محمود محيي الدين يرصد في حوار شامل لـ«الشروق» «1ــ2 »: ملامح عالم ما بعد كورونا - بوابة الشروق
الخميس 4 يونيو 2020 10:49 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

محمود محيي الدين يرصد في حوار شامل لـ«الشروق» «1ــ2 »: ملامح عالم ما بعد كورونا

الدكتور محمود محيي الدين
الدكتور محمود محيي الدين
عماد الدين حسين
نشر فى : الإثنين 30 مارس 2020 - 7:45 م | آخر تحديث : الإثنين 30 مارس 2020 - 7:45 م

الأزمة الراهنة تحتم تغيير الأولويات فى كل المجالات
نحن بصدد أزمة مركبة كاشفة ومنشئة بمعيار التاريخ المعاصر
هناك همة كبيرة من جانب الحكومة المصرية والاهم الاستمرار وتفير كل الامكانيات لتجاوز الازمة
كورونا كاشفة لمدى استعداد كل دولة بأوضاعها المختلفة ومواردها للتعامل مع مثل هذه الأزمات
ستظهر مؤسسات وأنظمة جديدة نعلم بعضها.. وسيتم التعجيل بظهور البعض الآخر
التحول الرقمى الذى كان مخططا له عشر سنوات قد يتم إنجازه فى عشرة شهور فقط
التعليم عن بعد سيصبح أمرا واقعا.. وسندخل بقوة عصر «الشهادات الجامعية عن بعد»
سوف تزدهر ممارسة «الرياضة عن بعد» فى المنزل وبمتابعة من المدرب
سياحة المؤتمرات ستتأثر كثيرا مقابل زيادة اجتماعات الفيديو كونفرانس
شركات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعى والشركات والرعاية الأولية ستحقق مكاسب كثيرة فى المستقبل
سيتم رد الاعتبار لكل العاملين فى المنظومة الصحية خصوصا الرعاية الأولية والطب الوقائى
هناك همة كبيرة من جانب الحكومة المصرية والأهم الاستمرار وتوفير جميع الإمكانيات المطلوبة لتجاوز الأزمة
كورونا عجلت بحتمية الانتباه لمفهوم توطين التنمية
التحول الرقمى يمكنه تحويل أى وحدة ريفية نائية لأخرى متقدمة
حزمة الإجراءات الاقتصادية المصرية جيدة وكذلك أداء القطاع المالى والبنك المركزى

الحوار أو الحديث مع الدكتور محمود محيى الدين شديد التشويق، حتى لو كان يتم عبر خاصية «الفيستايم»، ولمدة ساعة ونصف الساعة كاملين.

محيي الدين هو نوع نادر من الناس الذى يمكن أن نطلق عليه بالمثقف الشامل أو الموسوعى، ناهيك عن مناصبه الرفيعة التى تولاها طوال مسيرته المهنية مصريا ودوليا.

محمود محيى الدين كان يشغل حتى أسابيع قريبة منصب النائب الأول لرئيس البنك الدولى، وقبل اسابيع قليلة تم تعيينه المبعوث الخاص للأمم المتحدة لاجندة التمويل خطة ٢٠٣٠ الدولية.

هو مطلع بدقة على تفاصيل الاقتصاد العالمى، بمشاكله وهمومه وآفاقه. لا يعرف ذلك فقط من خلال القراءة النهمة التى لا يتوقف عنها، ولكن ايضا من خلال مناصبه ومعارفه التى تتيح له فهم كيف تسير الأمور وإلى أين تتجه.

نقطة البداية وختامها وما بينهما فى الحوار مع محمود محيى الدين كانت بالطبع هى فيروس كورونا وتداعياته المختلفة على العالم أجمع، ليس فقط عما أحدثه الفيروس من هلع ورعب فى جميع المجالات، لكن وهذا هو الأهم فى استشراق ما الذى سيحدث فى اليوم التالى للقضاء على الفيروس أو حتى جموده مؤقتا.

فى رأى الدكتور محمود محيى الدين، أن الشكل الذى تم به إجراء الحوار يعكس أحد أنواع التغييرات. صار ممكنا لصحفى مصرى أن يحاور مسئولا دوليا مرموقا، يعيش فى واشنطن لمدة ساعة ونصف الساعة عبر آلية الاتصال بالفيستايم، التى لا تكلف شيئا تقريبا. وصار يمكن لقادة مجموعة العشرين أن يعقدوا قمتهم للمرة الأولى عبر تقنية الفيديو كونفرانس من العاصمة السعودية الرياض، يوم الخميس الماضى.

ويرى مثلا أن التحول الرقمى الذى كان مقدرا له أن يتم خلال عشر سنوات، فإن الظروف الحالية قد تجعله ممكنا خلال عشرة شهور فقط. وفى تقديره أن الأزمة الحالية تحتم على الجميع فى غالبية بلدان العالم تغيير الأولويات فى سائر المجالات، خصوصا موضوع الرعاية الصحية الأولية والطب الوقائى والاستثمار المستمر فى البشر والتعليم، وهو الأمر الذى جعل كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين الأفضل والأكثر كفاءة فى إدارة هذه الأزمة غير المسبوقة.

كورونا أزمة كاشفة ومنشئة بمعيار التاريخ المعاصر، حسب تقدير محيى الدين وهى كشفت مثلا أنه حتى لو كنت تملك أفضل أنواع المستشفيات وأشهرها، وحتى لو كنت الأكثر إنفاقا على الصحة، فلابد أن يكون الأساس موجها للرعاية الصحية الشاملة، كى يمكنك مواجهة مثل هذه المشكلة غير المسبوقة.

العالم بعد كورونا سيشهد ازدهار العديد من مجالات العمل مثل الشركات التى ستعمل فى الرعاية الصحية وكل الأنشطة التى يمكن ممارستها عن بعد مثل التعليم وحتى الرياضة الشخصية، وبالتالى سوف تزدهر كل شركات التقنية وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعى، وفى المقابل فإن سياحة المؤتمرات سوف تتراجع كثيرا.

هذه الأزمة ستعزز من مفهوم «توطين التنمية» الذى ينحاز إليه بشدة د. محمود محيى الدين، ويستشهد بأن حظر التجول فى العديد من بلدان العالم هذه الأيام جعل الناس تدرك أهمية أن تعتمد على نفسك فى العديد من الأساسيات بدلا من الاعتماد على الاستيراد من الخارج أو المركز الرئيسى فى العاصمة.

هو ينحاز أيضا إلى مفهوم «الضمان الاجتماعى» الذى يوفر دخلا للجميع، بغض النظر عن دخله الرئيسى.

وجود محيى الدين فى واشنطن منذ سنوات لم ينسه إطلاقا مصر، بل ربما هو يتحدث دوليا، وعينه على بلده مصر، بل وعلى مدينته كفر شكر، والقرى المحيطة بها.

هو كرر العديد من أسماء هذه القرى خلال الحديث فى معرض تركيزه على ضرورة توطين التنمية. هو يعتقد أن أداء الحكومة المصرية والقطاع المالى والبنك المركزى كان جيدا حتى الآن خلال هذه الأزمة. والمهم أن يلتزم الناس بالإجراءات الاحترازية، هو يدعو إلى استخدام أموال دعم البورصة لتدعيم رءوس أموال الشركات الجيدة، معتقدا أن تعافى البورصة المصرية مثل كل بورصات العالم سيتم حينما يتعافى المجتمع بأكمله من الفيروس. ويطالب بأن يعى الجميع أهمية تقسيم العمل، وأنه لا توجد دولة يمكن أن تعمل بمفردها. ويقترح أن يتم إعادة النظر فى طريقة تطبيق نظام التأمين الصحى الشامل، وبدلا من تجريبه فقط فى محافظات القناة، فيمكن تطبيقه فى حى أو مركز واحد بكل محافظة حتى يتعلم الجميع كيفية التعامل ويدرك أهميته وبالتالى نضمن إنجاحه.

