منذ العتبة الأولى لمجموعته القصصية «نحيل يتلبسه بدين أعرج»، للكاتب والروائي الأردني جلال برجس، والصادرة حديثًا عن دار الشروق، يجذبنا العنوان اللافت إلى عالم هذه القصص.
يستعرض الكاتب من خلال العنوان مفارقة واضحة قد تبدو لعجائبيتها، لكنها تمثل اللبنة الأولى في بناء المجموعة؛ حيث يظهر الالتباس الذي يعيق الإنسان بشكل عام، والإنسان العربي على وجه الخصوص، بين ما يرغب فيه وبين ما يفرضه الواقع من معوقات.
التصدير هو الآخر يوضح الكثير من الروح الفنية للمجموعة، هنا نتحدث عن الإهداء، والذي بشكل ما يعبر عن فلسفة المجموعة الجمالية. «إلى جدتي"سلمى" امرأة تؤمن بأن الخيال هو الواقع.»
ربما يبدو هذا الإهداء للوهلة الأولى عاديا، أو مجرد كلمات حميمية، ولكنه لب الفلسفة في الكثير من الروابط التي تمسك بقلب المجموعة على المستوى تقنيات التخييل.
يتحول الخيال إلى واقع عادي، وتصبح الطرافة والغرابة شيئا اعتياديا يحدث كل يوم بطبيعية. يقوم برجس بتشييد الأحداث العادية في قوالب خيالية بسيطة، ولكنها شديدة التأثير والفلسفية.
من نقطة الخيال الواقعي، أو ما يمكننا وصفه بواقعية الخيال ينطلق جلال برجس في رحلة عبر إثنتي عشرة قصة قصيرة متصلة منفصلة؛ بهدف تعرية الذات الإنسانية أمام مرآتها.
ما نلمسه في قصص هذه المجموعة شعورنا أننا أمام ما يمكننا وصفه بالمتتالية القصصية، بشكل يجعل القصص مختلفة في ظاهرها، ولكنها تحمل وحدة داخلية روحية وفكرية، تعطيها ثقلا فلسفي من نوع خاص.
لو نظرنا لبعض قصص المجموعة سنلمس جماليتها، وفلسفيتها، ورمزيتها. في القصة الأولى بعنوان "مدينة العيون المتلصصة" هنا يحضر الخيال بوصفه عاديا، حيث عيون متسعة تتلصص على الجميع.
يصبح الغريب أيضا مألوفا، النميمة هنا شيئا عادي، كل القصص يمكن أن تحكى، وكل الحياوات متعرية أمام الجميع، بلا أي خصوصية.
القصة الثانية "صانع الشواهد" تصطدم بالقيمة الحقيقة، والمخيفة في حياتنا، وهي الموت. المعالجة هنا ليست بشكلها المعتاد، بل بصنع أسطورة، أو محكية شعبية عن ذلك الصانع لشواهد القبور.
هذه القصة تعري خوف الإنسان من الموت، وتوقعه له بشكل يجعله مرتعبا من الحياة ذاتها، وهي أيضا قصة عن الأحكام النابعة من الشائعة.
في قصة أخرى بعنوان "عادة سرية" نرى تعرية للهشاشة النفسية، هنا معالجة لشكل من أشكال الذهان، وربما هي معالجة لعالمنا الذي نشيده؛ فيتهدم على رؤوسنا.
البطل في هذه القصة يشاهد كلبه الذي نفق منذ أعوام يأكل المدينة بشكل ما، مرة البنايات، وأخرى الناس. نعرف أن هذا في خياله، وهو يقر بهذا، ولكنه لا يذهب للطبيب النفسي، يخاف. يقرر أن يهشم الزجاج؛ لأنه يرتاح بهذا الفعل السري، ولكن مع الوقت نعرف أنه لم يهشم إلا نفسه.
من أكثر القصص التي ترينا تلك التعرية للذات الإنسانية في المجموعة، هي قصة "مرايا غير نافذة". الذات هنا ترى صورتها تبصق عليها؛ فتقرر الانعزال عن كل شيء.
ينسى الشخص ملامحه، ينفصل عن ذاته التي صارت ترهبه النظر إليها في المرآة. الأفظع من هذا، أو الأكثر كابوسية، هو عندما يبدأ البطل في تقبل الأمر، وينظر للمرايا للمرة الأولى منذ الأزمة؛ فلا يجد شيئا، لقد انفصلت النفس عن صاحبها.
القصة التي تحمل المجموعة اسمها "نحيل يتلبسه بدين أعرج"، تمثل امتداد لذلك التيار النفسي في القصص، حيث نجد الصراع بين الإنسان وذاته، أو يمكننا القول بين الإنسان وعقله.
ذلك الرجل النحيل الذي قارب على التقاعد يشعر بثقل خطواته، يحس بتلبس رجل بدين له، يحاول بشتى الطرق معرفة السبب.
لا ينجح معه أي شيء، لا طبيب، ولا طب نفسي، ولا مشعوذين، كل الطرق مغلقة أمامه، فقط الإجابة عن بعض تساؤلاته بالكتابة هو ما حرر جزءا من الثقل الذي شعر به.
بعد هذا العرض الموجز لبعض قصص المجموعة، نستطيع القول أن هذه القصص تقوم بالأساس على فكرة تعرية الذات الإنسانية، وإظهار هشاشتها النفسية والتكوينية.
كما أن الفرد هو بطلها الأول، أو الإنسان لو قصدنا الدقة، يمكن أن يكون الإنسان العربي المعاصر، ويمكن أن يكون أي إنسان على هذه الأرض.
نلاحظ أيضا في الكثير من القصص التأثير الكبير لفعل الكتابة ذاتها على مجريات الأحداث، حيث الكثير من أبطال حكاياتنا يمارسون الكتابة بشكل أو بآخر، وهذا إسقاط على فعل الحكي ذاته.
تناوبت القصص في طرق الروي، فمرة راوي عليم، ومرة أخرى راوي متكلم، ولكننا شعرنا أن الراوي بشكل عام هو مشارك في الأحداث، وجزء من عقل الأبطال.
وبسلاسة اللغة التي كانت بسيطة دون تعقيد، وكانت أيضا فلسفية دون تسطيح؛ لتغلف هذه القصص بصبغة درامية شاعرية بها شجن، وتحرض القارئ على التفكير.