والله زمان يا سلاحي.. كيف تحولت الأغنية إلى سلاح معنوي في زمن جمال عبد الناصر؟ - بوابة الشروق
الإثنين 28 سبتمبر 2026 11:56 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

والله زمان يا سلاحي.. كيف تحولت الأغنية إلى سلاح معنوي في زمن جمال عبد الناصر؟

محمد حسين
نشر في: الإثنين 28 سبتمبر 2026 - 11:01 ص | آخر تحديث: الإثنين 28 سبتمبر 2026 - 11:01 ص

يكتمل اليوم، 28 سبتمبر، مرور 56 عامًا على رحيل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي توفي إثر أزمة قلبية مفاجئة عام 1970، عقب اجتماعات القمة العربية الطارئة التي دعا إليها لاحتواء الأزمة الكبيرة النزاع الدامي بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية فيما يُعرف بأحداث "أيلول الأسود".

وتتزامن ذكرى رحيل ناصر هذا العام مع مرور 70 عامًا على قراره تأميم قناة السويس، والذي أعقبه العدوان الثلاثي من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، لتتجسد خلاله صور الصمود والمقاومة الشعبية، حتى أُجبرت القوات المعتدية على الانسحاب، وحضر الفن بقوة فكانت الأغنية كما البارود في ساحة القتال.

في عام 1960 صدر القرار الجمهوري رقم 143 باتخاذ سلام وطني جديد، من ألحان كمال الطويل، وكلمات صلاح جاهين، وغناء أم كلثوم. وهذا السلام الوطني هو نشيد "والله زمان يا سلاحي"، الذي نال شعبية كبيرة حين غنته أم كلثوم عام 1956، ونستعرض خلال التقرير التالي التفاصيل وراء ذلك النشيد من خلال واقع كتاب "كمال الطويل.. طيب يا صبر طيب"، الصادر عن دار نشر ريشة للكاتب سعيد الشحات.

• المعركة تلهم كمال الطويل وصلاح جاهين.. كيف ولد والله زمان يا سلاحي؟

وبحسب ما يورده سعيد الشحات في الكتاب، فإن حضور كمال بألحانه كان في أكثر شهور العام، وحتى شهر أكتوبر الذي شن العدوان غاراته في أواخره، فأسرع هو مع أم كلثوم وصلاح جاهين لعمل "والله زمان يا سلاحي".

وينقل الشحات عن كمال الطويل روايته لظروف ولادة هذا النشيد، إذ يستعيد تفاصيلها وكأنه ما زال يعيشها، قائلًا: "أنا كنت أشعر بأن فيه نار بتشتعل فيَّ، كنت قلقان وعمال أتابع الأخبار، ومش عارف أعمل إيه، البلد بتضرب أمام عيني، والغارات شغالة، وأخويا سمير على الجبهة حامل السلاح، وأنا أقول لنفسي يعني الجنود على الجبهة بيحاربوا وإنت هنا مفيش شغلة تعملها، لكن في الوقت نفسه كان عندي عواطف جيّاشة، وانفعال بالموقف غير طبيعي، وكل من عاصر هذه الأيام سيشعر تمامًا بما أقوله الآن، وبينما أنا في هذا القلق والحالة كلها بتعصرني عصر، وجدت بداخلي موسيقى من وحي الحالة، فأسرعت إلى البيانو لأعزفها".

وأضاف، "يدق كمال بيديه على منضدة أمامه مستعيدًا نغمات لحنه الأولى"، ثم يوضح: "كانت تقريبًا هي مقدمة النشيد، وعلى الفور طلبت العقيد صلاح جاهين، طلبت (جبرتي الثورة) لأني متأكد إنه يعيش نفس إحساسي، قلت له: "أنا يا صلاح في دماغي مزيكا، وأقول لك شكلها إيه، وقلت له شكلها"، رد: "اقفل السكة يا كمال، وانتظرني دقايق".

وأردف، "بعد دقائق قليلة جدًا، اتصل، كان فرحان زي الأطفال، هي دي كانت طبيعة صلاح الله يرحمه، قال لي: والله زمان يا سلاحي / اشتقت لك في كفاحي / انطق وقول أنا صاحي / يا حرب والله زمان".

وتابع، "كتبت وراه الكلمات، قال لي: توكل على الله، اشتغل يا أبو كمال، وهتصل بك تاني، غاب شوية مش كتير، كان راح لمجلة صباح الخير بعد أن استدعته ليغير غلاف عددها الجديد ليتناسب الحدث، وانتهى من تصميمه وتركت تنفيذه للمساعدة، وعاد ليطلبني: اكتب دي يا أبو كمال: (والله زمان ع الجنود / زاحفة بتزعد رجوع / حالفة تروح لم تعود / إلا بنصر الزمان".

وبحسب الرواية التي يوردها الكتاب، استكملت تلحين المقطع الجديد، شيء قدري كان يحصل، صلاح عنده تدفق في الكتابة، وأنا عندي تدفق في الموسيقى، واتصل للمرة الثالثة: "اكتب يا كمال: هُمّوا وضُمّوا الصفوف / شيلوا الحياة على الكتوف / يا ما العدو راح يشوف / منكم بنار الميدان / يا مجدنا / ياللي اتبنيت عندنا / بشقانا وكدنا / عمرك ما تبقى هوان / الشعب بيزحف زي النور / الشعب جبال الشعب بحور / بركان غضب بركان يفور / زلزال بيشق لهم في قبور".

ويعلق كمال: "كلام مفيش بعد كده في جماله وحماسه وصدقه، وعشان الكيمياء اللي بيني وبين صلاح، والكيمياء اللي بيننا وبين الحدث كله انتهيت من اللحن، وأنا كان تفكيري كله متجه إلى أم كلثوم ولا أحد غيرها، كنت بكلم نفسي: هو دا اللي ينفع تطلع البداية لي معها، وافتكرت لما طلبتني ألحن لها وقلت لها: دا شرف كبير لكن خلينا للظروف المناسبة، وجاءت هذه الظروف طلبتها وكلي ثقة: "يا ست، فيه كذا وكذا وكذا"، لم تتركني استكمل، كانت هي الأخرى تبحث عن عمل تشارك به في هذه الظروف، قالت لي: "انزل يا كمال تعالى فورًا"، ذهبت إليها في الفيلا بالزمالك، وجدت عندها من فرقتها، محمد عبده صالح عازف القانون، وأحمد الحفناوي عازف الكمان، وإبراهيم عفيفي عازف الإيقاع، والثلاثة كانوا أعمدة فرقتها ومصدر ثقتها، ومعنى أنك تجدهم عندها يعني أصبحت في مناخ عمل فورًا، قالت لي: "سمعني، أسمعتها اللحن، علقت فورًا: على بركة الله، وخرجت من عندها إلى الموزع الموسيقي أندريا رايدر في الزيتون، وأعطيته اللحن ليوزعه، وشددت عليه ضرورة الانتهاء بسرعة عشان نكون جاهزين خلال ساعات، وبالفعل انتهى من التوزيع، واجتمعنا عندها لعمل البروفات".

ويكشف الكتاب، نقلًا عن كمال الطويل، جانبًا آخر من كواليس البروفات، إذ يقول: "وإحنا بنشتغل في البروفات حدثت أشياء أكدت لي عظمة هذه السيدة، أذكر أن صفارات الإنذار دوت منذرة بوقوع غارة، فأطفأنا الأنوار وجلسنا على ضوء الشموع، وأثناء الغارة خرجت هي بسرعة من الحجرة إلى البلكونة فخرجت وراءها مسرعًا وأنا أقول لها: تعالي يا ست لا شظية تطير من أي قنبلة وتصيبك لا قدر الله، ردَّت بعظمة وتحدٍّ: شظية إيه يا كمال اللي تصيبني، أنا لو أطول أمسك طيارة من الطيارات دي بإيدي أمسكها وأفعصها بصوابعي، وكانت هذه الكلمات بعفوية وصدق ووطنية".

