قالت الدكتورة أريج جبر، أستاذ العلوم السياسية، إن ما سلاوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع ملف المفاوضات مع إيران يأتي في إطار محاولة التأكيد على أن التفاوض يجري «تحت إطلاق النار»، وأن الجانب الإيراني، بحسب تقديرها، جاء إلى التفاوض «مرغمًا»، بعد أن لم تُجدِ التهدئة نفعًا، وبعد أن كانت فترات الهدوء السابقة أشبه بـ«فترات الدلال للجانب الإيراني».
وأضافت جبر، خلال مداخلة عبر زوم من العاصمة الأردنية عمّان، مع فضائية إكسترا نيوز، مساء الأربعاء، أن اللغة الأمريكية تحولت الآن إلى العودة لاستخدام العنف والآلة العسكرية، بما يعكس، وفق تعبيرها، محاولة لإظهار «تفوق نوعي أمريكي»، والتأكيد على أن الولايات المتحدة ما زالت صاحبة القول الفصل في ملف المفاوضات.
وأوضحت أن النظر إلى حجم التصعيد والتهديد الأمريكي يكشف أنه «محدود جدًا» ومنضبط، ويمكن السيطرة عليه، كما يمكن للجانب الإيراني «ابتلاعه واحتواؤه»، باعتباره مشاغلة عسكرية يمكن الرد عليها بأقل التكاليف الإيرانية.
- تحول في الاشتراطات الأمريكية وصلابة إيرانية
وأشارت أستاذ العلوم السياسية إلى أن الجانب الأمريكي قدّم، بحسب وصفها، تحولًا حقيقيًا في الاشتراطات التي فرضها في بداية سياق الحرب، موضحة أن حالة التهدئة ودفع المفاوضات خطوات إلى الأمام جاءت بتوافق أمريكي مع الجانب الإيراني.
وقالت إن الجانب الإيراني أظهر صلابة في اشتراطاته، وتمسّك بفكرة «المزاوجة ما بين السلام والدبلوماسية، وما بين إبقاء اليد على الزناد»، مضيفة أن إيران تمكنت حتى الآن من تعديد الفاعلين والقادرين على التمثيل، عبر طرح الضمانات، وتوسيع قيمة الاشتراطات، والاستمرار في التحكم بمضيق هرمز، وكذلك التأثير في الاقتصاد العالمي.
- بنود الاتفاق المحتمل
وحول التسريبات المتعلقة ببنود الاتفاق المحتمل، قالت جبر إن فكرة السلام الدائم وعودة العلاقات الدافئة بين الولايات المتحدة وإيران «ولّت منذ زمن»، معتبرة أن ما يجري حاليًا يمكن وصفه بأنه سلام «تغلي من تحته النيران»، أو «حرب مع وقف التنفيذ»، مع مباحثات قد تعيد الطرفين إلى تفاصيل قابلة للانفجار.
وأضافت أن التسريبات المتداولة تصب، في تقديرها، في مضمون ما قدمته إيران قبل نهاية شهر أبريل الماضي، والمتعلق بوثيقة من 14 بندًا، تشمل وقف إطلاق النار لمدة تتراوح بين 30 و60 يومًا، ووقف الأعمال العدائية، ثم ترحيل أو تأجيل الحديث عن البرنامج النووي والقدرة الصاروخية إلى مرحلة لاحقة.
- مضيق هرمز والأصول المجمدة
وفيما يتعلق بمضيق هرمز والأصول الإيرانية المجمدة، قالت جبر إن هذه البنود تأتي في إطار إثبات حسن النوايا، معتبرة أنه إذا كانت الولايات المتحدة جادة في طي صفحة الصراع وبدء علاقات هادئة أو مستقرة نسبيًا مع إيران، فعليها رفع العقوبات السياسية والعسكرية والأمنية، والإفراج عن الأموال والأرصدة المجمدة.
وأوضحت أن إيران، وفق حديثها، لا تطلب الإفراج عن كل الأرصدة المجمدة دفعة واحدة، والتي قدرتها بـ11 تريليون، لكنها تتحدث في هذه المرحلة عن 24 مليار دولار لتخفيف الأعباء والضغوط الاقتصادية، إلى جانب إنهاء الحصار على موانئها.