وحينما سألته عن روشتة العلاج قال: هناك علاج أساسى وهو دعم القطاع الصحى والمنظومة الصحية بشكل أساسى خصوصا الرعاية الصحية وكل ما يتعلق بها مضيفا إليها تسع نقاط مهمة فى جميع المجالات خصوصا أن تعى الحكومة المجالات التى ينبغى أن تتدخل فيها والمجالات التى يفترض أن تبتعد عنها مطالبا بدعم الشركات التى نجحت خلال الأزمة والضرب بيد من حديد على الشركات والأفراد الذين تاجروا بالأزمة، ويطلق عليهم الدكتور محمود محيى الدين «أغنياء كورونا» فى محاكاة للمصطلح الشهير «أغنياء الحرب».. وإلى نص الحوار:

> ما هى انطباعاتك الأولية عن كيفية إدارة الدول المختلفة لأزمة كورونا؟
ــ الأزمة الحالية ليس لها مثيل قريب، نحن لا نتحدث عن أزمة مالية فقط أو اجتماعية فقط أو اقتصادية فقط أو حتى حرب إقليمية هنا أو هناك، بل نتكلم عن أزمة مركبة وغير مسبوقة بمعيار التاريخ المعاصر، هذه الأزمة تقول لنا أمرين مهمين، الأول إنها أزمة كاشفة، والثانى أنها أزمة منشئة، كاشفة بمعنى أنها تقول للناس إلى أى مدى كانت النظم الاقتصادية والاجتماعية والصحية والسياسية الموجودة قادرة على التعامل مع هذه الصدمة، مقارنة بما كان متوقعا منك، ومن دول أخرى، بالطبع كان هناك تفاوت فى التعامل مع هذه الأزمة بين البلدان والنظم المختلفة، فى تقديرى إن كوريا الجنوبية وسنغافورة ومعهما الصين أداروا الأزمة بكفاءة من حيث الأولويات ومن حيث الاستعدادات السابقة، وحصلوا على عائد الاستثمار السابق فى البشر ونظام التعليم ونظام الرعاية الصحية والتجهيزات المختلفة، هذه المنظومة الكاملة ليست نتاج عمل وزير أو رئيس حكومة او دولة فقط بمفردها، بل منظومة كاملة تشمل كيان الدولة بأكمله، والذى يقوم بتجييش مكونات الدولة الشاملة للتعامل مع هذه الأزمة.

ومع هذين النموذجين هناك النموذج الصينى وما يجمع النماذج الثلاثة فقط أنها تنتمى إلى جنوب شرق آسيا، ورغم اختلاف نظمها السياسية ما بين الديمقراطى جدا «كوريا الجنوبية»، والحزب الشيوعى الوحيد «الصين»، والحزب القوى مع أحزاب صغيرة «سنغافورة»، إلا أنها نجحت فى التنظيم والتناغم فى التعامل مع هذا التحدى الكبير مقارنة مع دول أخرى مصنفة على أنها متقدمة، لكنها فى حالة كبيرة من الارتباك. الأزمة كاشفة أيضا بمعنى أن هناك دولا مثل الولايات المتحدة، ورغم أنها الأكثر إنفاقا على القطاع الصحى، لكن معظمه موجه للصحة العلاجية، وليس الصحة الأولية والطب الوقائى.

الولايات المتحدة ورغم امتلاكها لاشهر واكبر وافضل المستشفيات ذات الأسماء الرنانة ولديها طب متقدم جدا، لكنها ليست بنفس مستوى القوة والإتاحة حينما يتعلق الأمر بالرعاية الصحية الأولية، على مستوى كل منطقة ومدينة وبلدة وحى صغير، كما لا يوجد نظام شامل وموحد للتأمين الصحى الشامل.

هناك نموذج آخر تمثله بعض الدول الأوروبية التى اعتمدت على نظام غذائى متميز أو اهتمام الأسر بالعلاج والرعاية، لكن هذه البلدان لم تتعرض لأى أزمة صحية شديدة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، وتحديدا من أيام ما يسمى بأزمة الأنفلونزا الإسبانية. فى هذه الدول النظام الصحى مبنى فى جزء منه على المنع، أى إقامة حائط صد فى المنافذ المختلفة لمنع دخول أى أطعمة أو أغذية قد تنقل فيروسات وميكروبات. فى هذه البلدان الرعاية الصحية تقوم على أشياء متفاوتة، لكنها لم تعتاد على مثل هذا النوع من الأمراض، التى كان يظن أنها ضمن نطاق ما يسمى بطب البلاد الحارة، فهناك أوبئة مثل الكوليرا والطاعون والملاريا والبلهارسيا، اختصت بها البلاد الحارة فقط، ومعظم هذه الأمراض ظهرت لها أدوية ولقاحات وتم السيطرة عليها إلى حد كبير. هى ازمة كاشفة عن أن الرعاية الصحية الأولية والطب الوقائى مسألة مهمة جدا، والأزمة كاشفة للوضع الاجتماعى والاقتصادى والشامل داخل أى دولة، وهل لديها موارد واستعدادات للتعامل مع مثل هذا النوع من الأزمات، وإلى أى مدى كان القطاع المالى قادرا على القيام بدوره.

> هذا عن ملامح الأزمة من حيث كونها كاشفة، فماذا عن كونها منشئة؟.
ــ المؤكد أنها ستكون هناك مراجعات وردود أفعال، وبعضها قد يكون إيجابيا، وبعضها قد يكون سلبيا، ومنشئة، أى أنها ستتناول أمورا شتى، ومنها النظام الدولى، وهذا يتطلب السؤال عن قدرته على القيام بما هو مطلوب منه، هذه الأزمة اختبار للمؤسسات الموجودة بصورة أشد قوة من اختبار أزمة الأسواق الناشئة أو الأزمة المالية العالمية السابقة.

هى أزمة منشئة لأنه سوف يترتب عليها ظهور مؤسسات وأنظمة جديدة، نعلم عن بعضها، وكنا سنعلم عن البعض الاخر لاحقا، لكن الأزمة عجلت بظهورها.

على سبيل المثال فما كان متوقعا أو مخططا له الحدوث فى عشر سنوات مثل التحول الرقمى، قد يحدث خلال عشرة شهور فقط، فمثلا التعليم عن بعد سوف يصبح أمرا واقعا وبقوة. هناك جامعات محترفة وكبيرة تقدم شهادات محترمة عن بعد، وأنا شخصيا دخلت دورة تدريبية عن كيفية استخدام تكنولوجيا المعلومات فى التفاوض فى مجالات التمويل. الدورة حضرها الآلاف، وتلبى كل متطلبات وشروط الدورات العادية، من أول التأكد من الحضور والغياب مرورا بالمشاركة والتفاعل اللحظى وامكانيات التقييم، ونهايته بالاستفادة العظمى فيما يتعلق بالمضمون.

فى مصر هناك جامعة تعطى الماجستير فى ريادة الأعمال والتسجيل فيها قبل أيام زاد عن الألف شخص، وأنا شخصيا صرت أعمل من مكتبى فى منزلى من الثامنة صباحا وحتى العاشرة ليلا.
وعلى سبيل المثال بدلا من أن يدفع طالب عشرات الآلاف من الدولارات، لكى يلتحق بجامعة فى أوروبا وأمريكا، ويسافر إلى هناك، صار بإمكانه أن يلتحق بها وبمبلغ أقل كثيرا، ويدرس وهو فى بلده ووسط اهله عن بعد «أونلاين». التكنولوجيا الرقمية نظام أكثر كفاءة وديمقراطية وعدالة.
إذن سوف يتعزز نظام التعليم عن بعد، وحتى فى ممارسة الرياضة، فيمكن أن يمارسها الإنسان «أونلاين» من المنزل وبمتابعة مباشرة من المدرب.

بعد كورونا سوف يتم إعادة النظر داخل مؤسسات كثيرة، فيما يتعلق بعدد الاجتماعات والسفريات المباشرة، خصوصا فى الاجتماعات التى لا يكون فيها مفاوضات جانبية، وبالتالى سوف تتأثر إلى حد كبير «سياحة المؤتمرات».

> وما هى تداعيات كل هذا التحول؟.
ــ التداعيات كثيرة، ومنها مثلا، أن شركات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصنطاعى والتقنية الرقمية، سوف تحقق مكاسب كثيرة فى المستقبل. أيضا قطاع الصحة خصوصا الرعاية الأولية والتأمين الصحى الشامل وكل القطاعات المبنية عليها سوف تحقق مكاسب فى المستقبل. سوف تهتم الكثير من البلدان بدعم قطاع الصحة الذى يستحق أن نعطيه الاعتبار الواجب والمستحق، خصوصا للأطباء والممرضين والمساعدين وسائر العاملين فى المنظومة الصحية. وقد رأينا العديد من المشاهد الإنسانية من شعوب مختلفة تقديرا للعاملين فى المنظومة الصحية خصوصا فى إيطاليا وإسبانيا والصين. وبحكم علاقتى بوالدى ــ والدى كان يعمل فى مجال الطب الوقائى ــ فإن العاملين فى هذا القطاع والرعاية الصحية الأولية هم جنود مجهولون، وسيرد لهم الاعتبار. وظنى أيضا أن الاعتبار سيعود مرة أخرى للأطباء والخبراء وسائر المتخصصين فى هذا القطاع.

المنصات الرقمية عملت ما يمكن تسميته بديمقراطية العلم، لكنها أيضا أحدثت تسطيحا لهذا العلم، صار هناك وباء معلوماتى. أزمة كورونا أظهرت لنا أن الطبيب الأمريكى المتخصص فاوتش أهم كثيرا من الرئيس دونالد ترامب، ففى مثل هذه الأزمة العالمية سمعنا من يقول «ان امريكا فى هذه اللحظة تحتاج الطبيب اولا وليس الرئيس».

كتبت فى جريدة «الشرق الاوسط» مقالا قبل اسابيع قليلة بعنوان «عن اقتصاديات العدوى وسياسات الوقاية منها».. هل صارت للعدوى اقتصاديات؟!

تتزايد يوما بعد يوم الأرقام المعلنة عن ضحايا فيروس كورونا المستجد. واليوم فإن عدد المصابين به تجاوز 600 الف شخص واكثر 30 الف وفاة. وتداعياته اكبر بكثير من كل الاوبئة السابقة مثل «الإيبولا» عامى 2014 و2015. وبالنسبة للمستثمرين فى الأسواق فهذه صدمة لم تكن فى الحسبان. وتوقعات المخاطر العالمية، لم تعط الأزمات الصحية والأمراض المعدية تقديرا متقدما.

والتاريخ يذخر بالتجارب المهمة والدروس والعبر. ففى كتابه المهم عن مصائر المجتمعات البشرية، الصادر بعنوان «أسلحة وجراثيم وصُلب»، رصد العالم الأمريكى «جارد دياموند» الحالات السابقة للأمراض المعدية وتفشيها، فتجدها فى بدايتها سريعة الانتقال من المرضى إلى الأصحاء. وتوضح دراسات عما عرف بالإنفلونزا الإسبانية، التى ظهرت مع نهاية الحرب العالمية الأولى وتفشت بين عامى، عن أنها أصابت ثلث سكان الأرض بدرجات متفاوتة الحدة، وتباينت تقديرات قتلاها بين 21 مليونا و 50 مليونا.

وتسرد وقائع تاريخ الحروب والاستيطان التى قام بها الأوروبيون للأمريكتين أن الأمراض المعدية التى حملها الجنود الغزاة معهم كانت أشد فتكا بالهنود الحمر فى أمريكا الشمالية والأزتيك فى المكسيك والإنكا فى بيرو.

وهناك تقديرات منشورة على موقع منظمة الصحة العالمية تصل إلى أربعة ملايين مصاب بالكوليرا وتتراوح حالات الوفاة بين 21 و 143 ألفا سنويا. وحالات وفاة بسبب الإنفلونزا الموسمية تصل لحوالى 650 ألف حالة وفاة سنويا من إجمالى حالات إصابة شديدة بالمرض تصل إلى خمسة ملايين حول العالم.

وفى أى حال، فإن تأثير أزمات الأمراض المعدية يجب تتبعه على محورى العرض والطلب. إذ يتأثر عرض السلع والخدمات بمدى انتظام العمالة وإنتاجيتها، وإجراءات العزل الصحى وإغلاق المحال والأسواق وأماكن الترفيه ومراكز الخدمات.

وانتفاعا بالخبرة الدولية فى التعامل مع الاوبئة السابقة، قد تشكلت لجنة مستقلة بدعم من منظمة الصحة العالمية والبنك الدولى لمتابعة مدى الاستعداد للتعامل مع مخاطر الأوبئة؛ وقد كان التقرير الأخير للجنة مزعجا ومنذرا بقصور استعدادات المواجهة وعدم الأخذ بتوصيات مواجهة الأوبئة بعد دروس أوبئة الإنفلونزا السابقة وأزمة الإيبولا منذ أربعة أعوام.