ويضيف كمال، بحسب ما يورده الشحات: "انتهينا من عمل البروفات وتحفيظ اللحن، ولم يتبقَّ إلا الذهاب للإذاعة للتسجيل، لكن المسئولين أبلغوا أم كلثوم بخطورة هذه الخطوة لأن الإذاعة مستهدفة، وستكون هدفًا مهما لو عرفوا أنها موجودة فيها، وطلبوا بأن يكون التسجيل في استوديو مصر، لكن أم كلثوم رفضت بإصرار، قالت عبارة لا أنساها: "أموت في الإذاعة أحسن وأشرف ما يقولوا أم كلثوم هربت"، وكان هذا درس آخر من هذه السيدة العظيمة، وبالفعل سجلنا في الإذاعة، وأدت أم كلثوم أحسن ما يكون الأداء، اللحن كان نوعية جديدة أقدمها، تخيّلت أم كلثوم تعبر عن الجندي المصري، والمفروض أو الطبيعي أن يكون الإيقاع (2-4) فيه حماس وتوهج بنقل خطوات الجنود، لكن وجدت نفسي أعمل إيقاعًا ثلاثيًا (الشعب بيزحف زي النور / الشعب جبال الشعب بحور / بركان).

ومن زاوية أخرى، يورد الكتاب رواية لصلاح جاهين عن ميلاد النشيد، نقلًا عما نشرته مجلة الكواكب في 17 مايو 1960، إذ يقول: "في الأيام الأولى للعدوان الإجرامي أحسست بغليان يصهر نفسي، ثم تحول هذا الغليان إلى بخار زفرته، فكان مطلع نشيد حماسي حملته إلى كمال الطويل، ولكن كمال بعد أن قرأه، هز كتفه"، وقال لي: "لا يا صلاح، أنا عايز كلمات تتفق مع اللحن اللي عملته إمبارح”، ثم قام إلى البيانو وأسمعني لحنًا أحسست أنه معركة عنيفة، واتفقنا على مضمون الكلمات، وجلست أكتب المطلع، ولكني فوجئت باستدعائي لتغيير غلاف المجلة “صباح الخير” ليتناسب مع الأحداث الجارية، وأسرعت إلى المجلة، وغيرت الغلاف، وتركت وضع الألوان لأحد الزملاء، وعدت مسرعًا إلى كمال، ومعي مطلع النشيد، فلما قرأته عليه تناوله مني وأسرع إلى التليفون، وسمعته يتحدث إلى سيدة وفهمت من الحديث أنه يكلم أم كلثوم، فذهلت، واشتدت دهشتي عندما علمت أن الفنانة الكبيرة أعجبت بالمطلع، إذ لم أكن أتصور أن هذه السيدة الذواقة للأدب والفن سترضى عن كلماتي وتغنيها".

ويضيف جاهين، في الرواية التي يوثقها الكتاب: "في الجو الرهيب القائم الذي كانت تعيش فيه القاهرة، بين الظلام ودوي القنابل والمدافع، أنعمت كلمات النشيد، وتوليت قراءته للسيدة أم كلثوم، وفي هذا الجو نفسه، جو المعركة المحتدمة بين الدولة الفنية والدول الثلاث الباغية، لحن كمال النشيد، كان يأخذ ما أنظمه أولًا بأول، يلحنه أولًا بأول، وفرغنا من مهمتنا في الحادية عشرة مساء، وفي اليوم التالي قمنا كلنا، السيدة أم كلثوم وكمال الطويل وأنا بغناء النشيد، وكانت السيدة أم كلثوم برغم دوي القنابل شجاعة جدًا ومرحة جدًا، بل كانت هي التي تخفف عنا رهبة الموقف، وعندما أذيع لأول مرة أحسست بأنني فعلت شيئًا، وأنني اشتركت في المعركة، ولكني لم أجرح فيها".



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك