أفسدوا ذكرياتنا الأليمة - هشام أصلان - بوابة الشروق
الأربعاء 28 فبراير 2024 2:50 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

أفسدوا ذكرياتنا الأليمة

نشر فى : الجمعة 1 ديسمبر 2023 - 7:30 م | آخر تحديث : الجمعة 1 ديسمبر 2023 - 7:30 م
1
كنا اعتدنا ذكرياتنا الأليمة.
أفسدوها بصنع راهن مهول سيتحول إلى ذكريات متوحشة.
2
ناجى العلى:
متهم بالانحياز، وهى تهمة لا أنفيها، أنا منحاز لمن هم تحت.
3
كان معهد الألسن العالى لدراسة السياحة والفنادق سبيلًا مناسبًا لطالب خرج من المدرسة الثانوية بلا مجموع يؤهّله لأى كلية تمنح شهادة التعليم العالى، بينما لا تقبل أسرته أن يخرج ابنها للدنيا حاملًا شهادة متوسطة. والمعهد أنشئ مع اتجاه عام للاستثمار فى مجال التعليم العالى الخاص، يدخله من هم علاقتهم سيئة بالدراسة وتستطيع عائلاتهم تغطية مصاريفه. تلك العائلات ليست جميعها بالضرورة ميسورة الحال، لكن بعضها يأتى على ضروراته كى يحمل ابنها شهادة عالية. أربعة أعوام، مدة الدراسة، كانت كرحلة ترفيهية ينفتح فيها الفتية والفتيات على طبقات اجتماعية مختلفة بينما لا ينشغل الجميع سوى بالتحايل على الأهل للخروج والسهر والسفر واللعب بسيارات الميسورين محملة أحيانًا بالممنوعات تقطع الشوارع بحثًا عن أماكن تصلح للركن والاستمتاع.
وفى ظهيرة من عام 2000، التفت الجالسون على الرصيف يدخّنون ويعبثون ويرقصون على موسيقى عالية تخرج من إحدى السيارات، التفتوا إلى ضجيج يأتى من ناحية بوابة المعهد. حوالى عشرين أو ثلاثين طالبًا وطالبة متكتّلين ويهتفون بما يخص فلسطين. ضحكت فتاة وقالت بسخرية: «هو معهدنا عامل مظاهرات؟».
ذهبت لتجمّع الاحتجاج متحمسًا للمشاركة، غير أننى لم أكن أبدًا ممن يجيدون ترديد الهتاف. لطالما شعرت أننى أحمل شيئًا وسيطًا بين القلة الواعية والمهمومة بالشأن العام وبين الأغلبية المنطلقة فى الحياة بلا همّ، وشعور عاطفى ساذج بمسئولية من لديهم بعض المعرفة بحكم النشأة والتربية تجاه أصدقائى غير المشغولين بالمسائل الكبيرة. قسّمت وقتى بين الناحيتين، من دون الوصول لآخر الحالتين، غير أن حالة المهمومين بدأت تتّسع دائرتها مع توالى أخبار الانتفاضة الفلسطينية الثانية وانتشار الفيديو التاريخى لاستشهاد محمد الدرة.
فى العام نفسه، سيعرض فيلم «شورت وفانلة وكاب»، تأليف مدحت العدل وإخراج سعيد حامد، ليكون أول أفلام هذا الجيل العاطفية المُطعمة ببعض الحركة، وأعجب الفتية بتيشيرتات أحمد السقا وعضلاته ومغامرته مع الحبيبة فى صحراء شرم الشيخ يلف على رأسه الشال الفلسطينى فى مشاهد رومانسية، وسار شباب معهد الألسن على موضة السقا. يذهبون إلى الدراسة مغطّين رءوسهم بالشال الفلسطينى، غير أن إدراك الفرق بين الموضة والنضال كان يأتى فى مشهد شاب يلف الشال على رأسه، بينما يزيله ويضعه على كتفه بعادية أثناء انضمامه إلى وقفات ومظاهرات دعم الانتفاضة.
4
ـ شايف حتة القماشة المدلدلة فوق دى؟
ـ مالها؟
ـ دى علم إسرائيل. سفارتهم مستخبية فوق خالص فى العمارة دى. لأنهم طبعًا مايقدروش ياخدوا مكان كبير ويرفعوا عليه علم. المصريين ياكلوهم.
ـ طيب ليه مايمشوش خالص؟
ـ بيننا معاهدة سلام ومسائل سياسية، لكن يفضلوا مكروهين.
كنت فى المرحلة الابتدائية عندما كان أبى، كلما مررنا فوق كوبرى الجامعة، يشير إلى قطعة القماش المدلاة ويقول لى الكلام نفسه.
دوّنتها منذ فترة عملًا بالنصائح المنتشرة بأن علينا أن نحكى لأولادنا كما حكى لنا آباؤنا. كثير من الأصدقاء منزعجين بسبب أحوال الإعلام والصحافة والسينما والدراما التى لن تكون مصدرًا مريحا لتربية أطفالنا وفق الاتجاهات الصحيحة، بينما فكرت فى حقيقة أن كان لنا مصادر موثوقة، وفى كيف لنا أن نقلق فى عصر لا تقف فيه حوائل أمام القصة الحقيقية؟
5
كنت أفكر فى ملامح لحظة جعلت طفلًا يبدو متماسكًا وهو يلقن أخيه الأصغر الشهادتين بينما يحتضر. لا أتصور أن التاريخ الذى يعرفه الواحد شهد فيما قبل لحظة جمعت هذا الكم من البشر على شعور واحد جامع بالخجل.
كنت أفكر عندما سألنى ابنى، الذى فى المرحلة الابتدائية، مرورًا:
ـ هشام انت سمعت اللى حصل عند فلسطين؟
ـ إيه اللى حصل يا عمر قول لى انت سمعت إيه؟
ـ ما إسرائيل محتلاهم وعمالة تضرب فيهم، هى ليه مصر ماتروحش تحارب معاهم؟
ـ الحرب مش حاجة سهلة يا عمر.
ـ ما احنا كسبناهم قبل كده فى ست ساعات.
ـ وانت عرفت منين يا عمر الحاجات دى؟
ـ التيك توك مقلوب.
استيقظت فى اليوم الثانى لأجد صفحته هو وبعض أولاد العائلة من عمره، وقد غيروا صورتهم الشخصية على فيسبوك بعلم فلسطين.
عادت القضية الفلسطينية إلى سقف ساحة الاهتمام، لتفتح الأعين التى أغمضتها عدمية اللحظة وإحباطاتها، بعد سنوات من تكسير الأحلام والاعتراف بعدم جدوى الصياح. نحن الذين كلما نسينا نبرة أصواتنا، ذكّرنا بها الفلسطينيون الرائعون دائمًا.
هشام أصلان كاتب وصحفى
التعليقات