قال نقيب الصحفيين خالد البلشي، إن أي دعوة لتنظيم حقوق العاملين في مهنة الصحافة، مطبوعة أو إلكترونية، خارج مظلة نقابة الصحفيين وبعيدًا عن رعايتها، فهي دعوة مرفوضة.
وأضاف البلشي، في بيان له، أن أي نقاش في هذا الإطار يجب أن يتم من خلال نقابة الصحفيين إذا كان الحديث يخص الصحفيين، وأن الدعوات لمناقشة أوضاع الصحفيين الإلكترونيين محلها النقابة، لافتًا إلى أن كيانات الملاك لها صيغة أخرى، أما الحديث عن كيانات للمؤسسات فهو خلط للأوراق، خطره كبير على كل الأطراف، ولابد من توضيحه.
وتابع: «من هذا المنطلق، دعونا نوضح ونصحح بعض المفاهيم، حيث إن هناك فرقًا بين ثلاثة مصطلحات في أي منظومة للعمل: الأول الملاك، والثاني العاملون لديهم، والثالث المؤسسة، وهي المكان الذي يعمل تحت مظلته الجميع، ويضع قواعده الملاك غالبًا، بمشاركة جزئية من العاملين في بعض الأحيان، وفي إطار القوانين الحاكمة. فما الفرق بينها؟ وكيف تتفاعل في إطار هذه القوانين؟».
**أولًا: الطرفان الأول والثاني — حق التنظيم
في النظم الرأسمالية أو في السوق الحر، من حق كل من الطرفين الأول والثاني أن ينظم نفسه.
1. اتحادات الملاك
فيؤسس الطرف الأول اتحادًا للملاك، يدافع في الأساس عن حقوقهم ومصالحهم، حتى لو تعارضت مع مصالح العاملين، وهو ما يظهر في محاولة فرض رؤاهم على التشريعات، بفرض العقد المؤقت، أو السعي لخفض الأجور ومعدلاتها، وتتجلى مظاهر ذلك في بعض العقود التي تُقدَّم للنقابة مع كل لجنة قيد، أو بالتفاوض مع الحكومة على مصالحهم وتخفيضاتهم، أو تطوير الصناعة التي يعملون فيها. والبند الأخير قد تتلاقى فيه المصالح مع العمال في بعض الأحوال.
فهل كل ما يفعله الملاك يتعارض مع العمال؟ لا، بل قد تتلاقى المصالح في تطوير الصناعة من أجل مساحات أوسع للعمل.
2. تنظيم العمال والنقابات
الجانب الثاني هو العاملون، وهؤلاء فرضوا حقهم تاريخيًا في تنظيم أنفسهم من خلال النقابات، التي تدافع عن مصالحهم وتتفاوض على حقوقهم مع جميع الأطراف، وغالبًا مع اتحادات الملاك، وقد يصل الأمر إلى صراع من أجل حقوق العاملين: لزيادة الأجر، أو ضد الفصل، أو للحصول على حد أدنى وأجور عادلة. وقد تتلاقى مصالحهم مع الملاك في تطوير الصناعة من أجل مساحات أوسع للعمل.
وفي بيئة العمل الصحفي لدينا نوعان من النقابات: لجان عمالية داخل كل مؤسسة، وهي ضرورة ملحة، ونقابة مهنية للدفاع عن المهنة وممارسيها، ويجب أن تسعى لشمول جميع ممارسي المهنة الحقيقيين. وكلا النوعين ضروريان، وتكاملهما مهم لضبط العمل والحفاظ على حقوق العاملين.
ومن ينادي بواحدة دون الأخرى بزعم الدفاع عن حقوق العمال، فلابد أن نقف لننظر ماذا يفعل مع العاملين معه، ولنفهم دوافعه.
3. الطرف الثالث — المؤسسات.. وهي كيانات لا علاقة لها بالتنظيم
الطرف الثالث هو المؤسسات، فأي كلام عن اتحادات بينها تحت مزاعم الدفاع عن حقوق العاملين، وهو ما يتم طرحه من قبل البعض حاليًا، فهو خلط للأوراق.
فأي اتحاد بين المؤسسات هو اتحاد اقتصادي ينظمه القانون ولا علاقة له بحقوق العمال، لكنه قد يكون مدخلًا للسيطرة على المهن أو احتكارها، وهو في الغالب لعبة يسعى إليها الملاك الكبار، ويدفع ثمنها الجميع: الدولة والعمال والسوق.
ويكون التوصيف الصحيح لها هو اندماجات، وهذه الاندماجات خطر كبير لو تجاوزت الحدود القانونية، فهي تأسيس لأنماط احتكارية. ويكون الخطر في الإعلام مضاعفًا، فهي لا تهدد فقط تعددية السوق، بل تمتد إلى احتكار المعلومات أو توجيهها أو التحكم في الضوابط المهنية والتشريعية.
ومنها، مثلًا، أن يخرج البعض ليقول إن المؤسسات اتفقت على ضوابط لتغطية بعينها، لأن من سيطبق هذه الضوابط هم الأقوياء ولصالحهم فقط، فضلًا عن أنه تعدٍّ مباشر على دور المؤسسات التنظيمية والنقابية.
ولذلك خُلق ما يعرف بالتنظيم الذاتي للمهنة، وخُلقت أدوار المجالس التنظيمية، مثل المجلس الأعلى للإعلام، التي تقوم بدورها في التفاوض مع جميع أطراف العملية الإعلامية، لضبط هذه العلاقة ومنع الانفراد بوضع القواعد.
مع التأكيد على أن هذه المجالس ليست بديلًا عن تنظيم العاملين لأنفسهم، بل هي إطار لضبط العلاقة بين الأطراف، يبقى معه حق العمال في التنظيم النقابي قائمًا وأصيلًا، بل وضابطًا للسوق.
ووجّه نقيب الصحفيين الدعوة للمجلس الأعلى للإعلام لتفعيل الآليات الحمائية الموجودة في قانونه لحماية حقوق العاملين بالمؤسسات والمواقع، وتحديد المؤسسات الفعلية، فهو المنظم الحقيقي لعمل المؤسسات والضامن لحقوقها.
وأوضح أن القانون رقم 180 لسنة 2018 يتضمن نصوصًا واضحة وكافية؛ فالمادتان 15 و38 تلزمان المؤسسات بإنشاء وتمويل صناديق للتأمين ضد العجز والبطالة، والمادة 45 تلزم الصحف الخاصة والحزبية بضمان مشاركة الصحفيين في الإدارة وفق ضوابط يضعها المجلس، والمادة 46 تلزم المؤسسات بوضع حد أدنى للأجور لا يقل عن الحد الأدنى القومي، وبعلاج الصحفيين والإداريين والعمال تحت إشراف المجلس.
وأضاف: «فالمطلوب تفعيل هذه المواد لا اختراع غيرها. ومن ثمّ، فإن أي دعوة لتأسيس كيان للمؤسسات هي قفز على هذا الدور، وتجاوز للمنظم الحقيقي الذي أناط به القانون هذه المهمة».
وأشار البلشي إلى أن أي حديث عن اتحادات للملاك هو حق، وهو أساس النظم الحرة، وهذا الحق يواجهه حق العمال في تنظيم أنفسهم من خلال النقابات، وعلى هذه النقابات أن تتسع لجميع العاملين والممارسين للمهنة. وهذا هو النقاش الذي نعمل عليه، ولابد أن نسعى إليه جميعًا.
وتابع: «لكن ما الخطر إذن؟ الخطر في الكلام عن تأسيس تجمعات للمؤسسات بدعوى تنظيم حقوق العاملين أو الدفاع عنهم، فهو لا يعدو أن يكون خديعة أو عبثًا، لأن هذا التنظيم لن يكون إلا تجمعًا لمن يملك القوة، وساعتها سينفرد بوضع القواعد لصالح من يملكون، ومنها طريقة العمل في السوق، وهو بوابة لاحتكار بديل. فعلى الجميع أن يستيقظ جيدًا».
* ثانيًا: عودة إلى نقطة الخلط — ماذا قال الوزير ضياء رشوان؟
وقال نقيب الصحفيين إن ما فهمه من كلام وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان أنها دعوة لتأسيس اتحاد لملاك المواقع، وهو ما حرص على توضيحه، ويجب إبعاده عن هذا النقاش.
وأضاف: «وربما ما فجّر الموضوع أنه صادف غير أهله، خاصة وأن المفترض أن رؤساء التحرير الذين اجتمع معهم الزميل العزيز والنقابي والوزير ضياء رشوان هم من العاملين، حتى لو كانوا جزءًا من الإدارة العليا، ولعل ذلك كان مدخل الخلط الذي جرى، يضاف له النقل الخاطئ من جانب البعض، لكن تبقى نوايا الوزير واضحة وأكدها توضيحه، وأكدتها مواقفه وقت تأسيس غرفة صناعة الإعلام، لكن يبدو أن البعض أصر على إكمال ما لم يقله».
وأوضح أن الأزمة الحقيقية، والتي تحولت لمدخل لحلول رأى البعض فيها قفزًا على النقابة وتفتيتًا لها، هي أن نقابة الصحفيين ليست مظلة للجميع.
وقال إن هناك أزمة تعاني منها نقابة الصحفيين في ظل التطورات التي تشهدها المهنة منذ سنوات، وهي أنها لم تعد مظلة لجميع العاملين في المهنة، وهذه هي الأزمة الحقيقية التي تظهر بوادرها من حين لآخر، وصار السعي لحلها فرضًا علينا جميعًا، وهو ما أشار إليه في مرات عديدة.
ولفت إلى أنه يجب حلها لثلاثة أسباب:
1. أولًا: لأن الحماية النقابية حق، ويجب أن تمتد لجميع ممارسي المهنة، وهو ما طرحه قبل أسبوعين وأعاد طرحه مرة أخرى، على أن يتم ذلك من خلال النقابة وجمعيتها العمومية.
2. ثانيًا: كجزء من تنظيم هذه المهنة.
3. ثالثًا: حتى لا تكون عدم شمول الحماية النقابية للجميع مدخلًا للعبث أو لاستغلال جديد أو لخلطات سرية مريبة تحت مزاعم الحماية.
وقال نقيب الصحفيين: «بقي تحذير ضروري لابد من لفت الأنظار إليه، يتمثل في أن الخلطة السرية التي خرج بها بعض من تحدثوا عن كيانات تضم الملاك والعاملين، هي خلطة شديدة الخطورة، خاصة في مجال الإعلام، لأنها ستتحول لبوابة لاحتكار إضافي يتحكم فيه أصحاب هذه الخلطة، وساعتها سنسمع عن قواعد جديدة للمنع أو سياسات تحريرية موحدة تحت ستار ومزاعم أن مثل هذه الاتحادات ستدافع عن حقوق العاملين في المهنة. فهي لا تعدو أن تكون عبثًا أو خداعًا».
ونوه إلى أن البديل هو أن يتكاتف الجميع للعمل على قضية صحفيي المواقع وسبل ضمهم للنقابة، على أن يتم ذلك تحت مظلة النقابة وبرعاية الجمعية العمومية، وعبر نقاش مفتوح تحت مظلتها دون أحد سواها، وهي دعوة أطلقها مجددًا.
وأشار إلى أنه يجب البدء كذلك في بحث سبل تنظيم حقوق العاملين في المواقع كمقدمة لهذا التنظيم، والبدء في الوقت نفسه بتنظيم لجان عمالية داخل هذه المؤسسات، كجزء من إكمال الشكل المؤسسي، وبحيث يوصد الباب أمام كونها مؤسسات للاستغلال.
وأضاف أن تكون أحد بنود اعتماد هذه المؤسسات من خلال اعتماد هياكل مؤسسية تنظم حقوق العاملين بها، حتى لا تتحول لبوابات خلفية للعصف بالحقوق وتشريد العاملين، كما فعلت بعض المؤسسات التي كان يرأسها من يتصدون حاليًا لمثل هذه الدعوات.
ودعا نقيب الصحفيين إلى العمل جميعًا تحت مظلة النقابة إذا كان الهدف هو مستقبل المهنة وحماية العاملين بها، موجهًا الدعوة لجميع المهتمين والمهمومين بالمهنة في كل وسائطها، ولممثلي الصحف والمواقع، وشيوخ المهنة، لبدء نقاش جاد داخل النقابة وتحت مظلتها، والخروج بحلول عبر بوابة الجمعية العمومية، بما يسمح بمد الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة الحقيقيين، ومن خلال إجراءات صارمة للعضوية لمقاومة المنتحلين، وتمنع المؤسسات من استغلال الأوضاع للعصف بالحقوق.
واختتم بيانه بالدعوة إلى بدء هذا النقاش فورًا، قائلًا: «ولنركز على الأزمة الحقيقية ومن خلال جلسات مفتوحة لجميع الزملاء تحت مظلة النقابة، ولتكن البداية من الأسبوع القادم، وليكن هدفنا أن نصنع معًا رؤية متماسكة للمستقبل تقدم حلولًا متنوعة لا يتم إقرارها إلا من خلال الجمعية العمومية. وسوف تقوم النقابة بالإعداد لهذه اللقاءات فورًا».