ديمقراطية محاصرة - سامح فوزي - بوابة الشروق
الجمعة 3 ديسمبر 2021 8:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

ديمقراطية محاصرة

نشر فى : الأربعاء 1 يوليه 2015 - 10:15 ص | آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليه 2015 - 10:15 ص

مقارنة الخطابات السياسية، وتحديد المشترك والمختلف فيها مسألة ممتعة فى زمن تختلط فيه الأفكار. الديمقراطية هى أحد ضحايا الخطابات المتناقضة، وربما تكون الضحية الأساسية التى يتفق عليها كل الأطراف.

هناك طرف يرتكب العنف، ويستخدم الإرهاب، ويشيع الدمار فى المجتمع، ويروج أن الإرهاب الذى يمارسه رد فعل مباشر على غياب الديمقراطية، وحصار الحقوق والحريات، والتنكيل بالأفراد. التلازم هنا بين تصاعد الإرهاب وغياب الديمقراطية، وهو غير صحيح بالمرة. إذا كان غياب الديمقراطية سببا فى تفشى الإرهاب وهى مقولة شائعة لدى الباحثين الغربيين وبعض نظرائهم العرب فهل لنا أن نسأل لماذا يضرب الإرهاب تونس، وهى دولة تسير على نهج ديمقراطى، تستوعب كل مكوناتها إسلاميين وعلمانيين، وفق الوصفة الغربية، وعدد سكانها قليل، ومستوى التحضر الاجتماعى مرتفع مقارنة بمثيلاتها. هل غياب الديمقراطية، كليا أو جزئيا، سبب فى شيوع الإرهاب؟ الإجابة بالنفى. لأن الإرهابيين، لا يؤمنون أصلا بالديمقراطية حتى يقاتلوا من أجل تحقيقها، وهناك مجتمعات ديمقراطية ــ بل تعتبر نماذج دراسية للديمقراطيات ــ أفرزت إرهابيين، وكانت ساحة لتجنيد الراغبين فى الجهاد. الإرهاب إذن لا علاقة له بحضور أو غياب الديمقراطية، بل يرتبط فى الأساس بالنسق الذهنى الذى يرفض الآخر إلى حد إبادته، ويود هندسة المجتمعات على جملة من الأفكار الجامدة، المتخلفة، ويستخدم العنف لتمكين نفوذه.

على الجانب الآخر هناك طرف يواجه العنف، ويتصدى للإرهاب، لكنه يرى أن مواجهة الإرهاب تقتضى التضييق على الحقوق والحريات، باعتبار أن الإرهاب ظاهرة خارج مسار المجتمع السلمى، تتطلب مواجهته اتخاذ تدابير استثنائية، بما فى ذلك إضفاء طابع أمنى على كل التفاعلات الثقافية والسياسية والاجتماعية. هنا نجد أنفسنا أمام المقولة المضادة التى تعبر عن تلازم فى غير محله بين مواجهة الإرهاب والحد من الديمقراطية. الواقع يثبت أن لا علاقة بين مواجهة الإرهاب والتضييق على الديمقراطية أو تأجيلها أو اعتبارها عاملا معوقا على طريق المواجهة، بل أكاد أجزم أن العكس صحيح، بمعنى أن مواجهة الإرهاب تقتضى فتح المجال السياسى، وإطلاق الحقوق والحريات، وخلق مجتمعات أكثر تنوعا، ومجال عام أكثر تفاعلا.

الخلاصة أن من يمارس الإرهاب، ومن يواجه الإرهاب يرى أن له علاقة ما بالديمقراطية، ثبت واقعيا أنه لا ينبغى أن نتخذ من غياب الديمقراطية تكئة لتبرير الإرهاب، ولا يصح أن نرى فى الديمقراطية معوقا على طريق مكافحة الإرهاب. وكم من إرهاب ظهر فى دول ديمقراطية، ولم تتخل عن ديمقراطيتها لمواجهته، حتى وإن اضطرت للجوء إلى إجراءات استثنائية بشكل مؤقت.

فى الذهنية العربية، وكما رأيناها فى الممارسة السياسية، فإن وضع الديمقراطية فى جملة مفيدة مع غيرها من المفاهيم يكون على حساب التضحية بها. لا الديمقراطية تعوق التنمية الاقتصادية أو تنشر الفوضى أو تحول دون استرداد الأراضى المحتلة أو تخصم من هيبة الدولة أو تمنعها من اتخاذ ما تراه من تدابير لحماية مواطنيها، ولا غياب الديمقراطية سبب رئيسى فى تفشى الإرهاب، والعنف والوحشية. المطلوب الديمقراطية فى ذاتها، ولذاتها، باعتبارها المسار التى خلص إليها العالم المتحضر فى إدارة شئونه، وصراعاته، وحسم سياساته، والمسارات التى يمضى فيها.

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات