محللة: الذكاء الاصطناعي يعزز عمليات الاحتيال السيبراني والاتجار بالبشر في جنوب شرق آسيا - بوابة الشروق
الخميس 22 أكتوبر 2026 4:15 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

محللة: الذكاء الاصطناعي يعزز عمليات الاحتيال السيبراني والاتجار بالبشر في جنوب شرق آسيا

نيويورك - (د ب أ)
نشر في: الخميس 22 أكتوبر 2026 - 1:02 م | آخر تحديث: الخميس 22 أكتوبر 2026 - 1:02 م

تنتشر عمليات الاحتيال السيبراني على مستوى العالم بمساعدة تقنيات ناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي. وفي جنوب شرق آسيا، تستخدم الشبكات الإجرامية الذكاء الاصطناعي للاتجار بالبشر وتهريبهم إلى مراكز احتيال وتستغل التكنولوجيا لخداع ضحايا الاحتيال، وفقا للمحللة، ريتا فرنانديز، زميلة الشؤون الدولية في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي والتي تعمل حاليا لدى المنظمة الدولية للهجرة.

وفي رسالته البابوية الأولى والتي نشرت في مايو 2026، حذر بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر من أشكال جديدة للعبودية في عصر الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل تزايد حالات الاتجار بالبشر والعمل القسري. وقد أضافت آراؤه بعدا جديدا إلى نقاش معقد ومثير للجدل ويزداد إلحاحا حول دور الذكاء الاصطناعي في المجتمع، حسبما قالت فرنانديز في تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية.

وقالت فرنانديز إنه على الرغم من أن هذه النقاشات ركزت في الغالب على التداعيات طويلة المدى للذكاء الاصطناعي، يتم استغلال هذه التقنية بالفعل اليوم لتسهيل ارتكاب الجرائم، بما في ذلك الاتجار بالبشر. ولفهم كيفية استغلال المجرمين للذكاء الاصطناعي والتدابير الوقائية التي يمكن اتخاذها لمنع استغلال هذه التقنية، يتعين علينا تسليط الضوء على إحدى بؤر مراكز الاحتيال السيبراني التي تجبر الضحايا على الانخراط في أنشطة الاتجار بالبشر، وهي منطقة جنوب شرق آسيا.

وأضافت فرنانديز أنه خلال الأشهر القليلة الماضية "سعيت لفهم المزيد حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتسهيل عمليات الاتجار بالبشر. وتضمن ذلك إجراء بحث ميداني في تايلاند، حيث التقيت بمسؤولين في جهات إنفاذ القانون وممثلين عن المجتمع المدني ومسؤولين حكوميين. وتظهر النتائج التي توصلت إليها -بالإضافة إلى تقارير إعلامية مستقلة وتحليلات صادرة عن وكالات الأمم المتحدة- نمطا واضحا لسوء استخدام الذكاء الاصطناعي".

عمليات الاحتيال السيبراني في جنوب شرق آسيا

سلطت الأمم المتحدة الضوء على حجم مشكلة الاتجار بالبشر في شهر يوليو، عندما حذرت المنظمة الدولية للهجرة من قيام شبكات إجرامية بالاتجار بالضحايا وإجبارهم على ممارسة أنشطة إجرامية قسرية في عمليات احتيال سيبراني مقرها دول مثل كمبوديا ولاوس وميانمار. وخلال الفترة بين عامي 2022 و2025، تمكنت المنظمة الدولية للهجرة من مساعدة أكثر من 3500 ضحية ممن تعرضوا للاتجار بهم وإجبارهم على العمل في مراكز للاحتيال عبر الإنترنت في جنوب شرق آسيا. ومع ذلك، لا يمثل هذا العدد سوى جزء ضئيل من إجمالي الضحايا -الذين يقدر عددهم بنحو 300 ألف شخص- ممن تعرضوا للاتجار بهم أو تم إجبارهم على العمل في هذه المراكز في جميع أنحاء المنطقة. كما تشير المنظمة إلى تنوع متزايد في الجنسيات والفئات المستهدفة، حيث تم تحديد ضحايا من 80 دولة على الأقل داخل مراكز الاحتيال .

وأوضحت فرنانديز أنه بالإضافة إلى اتساع النطاق الجغرافي، أصبح الضحايا يشملون، على نحو متزايد، أشخاصا حاصلين على شهادات جامعية ولديهم خبرات في مجال التكنولوجيا، ويتقنون اللغة الإنجليزية إلى حد ما. ويتم استدراج كثيرين منهم بإعلانات وظائف وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي، أثناء بحثهم عن فرص عمل قد تكون نادرة في بلدانهم الأصلية. ويتلقى هؤلاء وعودا بوظائف ذات رواتب مرتفعة في الخارج وتأشيرات دخول وتغطية تكاليف السفر ومزايا أخرى، لكن بمجرد وصولهم إلى بلد عبور، مثل تايلاند، يتم نقلهم قسرا عبر الحدود إلى دول أخرى.

وكشفت فرنانديز أن الظروف داخل مجمعات الاحتيال مروعة؛ حيث يتم تجريد الضحايا من جوازات سفرهم وممتلكاتهم، ويتعرضون للتهديد والضرب والتعذيب. كما يتم إجبارهم على الاحتيال على أشخاص في مختلف أنحاء العالم من خلال عمليات احتيال تتعلق بالاستثمار أو العلاقات العاطفية.

ويتم إبلاغ البعض إن عليهم العمل لسداد تكاليف سفرهم واستعادة جوازات سفرهم. وإذا رفضوا العمل أو أخفقوا في تحقيق الحصص المطلوبة منهم، يتم حرمانهم من الطعام أو يتعرضون لانتهاكات نفسية، مما لا يترك أمامهم خيارا سوى الرضوخ.

وكشف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أنه تم تقدير الخسائر المالية التي تكبدها الضحايا جراء عمليات الاحتيال السيبراني في أستراليا ونيوزيلندا وشرق آسيا وجنوب شرق آسيا بما يتراوح بين 88 مليارا و114 مليار دولار في عام 2025. وفي ذلك العام، خسر ضحايا عمليات الاحتيال التي تدار من جنوب شرق آسيا- في الولايات المتحدة وحدها- 2ر18 مليار دولار.

ضحايا على جانبي الشاشة

تشير تحقيقات أجرتها وكالة "أسوشيتد برس" وهيئة الإذاعة العامة الأمريكية "بي بي إس" إلى أن مراكز الاحتيال السيبراني كانت موجودة قبل وقت طويل من ظهور الذكاء الاصطناعي، إلا أن كفاءتها ونطاق وصولها تعززا بشكل هائل بفضل روبوتات الدردشة مثل "تشات جي بي تي" و"جيميني"، بالإضافة إلى استخدام تقنيات اتصالات مثل "ستارلينك". وتستخدم هذه التقنيات سواء لاستدراج الضحايا وتجنيدهم، كما يستخدمها الضحايا أنفسهم داخل مراكز الاحتيال.

وقد حددت جهات إنفاذ القانون عمليات الاحتيال القائمة على التوظيف كواحدة من أبرز الوسائل التي تستخدمها الشبكات الإجرامية لاستدراج الضحايا إلى مراكز الاحتيال. فقد تطورت إعلانات الوظائف من أوصاف عامة إلى ملفات تعريف محددة تستهدف مرشحين يمتلكون معرفة بالتكنولوجيا والعملات المشفرة. وفي السنوات الأخيرة، لاحظت أجهزة إنفاذ القانون تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في إنشاء هذه الإعلانات لتبدو حقيقية وأكثر جدارة بالثقة، مما يجعل من الصعب التمييز بين الإعلانات الحقيقية وعمليات الاحتيال. كما يتم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحديد وفحص المرشحين المحتملين للعمل في مراكز الاحتيال، بمن فيهم الأشخاص الذين يمرون بضائقة مالية.

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي دعم جهات إنفاذ القانون وضحايا الاتجار بالبشر؟

ورأت فرنانديز أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على عمليات الاحتيال السيبراني والاتجار بالبشر فحسب، فقد رصدت أجهزة إنفاذ القانون زيادة مطردة في استخدام الذكاء الاصطناعي في الجريمة بشكل أوسع. وكما أشار "أحد المصادر التي تحدثت إليها، إلى أنه تماما كما يمكن للأفراد استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز إنتاجيتهم في العمل أو الدراسة، تستطيع الشبكات الإجرامية استخدامه لتحسين كفاءتها أيضا. فأي جريمة كانت شبكة الإنترنت تسهلها في السابق، أصبح من الممكن اليوم تسهيلها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ولكن إذا كان المجرمون يستخدمون الذكاء الاصطناعي لزيادة كفاءتهم في ارتكاب جرائم مثل الاتجار بالبشر، فإن أجهزة إنفاذ القانون بدأت في إيجاد طرق لاستخدام هذه التكنولوجيا للتصدي لهم. وتستعين الوكالات بأدوات الذكاء الاصطناعي لدعم تبادل البيانات وتبسيط التحقيقات. وقد طورت بعضها نماذج خاصة بها لرصد وتتبع الأنشطة غير المعتادة بالقرب من المناطق الحدودية. كما تسهم نماذج مبتكرة أخرى في استكشاف سبل تجاوز العقبات التي تعترض تبادل البيانات والتنسيق بين الجهات المعنية.

استجابة عالمية لمشكلة تتسع عالميا

وأشارت فرنانديز إلى تزايد التعاون الإقليمي والعابر للحدود خلال السنوات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، طورت الشرطة الملكية التايلاندية منصة إلكترونية تحمل اسم "شيلد"، تتيح للأجهزة المعنية تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الشبكات الإجرامية، كما تسمح للشركاء في قطاعات مختلفة بالتعاون في تتبع الخيوط المؤدية إلى تلك الشبكات وإغلاق الحسابات المشبوهة. وتشمل الدول والمنظمات المشاركة في هذه المنصة أستراليا والصين والهند واليابان، إلى جانب المنظمة الدولية للهجرة ومكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي (اف بي آي).

كما كثفت الحكومة الأمريكية جهودها لتفكيك الشبكات الإجرامية والحد من مخاطر الاحتيال المتزايدة من خلال التعاون بين الوكالات المختلفة. وفي عام 2025، أعلنت وزارة العدل الأمريكية عن تشكيل "قوة مكافحة مراكز الاحتيال" للتحقيق في شبكات الاحتيال وتتبع الخسائر المالية التي يتكبدها الضحايا.

وتحت ضغط من الولايات المتحدة وحكومات أخرى متضررة، نفذت السلطات في كمبوديا وميانمار مداهمات وعمليات لمكافحة الاتجار بالبشر بهدف إغلاق مراكز الاحتيال.

ضرورة وضع تشريعات وطنية، مع إمكانية الاستفادة من أطر الحوكمة العالمية

ويمكن أن تساعد التشريعات الوطنية، بما فيها التشريعات في الولايات المتحدة، في الحد من إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي. وفي الوقت الذي تدرس فيه الدول القواعد واللوائح التي ينبغي اعتمادها لتنظيم الذكاء الاصطناعي، يمكن لأطر الحوكمة العالمية الأكثر شمولا أن توفر التوجيه اللازم الذي تشتد الحاجة إليه. ولكن على الصعيد العالمي، لا تزال التشريعات المنظمة للذكاء الاصطناعي مجزأة، في حين تختلف قدرات إنفاذ القوانين وإمكانية الوصول إلى البيانات. وهذا يضع تحديات مستمرة أمام أجهزة إنفاذ القانون، حيث لم تعتمد كل الدول قواعد تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما وضعت دول أخرى قواعد أكثر تنظيما.

علاوة على ذلك، لا تمتلك جميع وكالات إنفاذ القانون نفس القدرات لبناء نماذج الذكاء الاصطناعي وصيانتها، والتي تتطلب موارد كبيرة. ولذلك فإن وجود إطار دولي قوي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، سيوفر منصة للدول لكي تناقش التحديات الإقليمية والتقنية المشتركة، وتعزيز الاستخدامات الإيجابية للذكاء الاصطناعي، والنظر في خيارات للحد من أضراره المحتملة.

واختتمت فرنانديز تحليلها بالقول إن الشبكات الإجرامية ستواصل استغلال الثغرات بطرق قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تمكين أشكال أخرى من الجرائم. ونظرا للتطور المستمر في قدرات الذكاء الاصطناعي ونطاق انتشاره، فإن فهم كيفية إساءة استخدام هذه التكنولوجيا يمكن أن يساعدنا على التنبؤ بتطبيقات ضارة أخرى، كما قد يساعد الحكومات وأجهزة إنفاذ القانون على اتخاذ تدابير وقائية لحماية الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك