الهلالي الشربيني يكتب: التربية على ثقافة الاختلاف والتسامح.. مدخل لتحقيق مبادئ رؤية 2030 وأجندة 2063 - بوابة الشروق
الخميس 22 أكتوبر 2020 11:17 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

الهلالي الشربيني يكتب: التربية على ثقافة الاختلاف والتسامح.. مدخل لتحقيق مبادئ رؤية 2030 وأجندة 2063


نشر في: الأربعاء 23 سبتمبر 2020 - 10:55 م | آخر تحديث: الأربعاء 23 سبتمبر 2020 - 10:55 م

يعد الاختلاف سنة كونية من سنن الله، وضرورة من ضرورات الحياة، كما أنه ينطوى على مقصد ربانى فى خلق الناس على التنوع فى الأشكال والأعراق والألوان والألسنة والتباين فى القدرة على الاختيار والتمييز، ربما لأن تماثل الأشياء وتطابقها يجعلها قليلة النفع ومحدودة القيمة، ومن ثم فليس من الحكمة على الإطلاق أن نسعى إلى تنميط البشر أو قولبتهم فى قوالب متماثلة بهدف دفعهم للاتفاق فى كل شىء وعلى كل شىء؛ فالاختلاف ــ أردنا أو لم نرد ــ سيظل قائما وباقيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لأن الحياة لا تستقيم إلا به، وكل ما علينا أن نستفيد من نعمة وجوده ولا نحوله إلى نقمة قد تبيد ولا تزر إلا دمارا وهلاكا.
وغالبا ما يستخدم البعض كلمتى الخلاف والاختلاف بنفس المعنى ولكننا نرى أن الاختلاف غالبا ما ينصب على الرأى، كما أنه لا يدل على القطيعة، بل قد يدل على بداية الحوار، وقد يوحى بشىء من التكامل كما فى قوله تعالى «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود» (سورة فاطر آية 27)، أما الخلاف فلا يوحى بذلك وقد يدل على القطيعة، وثقافة الاختلاف تعنى فى الواقع إدراك الشخص أن الاختلاف سنة من سنن الله فى خلقه والقناعة بأهميته فى إحداث التكامل والثراء فى المجتمع، والعمل على تحويله إلى مصدر لإثراء الهوية وترسيخا لمقوماتها الأساسية. وفى إطار مفهوم الاختلاف هناك قيم ومبادئ يجب أن تحرص المؤسسات المعنية بتربية أبناء المجتمع على غرسها فى نفوس أبناء الوطن الواحد، منها: الإخاء والحوار والسلام؛ حيث إن غرث مثل هذه القيم فى فكر الإنسان منذ الصغر عن طريق الأسرة والمدرسة ودور العبادة وغيرها يجعل الشخص متسامحا يعترف بحقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
وفكرة التسامح هى فكرة عالمية وذات أصول تاريخية، وليست وليدة اليوم أو السنوات القليلة الماضية، وقد كان التسامح لقرون عديدة ذات طابع دينى ولكن مع تطور المجتمعات وتتابع الثورات ابتداء من الثورة الصناعية الأولى فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر وحتى ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فى القرن الحالى وما صاحب ذلك من تغيرات سياسية واجتماعية وثقافية اتخذ التسامح أشكالا جديدة فصار يعنى التناغم فى الاختلاف واحترام الحريات الأساسية للآخرين ونبذ النزعات التعصبية والاستبدادية وتأكيد مبادئ حقوق الانسان، ومن ثم أصبح هناك إلى جانب التسامح الدينى التسامح الأخلاقى والتسامح السياسى، والتسامح الفكرى والثقافى، والتسامح العرقى، والتسامح مع الذات والتسامح الاجتماعى.
ويكاد يكون هناك إجماع على أن التسامح مفهوم يقترن بمفهوم المجتمع المدنى الذى يصون حقوق جميع أفراده بصرف النظر عن النوع أو العرق أو اللون أو العقيدة، ويكاد ينعقد الإجماع أيضا على أن التسامح يمثل موقفا فكريا وعمليا قوامه تقبل المواقف الفكرية والعملية التى تصدر عن الغير سواء كانت موافقة أو مخالفة لموقف الشخص، وعلى أنه يمثل ركنا من أركان الثقافة الديمقراطية التى تكون فيها الحقائق نسبية والاختلافات شرعية، وعلى أنه أيضا بمثابة إقرار واحترام وتقرير للتنوع الثرى للثقافات وللأشكال المختلفة فى التعبير عن الإنسانية، وكذلك على أن كثرة الحديث عنه لا تعنى وجوده فى كل مكان فى العالم؛ حيث إن هناك تزايدا فى التوجهات العنصرية والكراهية العرقية والقومية والدينية فى كثير من بقاع العالم.
وسعت الأمم المتحدة منذ تأسيسها فى عام 1945 إلى تعميم فكرة التسامح؛ حيث ضمنت ميثاقها فى ديباجته «نحن شعوب الأمم المتحدة وقد ألينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال القادمة من ويلات الحروب التى من خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانا يعجز عنها الوصف، وفى سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح وأن نعيش معا فى سلام وحسن جوار وأن نضم قوانا كى نحتفظ بالسلم والأمن الدولى»، إلا أن الواقع يشير إلى أن العالم تسوده حاليا حالة من التراجع عن تلك المبادئ ولم يبق أمام الشعوب خيار للحد من ثقافة القتل والعداء والإقصاء المتفشية فى أماكن كثيرة سوى العودة إلى تبنى قيم التسامح والسلام وإدارة الخلاف وتحويله إلى اختلاف وحوار، وهو عمل يتطلب بذل جهود كبيرة فى المجال الثقافى والدينى والتربوى على المستوى المحلى والإقليمى والدولى ويعتمد نجاحه على كيفية إدارة هذا الاختلاف، فهناك الإدارة التى تنظر إلى الاختلاف نظرة إيجابية فتركز على حفظ مساحات للجماعات المتنوعة التى تشكل كيان المجتمعات للتعبير عن تنوعها فى أجواء من الاحترام والعدالة وضمان الحقوق والواجبات للجميع فى ظل الاحتكام للقانون، كما أن هناك أيضا الإدارة السلبية للاختلاف التى تنظر إليه على أنه مصدر ضعف للمجتمع ومن ثم تركز على الإقصاء والاستبعاد وعدم الاعتداد بمبدأ الحقوق والواجبات.
وحيث إنه فى ظل مبادئ التنمية المستدامة فى رؤية الأمم المتحدة 2030 وأجندة إفريقيا 2063 صارت الصحة التنظيمية فى المجتمعات والمؤسسات والمنظمات تستمد وجودها من خلال طبيعة العلاقات بين الأفراد العاملين بها بما يتضمنه ذلك من روح الفريق والمشاركة والاختلافات الإيجابية فى أمور مثل العمر والنوع والعرق والعقيدة، فقد صار من الضرورى ألا تسمح تلك المجتمعات والمؤسسات لأى اختلافات بأن تؤثر على فرق العمل وطبيعة المنافسة فيما بينها، والتركيز على نمط القيادة والسلوك الفردى بما يشملانه من اهتمام بقيم العدالة والتمكين والإفادة من التغذية الراجعة والدعم للجميع وحل الصراعات أولا بأول فى إطار من العدالة والقانون.
وظهرت فكرة تدشين أجندة 2063 للطموحات الإفريقية فى إطار الاحتفال بمرور 50 عاما على إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية فى مايو 2013 حيث تأسست فى 25 مايو 1963، وقد عرض هذه الأجندة 54 عضوا من الاتحاد تحت شعار «إفريقيا التى نريد»، وتم اعتبارها أساسا للتحول الاقتصادى والاجتماعى التكاملى طويل الأجل للقارة الأفريقية خلال الـ50 عاما القادمة، وتضمنت الأجندة العديد من الأهداف، إلا أن الهدف الرئيسى لها هو «إفريقيا متكاملة ومزدهرة تنعم بالتسامح والسلام، وإفريقيا يقودها ويديرها مواطنوها دون إقصاء أو تمييز، وتمثل قوة ديناميكية على الساحة الدولية».
وفى هذا الإطار تتقاطع أهداف التنمية المستدامة فى رؤية الأمم المتحدة 2030 وأجندة إفريقيا 2063، حيث تركز خطة التنمية المستدامة 2030 على الحاجة إلى استدامة النمو الاجتماعى والاقتصادى وشموله للجميع الأمر الذى من شأنه تحقيق ازدهار المجتمع ورفاهية المواطنين وتمكين وتعزيز الإدماج الاجتماعى والاقتصادى والسياسى بغض النظر عن السن أو الجنس أو العرق أو الإعاقة أو العقيدة، كما تركز أجندة 2063 على ضرورة تحقيق التحول الهيكلى للاقتصاديات الإفريقية لخلق النمو وتوفير فرص العمل اللائق، والحوكمة الرشيدة والشفافية المؤسسية والمجتمعات السلمية والعادلة التى لا يهمش فيها أحد، هذا بالإضافة إلى التحول إلى اللامركزية وتعميق الديمقراطية، وتكامل كل هذه الأهداف على المستوى الوطنى، ومعالجة قضايا عدم المساواة فى الفرص ومستويات المعيشة وتحقيق التنمية المستدامة.
وبالطبع يتطلب تحقيق هذه الأهداف التحول الشامل نحو توفير فرص متكافئة لجميع المواطنين ليتمكنوا من تفعيل مشاركتهم الكاملة والنشطة فى الجوانب المدنية والاقتصادية والاجتماعية للتنمية المستدامة؛ حيث إن الشمول يمثل الأساس فى تحقيق التنمية المستدامة، ويتطلب الشمول معالجة الأسباب المتعددة للإقصاء مثل عدم الحصول على فرص للعمل والخدمات وبناء المهارات والقدرات اللازمة لزيادة إنتاجية الفرد وتحقيق مستوى معيشى مناسب، كما يتطلب توفير التعليم بشكل شامل ومستدام كأساس لتمكين المواطنين من خلق فرص العمل.
وبدأت مصر فى تحقيق هذه الأهداف فى ظل ظروف صعبة ولذلك كان لابد من بذل جهود مضاعفة، ومن ثم يجب تقييم هذه الجهود فى ضوء النقطة التى تم البدء منها فى كل مجال من المجالات، هذا بالإضافة إلى ضرورة رفع التوعية والتثقيف لدى المواطنين بخطة التنمية المستدامة 2030 وأجندة 2063 وذلك للمشاركة فى تنفيذها وتخفيف العبء عن عاتق الدولة، وكذلك تطوير رأس المال البشرى باعتباره نقطة حاسمة فى تنفيذ الخطتين والنهوض بالنظام التعليمى باعتباره حجر الأساس فى التحول لبناء القدرات والمهارات للجميع.
وفى ضوء ما تقدم يمكن لمؤسسات المجتمع بصفة عامة وللمؤسسات التربوية بصفة خاصة أن تلعب دورا جوهريا فى تربية النشء على ثقافة الاختلاف والتسامح بما ينعكس إيجابا على حياة الفرد والمجتمع ويعزز الميزات التنافسية لكل قطاعات الدولة الوطنية، ومن ثم تحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة 3030 وأجندة 2063، وذلك من خلال أساليب وآليات تستهدف المعلمين والطلاب بصفة عامة بصرف النظر عن أى اعتبارات ثقافية أو عقائدية أو غيرها، وذلك على النحو التالى:
● تضمين بعض المواد الدراسية نصوصا حول حقوق الانسان وحقوق المرأة والتعدد الثقافى، وحقوق الطفل، وتجاوز بعض الكراهيات التى تفرضها بعض الوقائع التاريخية.
● تعريف المعلمين والطلاب بمفاهيم المواطنة والحريات المدنية والتسامح وقبول الآخر وتفعيلها عمليا فى سلوكياتهم وممارساتهم اليومية.
● تربية النشء على احترام الاختلاف والتنوع والبعد عن أى صراع بين الأطفال يرتبط بهما، وذلك من خلال توفير بيئة تربوية تسمح لهم باللعب والتعلم والنمو معا.
● التركيز على عمليات التعلم التشاركية النقدية التى تعطى الفرص المتساوية للجميع، وتبتعد عن أى نوع من القمع، وتعمل على تعزيز قيم التسامح الفكرى والثقافى.
● تقديم برامج تثقيفية للنشء فى مجال حقوق الإنسان تشجعهم على استيعاب حقوق الآخرين وتغذيها فيما بينهم وفى مجتمعاتهم المدرسية.
● تقديم برامج تثقيفية للكبار توضح لهم أن ما يقولونه ويفعلونه يمثل رسائل مهمة للأطفال تتحدد من خلالها سلوكياتهم ونظرتهم للناس فى كونهم أقرب للتشابه منهم إلى الاختلاف.
● نشر ثقافة الحوار القائم على إعطاء كل الأطراف حقوقا متساوية فى النقاش، واحترام كل طرف للآخر حتى ولو كان ضعيفا، والإيمان بالندية والمساواة فى منزلة الطرفين، وإدارة الحوار على مرجعية الحجة والبرهان لا على سطوة القهر والهيمنة لأحد الأطراف.
● تفعيل دور وسائل الإعلام والاتصال فى نشر ثقافة المودة والمحبة بين أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم واختلافاتهم ومعتقداتهم.
● الحرص على دمج المفاهيم الخاصة بثقافة الاختلاف وقيم التسامح والحوار وتقبل الآخر فى المناهج الدراسية والأنشطة التربوية بما يسهم فى تحقيق الاندماج والتشارك الاجتماعى بين مختلف شرائح الطلاب وبالتبعية شرائح المجتمع وفئاته ومكوناته.
● دمج قيم التسامح التى تركز على الإخاء واحترام الاختلاف والتنوع وتجنب الصراع والظلم الاجتماعى فى الأنشطة التربوية التى تمارس فى المؤسسات التعليمية بكل أنواعها ومستوياتها وفى جميع مؤسسات المجتمع المدنى الأخرى مثل النوادى والمساجد والكنائس.
* وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى السابق.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك