وسط عدة أحداثٍ عالميةٍ مهمة، متمثلة في الاضطرابات على نطاق واسع في إيران، والغارة التكتيكية المذهلة ضد نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، والمشاحنات المستمرة بين الولايات المتحدة والدنمارك (ودول أوروبية أخرى) بشأن جرينلاند، مر أمر لم يتم الانتباه إليه فعليا، حسبما يرى المحلل العسكري الأمريكي براندون وايكيرت.
وقال وايكيرت، الذي يقدم استشارات دورية لمؤسسات حكومية ومنظمات خاصة في قضايا الجغرافيا السياسية في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، إن الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أعلنت عن فائض تجاري قدره 189ر1تريليون دولار لعام 2025 - ما يعني أن إجمالي قيمة صادراتها لذلك العام تجاوزت وارداتها بذلك القدر.
وتزعم معظم التقييمات أن الفائض جاء من الأسواق الناشئة - الجنوب العالمي - حيث قضت بكين وقتا طويلا للغاية في إقامة علاقات وتوسيع وجودها من خلال التجارة والسياسات الجيو اقتصادية.
وساعدهم ذلك على الاستعداد للتوقيت الذي توقعوا أن يبدأ فيه الرئيس دونالد ترامب المرحلة التالية من حربه التجارية المضنية . ففي ولاية ترامب الأولى ، فوجئت بكين بنهجه العنيف في الحرب التجارية.
وأمضت الصين سنوات في جعل نظامها أقل عرضة لنوع السياسات التجارية العدوانية التي ربما تتبناها إدارات أمريكية في المستقبل – مدركة أن من المرجح أن النهج المتشدد من جانب ترامب خلال ولايته الأولى سيكون توجها يتبعه القادة الأمريكيون في المستقبل ، وأنه ليس حالة استثنائية.
ولذا، فعندما عاد ترامب إلى منصبه وشن حربه التجارية ضد الصين، أعطت بكين الأولوية ببساطة لدول الجنوب العالمي. وكان الرأي باستخدام التعريفات الجمركية والحواجز الحمائية الأخرى لاستعادة البنية التحتية الصناعية لأمريكا وجعل الصين تلعب بشكل أكثر عدالة في لعبة التجارة العالمية مبررا ، وربما ضروريا، من جانب إدارة ترامب.
ومع ذلك، فإن الطريقة التي صاغ بها ترامب بشكل عشوائي هذه السياسات، والفشل في مراعاة نوع التحركات المضادة التي سوف يلجأ إليها الصينيون كإجراء انتقامي، قد دفعت أمريكا إلى كارثة.
و على سبيل المثال، يبدو أنه لم يدرك أي مسؤول في السلطة حقيقة أنه ما بين 14 %و15 % فقط من إجمالي صادرات الصين منذ عام 2018 تذهب إلى الولايات المتحدة ،بينما باقي صادرات الصين -الغالبية العظمى- ذهبت إلى دول الجنوب العالمي.
واوضح وايكيرت أن هذه المعلومات ليست سرا من أسرار الدولة. لكن القادة الأمريكيين أخطأوا رغم ذلك من خلال المضي قدما في شن حرب تجارية خرقاء، حيث وضعوا الايديولوجية والموقف الشجاع محل البيانات والانضباط.
وطورت الصين قدرتها على الصمود في وجه التعريفات الأمريكية. ويتم الآن استثمار حوالي ثلثي فائضها التجاري البالغ حوالي 2ر1 تريليون دولار من جانب شركات خاصة وأفراد ومؤسسات مقرضة مرتبطة بالدولة في أصول خارجية بدلا من الاحتفاظ بها في الاحتياطيات الحكومية.
وزادت إنتاجية التصنيع في الصين بشكل هائل إضافة إلى تقدم تكنولوجي أكبر. وفي الوقت نفسه، كان الطلب المحلي ضعيفا نسبيا. وقد دفع ذلك الضعف، إلى جانب القدرة الإنتاجية الزائدة في الصين، البعض إلى القول بأن أيام ازدهار الصين الذهبية قد ولت.
ولكن لا يزال يتعين رؤية ذلك ، بصفة خاصة مع الوضع في الاعتبار أن اقتصاد الصين سجل أرقام نمو قوية فيما يتعلق بإجمالي الناتج المحلي في العام الماضي. وعلى أية حال، فبمجرد انخراط طاقم ترامب في الحرب التجارية مع الصين، منعت بكين على الفور الولايات المتحدة من الحصول على المعادن الأرضية النادرة. والسؤال المطروح هو ما الذي يمكن أن يفعله الأمريكيون حيال ذلك؟ والإجابة : ليس كثيرا.
