رغم ارتباط العيد لدى الكثيرين بأجواء الفرح والتجمعات العائلية والشعور بالأمان، فإنه ربما يحمل لدى البعض ذكريات مؤلمة ومشاعر سلبية تعود إلى سنوات الطفولة، فالتوتر والخلافات داخل الأسرة خلال هذه المناسبات لا يُعدان أمرًا عابرًا أو مادة للمزاح كما يعتقد البعض، بل قد يتركان آثارًا نفسية عميقة تمتد لسنوات.
فتجد أن الطفل لا يتعامل مع المناسبات باعتبارها أيامًا عادية، بل يربطها بمشاعر وتوقعات خاصة؛ لذلك قد يتحول أي شجار أو توتر أو حتى الصمت والتجاهل خلال هذه الأوقات، إلى ذكرى مؤلمة تظل عالقة في ذاكرته لسنوات، وقد تؤثر على نظرته للمناسبات العائلية لاحقًا.
وأوضحت الدكتورة هند البنا استشاري الصحة النفسية وخبيرة العلاقات، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، أن الطفل يتأثر بالمناخ النفسي داخل المنزل حتى لو لم يفهم تفاصيل ما يحدث بين الكبار، إذ يلتقط التوتر من نبرة الأصوات وتعابير الوجوه وطريقة التعامل بين أفراد الأسرة.
- لماذا تؤثر خلافات العيد بشكل أكبر على الأطفال؟
وقالت الدكتورة هند البنا، إن الطفل يستقبل العيد باعتباره وقتًا للسعادة والدفء العائلي؛ لذلك عندما تحدث مشاجرات أو توتر شديد في هذا التوقيت يشعر بارتباك نفسي، لأن الصورة الجميلة التي رسمها في خياله تصطدم بالواقع.
وأضافت أن تكرار هذه المواقف قد يجعل بعض الأطفال يربطون العيد نفسه بمشاعر القلق أو التوتر، فيصبح الطفل متحفزًا أو منزعجًا قبل أي مناسبة عائلية دون أن يعرف السبب بشكل واضح.
وأكدت أن أغلب ذكريات الطفولة ترتبط بالمشاعر أكثر من التفاصيل نفسها، فالطفل قد لا يتذكر ماذا أكل أو ماذا اشترى في العيد، لكنه سيتذكر هل كان يشعر بالأمان والاحتواء أم بالخوف والتوتر.
وأضافت أن الأجواء الصحية لا تحتاج إلى إمكانيات كبيرة، بقدر ما تحتاج إلى هدوء واحترام متبادل وشعور الطفل بأنه مرحب به ومحبوب.
- كيف يفهم الطفل الخلافات العائلية؟
وأشارت إلى أن الطفل، وإن كان لا يفهم تفاصيل الخلاف، فإنه يلتقط تأثيره من خلال نبرة الصوت وتعابير الوجه والتوتر الموجود في المكان.
وبينت أن بعض الأطفال خصوصا في الأعمار الصغيرة، يعتقدون أنهم سبب المشكلة أو أنهم ارتكبوا شيئًا أغضب الكبار، حتى لو لم يصرح أحد بذلك، ولهذا السبب فإن أكبر خطأ هو أن يعتقد الأهل أن الطفل لا يفهم أو لا يتأثر بما يحدث حوله.
وأضافت أن الصراخ أمام الأطفال، وتبادل الإهانات، ومحاولة جذب الطفل إلى صف أحد الأطراف، أو تحميله تفاصيل لا تناسب عمره، كلها أمور تضعه تحت ضغط نفسي أكبر من قدرته على التحمل.
- الأطفال الحساسون أكثر تأثرا بالتوتر
وشددت الدكتورة هند، على أن الأطفال الحساسين أو القلقين يلتقطون التوتر بسرعة حتى لو لم يتحدث أحد أمامهم بشكل مباشر؛ لذلك من المهم إبعادهم قدر الإمكان عن أجواء الخلاف، مع طمأنتهم باستمرار ومنحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم.
وأوضحت أن وجود شخص بالغ هادئ وقريب منهم خلال التجمعات العائلية يساعد في احتواء قلقهم.
- كيف يمكن إصلاح الأثر النفسي بعد الشجار؟
وتابعت أنه من المهم عدم التصرف وكأن شيئًا لم يحدث، لأن الطفل يحتاج إلى تفسير بسيط يناسب عمره، كما يحتاج إلى أن يسمع بوضوح أن الخلاف بين الكبار وليس بسببه.
وأضافت أن طمأنة الطفل بأن العلاقة الأسرية ما زالت مستقرة وأنه في أمان قد تمنع أثرًا نفسيًا يستمر لفترة طويلة.
- متى يصبح الأمر خطيرًا؟
وأشارت إلى أن تأثير الخلافات العائلية يصبح مقلقًا عندما تظهر تغيرات مستمرة في سلوك الطفل، مثل اضطرابات النوم، أو الكوابيس، أو زيادة القلق، أو الانسحاب الاجتماعي، أو التراجع الدراسي، أو ظهور سلوكيات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
وأكدت أن هذه العلامات قد تعني أن الطفل يحتاج إلى دعم نفسي ومساعدة متخصصة.
- الصمت قد يكون مؤذيًا مثل الشجار
ولفتت إلى أن الصمت المشحون بالتوتر أو التجاهل بين أفراد الأسرة قد يكون مؤذيًا أحيانًا مثل الشجار، وهو ما لا ينتبه إليه الكثير من الآباء.
وأضافت أن الأجواء الصامتة وتجاهل أفراد الأسرة لبعضهم البعض تشعر الطفل بأن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث دون أن يفهمه، مما يخلق لديه حالة من القلق والترقب.
- كيف تقلل الأسر من توتر العيد؟
ونصحت الدكتورة هند الأسر بعدم محاولة تصفية الحسابات القديمة خلال أوقات يفترض أن تكون مخصصة للفرحة والتواصل.
وأشارت إلى أهمية تأجيل النقاشات الحساسة، واحترام الحدود الشخصية، والابتعاد عن الانتقاد والمقارنات.
وفي ختام حديثها، أكدت أن الطفل لا يحتاج إلى عيد مثالي بقدر حاجته إلى الشعور بالأمان؛ لأن ما يبقى في ذاكرته لسنوات طويلة ليس تفاصيل اليوم نفسه، وإنما الإحساس الذي عاشه وسط أسرته خلال هذا اليوم، وحماية نفسيته يجب أن تكون أولوية بالنسبة للأهل.