وقالت إن إيران تريد التأكيد على أن الحصار المفروض هو حصار أمريكي، وأن من قيّد حركة الملاحة هو الجانب الأمريكي وليس الإيراني، مضيفة أن حركة الملاحة لن تعود كما كانت إلا وفق البروتوكول والاشتراطات الإيرانية.
واعتبرت جبر أن الأخطر في المطالب الإيرانية هو محاولة إرغام الولايات المتحدة على الانسحاب العسكري من مضيق هرمز ومن محيط إيران الجغرافي، بما يمنح طهران، وفق وصفها، منطقة عازلة وآمنة تخلو من التدخل الأمريكي، مضيفة: «وهذا لربما القفزة إن حدثت».
- السيطرة على مضيق هرمز
وردًا على سؤال بشأن إمكانية أن تترك الولايات المتحدة مسألة مضيق هرمز لسيطرة إيران، قالت جبر إن المضيق أصبح يُتعامل معه من جانب إيران باعتباره «حقًا خالصًا للجانب الإيراني»، مؤكدة أنه لا تراجع لدى طهران عن فكرة السيطرة على المضيق.
وأشارت إلى أن الحديث عن أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة قد يسمح بخلق سيناريو مشترك أمريكي إيراني، تكون فيه اليد الطولى للجانب الإيراني، مع نوع من التشاركية الأمريكية أو الاستفادة من العائدات، لكنها شددت على أن محاصرة الموانئ تُعد، بالنسبة لإيران، من الأمور التي لن تقبل بها في المرحلة المقبلة.
وأضافت أن الطرفين لا يزالان في مرحلة تبادل الاشتراطات والطروحات، وأن الواقع يشير إلى أنهما ذاهبان نحو توافق، غير أن هذا التوافق «قابل للانفجار في أي لحظة»، متوقعة أن تشهد مرحلة ما بعد يوليو، وربما نهاية يوليو، اشتغالًا بين الجانبين قد يعيد المنطقة إلى التوتر من جديد.
- ملف اليورانيوم عالي التخصيب
وبشأن ملف اليورانيوم عالي التخصيب، قالت جبر إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث قبل ثلاثة أيام، عبر منصة تروث سوشيال، عن القبول إما بتدمير اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية بحضور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو إخراجه وتدميره بحضور الفريق نفسه لدى الولايات المتحدة أو في أي مكان.
وأضافت أن الجانب الأمريكي يدرك أن إيران لن تقوم بتسليم اليورانيوم تحت أي ظرف، مشيرة إلى أن طهران ترفض حتى الآن فكرة خروج اليورانيوم، باعتباره «حقًا سياديًا» وجانبًا ردعيًا منحها زخمًا وقوة في مواجهة الجانب الأمريكي.
- مخاوف إسرائيل من انتعاش إيران
وحول تأثير الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة على إسرائيل، قالت جبر إن «الكيان المحتل» يرى أن أي مسعى لتقوية الجبهات الداخلية لأي دولة في المنطقة يمثل هاجسًا ومخاوف أمنية له، معتبرة أن الخشية الإسرائيلية لا تقتصر على استخدام جزء من هذه الأموال في ترميم القدرات العسكرية والتسليحية لإيران، بل تمتد إلى إمكانية توجيه الجزء الأكبر منها إلى إنعاش الاقتصاد وتعزيز البرامج الصناعية والتنموية داخل إيران.
وأضافت أن هذا الانتعاش قد يخلق تقاربًا شعبيًا مع النظام السياسي الإيراني، بما يعرقل، وفق تعبيرها، مساعي إسرائيل لإسقاط إيران من الداخل.
واعتبرت جبر أن المسألة الأخطر بالنسبة للجانب الإسرائيلي ليست فقط الإفراج عن الأصول المجمدة، بل احتمال إزالة اسم الحرس الثوري من قوائم الإرهاب، أو الاعتراف به كقوة عسكرية شرعية في المنطقة.
وقالت إن إسرائيل تدرك أن عوائد مضيق هرمز والعوائد المرتبطة بحماية الكابلات البحرية قد تُستخدم في ترميم القطاع العسكري الإيراني، مضيفة أنه رغم أن الحديث عن قدرة عسكرية جديدة ما زال مبكرًا، فإن أي متنفس اقتصادي أو عسكري سيقوي إيران، مختتمة بالقول: «بلا شك أن شوكة إيران ستقوى».