وفى ظل زيادة التباين فى الآراء حول العولمة والنظام الدولى والمؤسسات متعددة الأطراف، فإن الصحة العالمية ووقاية البشر من العدوى لا تحتمل مثل هذا الجدل. فظهور مرض معد فى دولة سرعان ما يتحول إلى مصدر لتهديد سكان العالم أجمع، بما يجعل التعاون الدولى ملزما. كما ينبغى اتباع توصيات منظمة الصحة العالمية سواء فى تنفيذ إرشادات الوقاية الصحية على مستوى الأفراد والمجتمعات، أو فى تطبيق إجراءات الاستعداد للأزمات الصحية وتفشى الأمراض المعدية عبر الحدود.

وفى هذا العالم الزاخر بالثروات، وإن ساء توزيعها، وجُعل فيه لكل شىء سعر فلعله من المفيد استرجاع مبدأ أساسى للتعامل مع الرعاية الصحية للبشر. فقد استند عن حقٍ الاقتصادى الفرنسى «جون تيرول»، الحائز على جائزة نوبل، لمقولة الفيلسوف «إيمانويل كانت» بأن أى شىء له سعر يمكن استبداله بغيره، أما ما لا سعر ولا بديل له فإن له كرامة، وتكون له بذلك أولوية مطلقة فى الرعاية والإنفاق العام والخاص.

> وما الذى نحتاجه فى مصر؟
ــ فى الحالة المصرية هناك مشتركات مع ما هو عالمى، لكن سنركز هنا على طريقة التعامل مع الأزمة من خلال ثلاثة جوانب هى الصحية والاجتماعية والمالية، وكل جانب له إجراءاته. فى الأبعاد الصحية هناك همة كبيرة من جانب الحكومة المصرية، خصوصا فيما يتعلق بالتحذيرات التى تم إطلاقها والإجراءات الاحترازية وأهم من هذا الالتزام ومواجهة الفيروس وأن يتم توفير الإمكانيات الكاملة لتحقيق ذلك، وعلينا أن ندرك أنه لا توجد دولة واحدة قادرة على التصدى بمفردها لهذا الفيروس الخطير، وعلينا أن نتذكر أن منظمة الصحة العالمية حددت أربعة أهداف على جميع الدول الالتزام بها وهى:

١ــ اتخاذ كل الإجراءات التى تقلل من انتشار الفيروس أو ما يسمى بـ«تسطيح المنحنى».
٢ــ التعاون الدولى فى مجال البحث والتطوير والاكتشافات والمعامل، بمعنى إيجاد «كونسلتو عالمى» من الخبراء لعلاج هذا «المريض العالمى».
٣ــ توفير الأجهزة الخاصة بالكشف وأجهزة التنفس.
٤ــ توفير كل ما يرتبط بالإمدادات الطبية، ومن الجيد أن مصر سارعت مبكرا إلى إقامة أماكن للحجر الطبى منذ بداية الازمة.

فى هذه القضية هناك جهد محلى ووطنى ودولى.

بسبب كورونا برز مرة أخرى موضوع مهم أعتبر نفسى من المتميزين له وهو «توطين التنمية». فى مصر هناك حاجة غريبة لكنها إيجابية من قبل ثورة يوليو ١٩٥٢، كان هناك اهتمام بالرعاية الصحية ليس فقط من قبل الحكومة والدولة بل من جانب المجتمع المدنى والمساجد والكنائس، إذن هناك منظومة يمكن البناء عليها وواجبنا تفعيل ذلك الآن.

> لكن أليس ذلك يحتاج إلى موارد مالية ضخمة؟.
ــ التحول الرقمى يسهل كل ذلك بصورة كبيرة، وجعل أى وحدة صحية فى كفر شكر أو الأحايوة أو أى قرية ونجع مجاور فى القليوبية او اسيوط فى مستوى أى وحدة صحية متقدمة نحتاج فقط إلى توصيلها بشبكة المعلومات الوطنية بجهاز كمبيوتر و«واى فاى» وطبيب مؤهل، يسأل ويتلقى الإجابات ومعه شخص فاهم فى التكنولوجيا الرقمية، التى تستطيع أن تحول هذه الوحدة الصحية المنعزلة إلى مكان يتمتع بالخدمة المميزة. صار الآن فى الإمكان توقيع الكشف الطبى عبر الفيديو كونفرانس أيضا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك