تشهد منظومة التعليم تحولا كبيرا في ظل تزايد الاعتماد على التكنولوجيا بشكل عام والذكاء الاصطناعي بشكل خاص، والذي بدأ يفرض نفسه كلاعب رئيسي داخل الفصول الدراسية.
لذلك، نرصد في هذا التقرير أبرز تأثيراته على سلوك الطلاب ومستقبل العملية التعليمية، وكيفية توظيفه بشكل صحيح دون أن نفقد جوهر التعلم العميق، من خلال تصريحات خاصة لـ"الشروق" يقدمها الدكتور عادل النجدي، العميد السابق لكلية التربية جامعة أسيوط.
الذكاء الاصطناعي يفرض مزيجا من التحديات والفرص في التعليم
يوضح الدكتور عادل أن أدوات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد وسيلة مساعدة؛ حيث فرضت تحديات وفرصا واعدة للتطوير في الوقت ذاته، وأصبحت عنصرا فاعلا في إعادة تشكيل منظومة التعليم وأساليب التعلم، وأحدثت تحولا جوهريا في منظومة التعليم من خلال الانتقال من التركيز على نقل المعرفة إلى إدارتها وتوظيفها، لأن المعرفة أصبحت متاحة في كل وقت، وبالتالي تحول دور المعلم من ناقل للمعلومة إلى موجه ومرشد.
ويتابع بأن أدوات الذكاء الاصطناعي أسهمت في تعزيز التعلم الشخصي، وتسريع الوصول إلى المعرفة من قِبل الطلاب، وتنمية مهارات التعلم الذاتي لديهم، لكنه يشير في المقابل إلى عدد من التحديات التي يفرضها استخدام الذكاء الاصطناعي في منظومة التعليم، وتتمثل في ضعف الاعتماد على الذات لدى بعض الطلاب، والميل إلى الاعتماد على الحلول الجاهزة بدون التحقق من أصالة الأعمال.
التحولات في سلوك الطلاب بعد ظهور الذكاء الاصطناعي
يشير النجدي إلى أنه رصد خلال الفترة الأخيرة تحولات في سلوك الطلاب تتمثل في اعتمادهم المتزايد على الحلول الجاهزة بدلا من التفكير الذاتي، وانخفاض الصبر على التعلم العميق نتيجة اعتيادهم على الإجابات الفورية.
وفي المقابل لفت إلى تطور سطحي في مهارات البحث الرقمي لدى بعض الطلاب، وتراجع مهارات الكتابة والتحليل، محذرا من أن الاعتماد غير المنضبط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى ضعف مهارات التحليل والتقييم لدى الطلاب، وتراجع القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، كما أنه قد يقلل من فرص ممارسة التفكير المستقل والاعتماد الكلي على هذه الأدوات في اكتساب المعرفة.
كيفية الحفاظ على الفهم العميق
يشدد العميد السابق لكلية التربية على ضرورة إعادة تصميم العملية التعليمية، ويرى أن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال الاعتماد على التعلم القائم على حل المشكلات وطرح أسئلة مفتوحة تتطلب التفسير والتحليل، بالإضافة إلى تقييم الطلاب بناء على طريقة التفكير وليس فقط على النتيجة النهائية.
كما يشير إلى أهمية دمج الأنشطة التطبيقية والمناقشات داخل العملية التعليمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي كمساعد تعليمي وليس بديلا عن المعلم أو المنهج الدراسي.
ويؤكد على أن إدخال ثقافة استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم أصبح ضرورة ملحة، لافتا إلى وجود اهتمام من وزارة التربية والتعليم بإدخال البرمجة وتنمية المهارات الرقمية لدى طلاب المرحلة الثانوية.
أما في كليات التربية فيشير إلى أن هناك توجها متزايدا نحو إدراج مقررات متخصصة في الذكاء الاصطناعي في التعليم، إلى جانب تدريب الطلاب المعلمين بشكل عملي على توظيف تطبيقاته داخل العملية التعليمية، برغم أن هذه الجهود لا تزال في مراحلها الأولى وتحتاج إلى تطوير في اللوائح الدراسية بما يواكب التحولات.
المهارات المطلوبة لإعداد جيل قادر على التعامل مع الذكاء الاصطناعي
يوضح الدكتور عادل أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي يتطلب مهارات متنوعة تشمل التفكير النقدي والتحليلي والقدرة على حل المشكلات المعقدة، والقدرة على طرح الأسئلة الفعالة (Prompting)، إضافة إلى أهمية الوعي الرقمي والأخلاقي والتعلم الذاتي، والإبداع والابتكار، إلى جانب مهارات التحقق من المعلومات.
واختتم حديثه بالتأكيد على أهمية استغلال الذكاء الاصطناعي كأداة مهمة في تطوير التعليم إذا تم توظيف استخدامها بشكل صحيح، وأنها ليست تهديدا في حد ذاتها، وأن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية استخدام هذه الأدوات بما يعزز قدرات المتعلمين، مشيرا إلى أنه إذا نجحت المؤسسات التعليمية في توجيه هذا التحول بشكل واعٍ، فإننا سنصبح أمام فرصة كبيرة لإعادة بناء التعليم على أسس أكثر عمقا وفاعلية تواكب متطلبات العصر وتصنع مستقبلا أفضل للأجيال القادمة.