قدم الكتاب الجديد للأكاديمي البريطاني المتخصص في الدراسات الحضرية ، بول نوكس ، بعنوان «لندن: تاريخ 300 عام في 25 مبنى» رحلة ممتدة عبر 300 عام من تاريخ لندن من خلال قصة 25 مبنى من أشهر مباني المدينة الكلاسيكية العتيقة، في عمل يمزج بين التاريخ المعماري والتاريخ الاجتماعي، ويقدّم قراءة واسعة للمدينة عبر تطورها العمراني والاقتصادي.
في البداية، استعرض الكتاب - الصادر عن مطابع جامعة "يال" - تاريخ العاصمة البريطانية بطريقة غير تقليدية، إذ انطلق من فكرة أن العمارة ليست مجرد أسلوب أو تصميم أو فترة تاريخية، بل هي تعبير مادي عن السلوك الإنساني، وأن دراسة المباني هي في جوهرها دراسة للعلاقة بين المجتمع ومحيطه العمراني.
وبدأ المؤلف مشروعه من هذا التصور، معتبرًا أن البيئة المبنية هي التاريخ الاجتماعي والاقتصادي في صورة مادية، وهو ما منحه منظورًا متعدد التخصصات سمح له بتتبع التحولات الكبرى التي شهدتها لندن عبر ثلاثة قرون. ومن هذا المنطلق، قدم قراءة رأى من خلالها أن المدينة لا يمكن فهمها فقط عبر معالمها الشهيرة، بل عبر طبقاتها الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة في بنيتها المعمارية.
ورغم الطابع المنهجي للكتاب، فإنه لا يخلو من الطابع الانتقائي أو الخاص بالمؤلف؛ فعلى الرغم من العنوان الذي يشير إلى 25 مبنى، فإن المحتوى يتجاوز ذلك فعليًا، إذ يضم في بعض الحالات مناطق كاملة أو أحياء وليس مباني منفردة؛ فعلى سبيل المثال، تناول الكتاب ساحة بدفورد في لندن، ومشروع سكني في منطقة باترسي، إضافة إلى الضواحي السكنية لمدينة أميرشام في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي وصفها رسام الكاريكاتير البريطاني أوسبرت لانكستر بتعبير "تنوع الضواحي عبر الطرق السريعة".
كما بدأ "نوكس" رحلته مباشرة من الحقبة الجورجية، متجاوزًا بعض أبرز المعالم التاريخية التقليدية في لندن مثل برج لندن وكاتدرائية "سانت بول" وقاعة "البانكويتينج" التي صممها المعماري ومصمم المسارح الإنجليزي، إنيجو جونز، وهو اختيار يعكس توجهًا مختلفًا في سرد تاريخ المدينة بعيدًا عن المعالم الأكثر شهرة.
وبدأ الكتاب فعليًا من "سبنسر هاوس" في وستمنستر، الذي صُمم عام 1756 لصالح النبيل البريطاني من القرن الثامن عشر، إيرل سبنسر الأول، على يد المعماري جون فادري، أحد تلاميذ ويليام كينت. ومع ذلك، لم يقدم الكتاب نفسه كدليل تقليدي للمباني الفخمة أو القصور، بل توسع ليشمل مباني أقل تقليدية مثل مستودع في منطقة الموانىء القديمة "ويست إنديا كواي" مرتبط بتاريخ تجارة الرقيق عبر الأطلسي، ومصنع "براينت آند ماي" في منطقة باو، الذي كان مسرحًا لإضراب عاملات أعواد الثقاب عام 1888، وهو احتجاج عمالي قادته النساء العاملات في المصنع للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل القاسية، ويُعد من أبرز محطات نضال العمال في بريطانيا.
واستخدم المؤلف هذه الأمثلة المعمارية كمدخل لتحليل التحولات الاجتماعية في لندن، وليس فقط كدراسة جمالية للمباني. كما ظهر في الكتاب توجه واضح لدى المؤلف نحو فترة هيمنة مجلس مقاطعة لندن ثم المجلس الكبير للندن (GLC)، وهي فترة يعتبرها نموذجًا لوجود تخطيط حضري شامل على مستوى المدينة.
ورغم هذا التوجه النقدي، لم يبدو الكتاب جافًا أو أكاديميًا، بل على العكس، فهو قدم مادة ممتعة وغنية بالمعلومات. إذ احتوي على تفاصيل طريفة وتاريخية لافتة، مثل حادثة انهيار سقف أحد مباني وزارة الخارجية عام 1852 بعد مغادرة الوزير مباشرة، أو محاولات سكان ميدان بدفورد في القرن التاسع عشر الحفاظ على طابعه الطبقي من خلال منع دخول العاملين البسطاء إلا بشروط صارمة، حتى أن بعض التجار لم يُسمح لهم بالدخول إلا إذا حضروا بأنفسهم حفاظًا على مستوى الحي الاجتماعي.
كما أورد الكتاب قصة عن متجر "هارودز" الشهير بلندن، حيث قام رجل الأعمال البريطاني تشارلز هارود بتجربة مبكرة لمصعد كهربائي في ثمانينيات القرن التاسع عشر، على شكل حزام ناقل، وكان هناك موظف مخصص لمساعدة الزبائن الذين يشعرون بالدوار من التجربة.
وقسم "نوكس" كتابه إلى سبعة أقسام مدعومة بالصور، مع تركيز واضح على الفترات الفيكتورية والقرن العشرين، واختتم كتابه باختيار لافت يتمثل في مبنى "بلاتفورم جي" في كينجز كروس، وهو ما يُعرف بـ "المبنى الأرضي الممتد"، الذي صممه المعماريان بيارك إنجلز وتوماس هيذرويك، ويصل طوله إلى أكثر من 1000 قدم رغم أنه لا يتجاوز 11 طابقًا. ومن المقرر أن يكون المقر الجديد لشركة "جوجل" في بريطانيا، ويضم مرافق رياضية وحدائق ومسارات جري على السطح.
وأشار "نوكس" في ختام عمله إلى أن القراء قد يختلفون حول اختياراته، ويتساءلون عن غياب بعض المعالم الشهيرة مثل المركز الثقافي "سومرست هاوس" الذي يعد من أشهر المباني الكلاسيكية بالعاصمة البريطانية، وكنيسة الثالوث في سلوين سكوير، وحمام البطاريق في حديقة حيوان من تصميم المعماري السوفيتي "لوبتكن"، وهو يعد أيقونة في العمارة الحديثة، لكنه رأى أن هذا الاختيار المتنوع والمثير للجدل هو جزء من قوة الكتاب، لأنه قدم رؤية مختلفة وغير تقليدية للمدينة.
وفي النهاية، خلص الكتاب إلى أن لندن ليست مدينة مكتملة أو ثابتة، بل مدينة تتسم بالتناقض والتغير المستمر؛ فهي في آن واحد فاسدة وطموحة، متناقضة وحيوية، ومليئة بالحياة. واستحضر الكاتب مقولة الكاتب والشاعر والناقد الإنجليزي من القرن الثامن عشر، صموئيل جونسون، الشهيرة حول "إذا كنت قد مللت من لندن، فقد مللت من الحياة ذاتها"، ليضيف إليها أن هذا الكتاب يجعل القارئ يعيد التفكير في هذه الفكرة من جديد.