وكانت إحدى نقاط القوة القليلة لدى الأمريكيين هي حقيقة اعتماد الصين على الولايات المتحدة في توفير الأمونيوم، وهو عنصر أساسي في إنتاج المعادن الأرضية النادرة والممارسات الصناعية المهمة التي تدعم اقتصاد الصين العملاق.
وأدار الصينيون بشكل أساسي مشروع مانهاتن لجعل الصين تعتمد على نفسها في مجال إنتاج الأمونيوم، وحققوا نجاحا، حيث لم تعد الصين تحتاج إلى الولايات المتحدة للحصول على الأمونيوم منذ عام 2022.
وعلى النقيض، لم يفهم أحد في العاصمة الأمريكية أن الصين يمكنها أن تضع عراقيل أمام الاقتصاد العالمي بفرض قيود صارمة على تصدير الفضة. لكن الصين لا تسيطر على كل فضة العالم، ومن المؤكد أن الولايات المتحدة يمكنها شراؤها من مكان آخر؟
وأضاف وايكيرت قائلا: "نعم، ذلك هو الهدف"، لكنه أحد الاشياء التي من السهل قولها وليس تحقيقها بصفة خاصة عندما تكون هناك عدة عوامل تقف في طريق مثل هذا المشروع، لا سيما على المدى القريب. ويعد التوقف عن استخدام مصادر المعادن الأرضية النادرة أو الفضة التي تسيطر عليها الصين مشروعا يستغرق عقودا من الزمن، وليس شيئا يمكن إنجازه في الأشهر الأربعة والثلاثين المتبقية من رئاسة مثيرة للجدل.
وفي اللحظة التي استغلت فيها الصين ذلك ، تراجعت إدارة ترامب . وبدون الإعلان بشكل صريح ، تراجع طاقم ترامب عن موقفهم تجاه الصين بشأن التجارة.
وألغى ترامب، فيما يبدو بين عشية وضحاها، الكثير من إجراءات الحظر التي فرضها على بيع رقائق الكمبيوتر المتطورة للصين، وهو حظر كان قد تم فرضه في فترة ولاية ترامب الأولى واستمر خلال فترة رئاسة جو بايدن التي تم انتقادها كثيرا . وتحدث ترامب على نحو ايجابي عن العودة إلى علاقة أكثر ودية مع بكين في التجارة أيضا.
وتعد هذه التراجعات في المواقف نتيجة إدراك ترامب أنه في المواجهات التجارية مع الصين ، كان موقف الولايات المتحدة في عامي 2025 و2026، أضعف بكثير مما كان في عامي 2019 و2020، عندما شن ترامب حملة شرسة ضد الصين.
وبالطبع، كان هناك الكثير من المعارضن في الغرب الذين انتقدوا بشدة الأخبار عن الفائض التجاري للصين.
وتابع وايكيرت: "كان البيان الأكثر شيوعا الذي سمعته حول هذه الأخبار هو أن الصين تكذب بشكل روتيني بشأن بياناتها. ومما لا شك فيه أنه كانت هناك أمثلة على تلاعب الصين ببياناتها الاقتصادية. ولكن في الحالة الخاصة بالبيانات بشأن الفائض التجاري ، فإن هذه الحجة خادعة ".
ولا يأخذ الخبراء مزاعم الحكومة الصينية كأمر مسلم به، وهم يتعاملون مع بيانات الصين الخاصة بالجمارك (بما فيها فائض التجارة البالغ 2ر1 تريليون دولار) كجزء من منظومة بيانات تجريبية أوسع. ثم يتحقق هؤلاء الخبراء من صحة البيانات بالرجوع إلى العديد من المصادر والمؤشرات المستقلة.
ويعطي الاتساق مع بيانات بلد شريك ، واتجاهات النقل والشحن، إضافة إلى المؤشرات الكلية الأوسع نطاقا، الاقتصاديين ثقة معقولة في أن الفائض المعلن عنه يعكس أنماطا اقتصادية حقيقية، حتى لو لم تتوفر الدقة الشديدة وتكون هناك بعض الاختلافات .
ويُذكر الفائض التجاري لبكين بالكيفية التي خسر بها الأمريكيون الحرب التجارية أمام الصين. وبالطبع فإن من المرجح أن تكون هناك حروب تجارية في المستقبل مع الصين.
واختتم وايكيرت مقاله بالقول إن الصين اوقفت بنجاح اعتمادها على الولايات المتحدة منذ عام 2018. واليوم، يتمتع الاقتصاد الصيني في الأغلب بقدرة على مواجهة الرسوم الجمركية، ويتعين على ترامب، أو أي إدارة في المستقبل، أن تتذكر ذلك قبل الشروع في شن حرب تجارية أخرى سيكون مصيرها بالفشل.