بني أمية، بل يجب مناقشة أفعالهم بوعي تاريخي لا بمنظور ديني يظلم الحادثة.
وطالب العسال بضرورة تعامل الباحث والقارئ مع الرواية التاريخية بمنطق "القاضي" وليس "المحامي"؛ فالمحامي متعصب لمتهمه فيورط نفسه في التبرير لكل خطأ (مثل من يدافع عن ضرب الحجاج بن يوسف للكعبة بالمنجنيق)، بينما القاضي يقف على مسافة واحدة، يضع الأحداث في معمل التحليل، ويستعرض الحسنات والسيئات بوعي ودون موقف مسبق.
واختتم هذه الجزئية بالإشارة إلى حادثة "التحكيم" بين علي ومعاوية بعد صفين، مؤكداً أن الرواية الشائعة عن خديعة أبي موسى الأشعري هي حبكة درامية سينمائية تخالف منطق التاريخ وقرائنه؛ إذ خرج علي من التحكيم وهو الخليفة ومعاوية والياً للشام كما دخلا تماماً، ولم يكسب معاوية شيئاً جديداً بالتحكيم.