الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالمصريين غير المسلمين - رانية فهمى - بوابة الشروق
الثلاثاء 19 يناير 2021 7:16 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالمصريين غير المسلمين

نشر فى : الأربعاء 2 ديسمبر 2020 - 9:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 2 ديسمبر 2020 - 9:35 م

خلال الشهور الماضية تصاعد الحديث عن مسألة تطبيق الشرائع الدينية الخاصة بغير المسلمين فى أمورهم الخاصة، وذلك بعد رفع دعاوى قضائية تطالب بتطبيق المساواة بين الجنسين فى الميراث احتكاما للشرائع المسيحية، وبتناقض مع ما تفرضه الشريعة الإسلامية وينعكس بالطبع على القوانين المدنية المصرية.
وعلى الرغم من أن تجدد الحديث فى هذا الصدد يأتى مصاحبا لحكم القضاء بأحقية مواطنة مسيحية بورث تركة أهلها بالتساوى مع أشقائها الذكور، إلا أن مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية تتفرع لتصل إلى مسائل حيوية أخرى لحياة المواطنين غير المسلمين، منها على سبيل المثال مسألة الطلاق.
تبدأ معضلة تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين من الدستور نفسه. يقول الدستور فى المادة الثانية: «الإسلام دين الدولة.. ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع». ويقول فى المادة الثالثة: «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية».
إذن، الدستور يقول إن الشريعة الإسلامية هى الأصل للتشريعات بصفة عامة، ولكن هناك استثناء فى مجال الأحوال الشخصية لغير المسلمين فهنا تُطبق شريعة غير المسلمين وهم المصريين المسيحيين واليهود حصرا. لكن الدستور، وهو الوثيقة التشريعية الأعلى التى تسمو على غيرها من القوانين، لم يذكر حالات أو شروط عدم تطبيق الشرائع المسيحية أو اليهودية على معتنقيها وإحلال الشريعة الإسلامية محلها، فوفقا للنص الدستورى، عند تناول الأحوال الشخصية لغير المسلمين مبادئ شرائعهم هى التى تُطبق وليس الشريعة الإسلامية.
وعلى الأرض، فإن معظم ما يتناول الأحوال الشخصية للمصريين يحكمه بالأساس الشريعة الإسلامية، ونجد المثال فى ذلك فى قواعد المواريث فى القانون رقم 77 لسنة 1943، وقواعد الوصية فى قانون رقم 71 لسنة 1946، والولاية على المال فى القانون رقم 119 لسنة 1952.
ولكن فى مسائل الزواج وآثاره لم نجد نصا صريحا واضحا يحدد أى شريعة ستُطبق على غير المسلمين: هل هى شرائعهم عملا بنص المادة الثالثة من الدستور أم شريعة أخرى؟
أحاول البحث على الإجابة فى نص المادة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة 2000، المتعلق بتنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية، والتى تقول: «تصدر الأحكام طبقا لقوانين الأحوال الشخصية والوقف المعمول بها ويعمل فيما لم يرد بشأنه نص فى تلك القوانين بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة».
ومع ذلك تصدر الأحكام فى المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية بين المصريين غير المسلمين المتحدى الطائفة والملة الذين كانت لهم جهات قضائية ملية منظمة حتى 31 ديسمبر سنة 1955 ــ طبقا لشريعتهم ــ «فيما لا يخالف النظام العام».
ولكنى وجدت فى هذه المادة ردا ليس قاطعا لهذا التساؤل، فهنا أيضا لم يوضح المشرع أى مسائل الأحوال الشخصية يقصد بالفقرة الثانية من المادة: هل هى كل المسائل أو أمور معينة دون غيرها؟ ولكن بما أن أمور الزواج وآثاره هى التى لم يتم تناولها بتشريع مفصل كتشريعات الأحوال الشخصية الأخرى مثل الوصية والميراث وخلافه، فيمكن أن نفهم أن المقصود بالفقرة الثانية من المادة الثالثة لقانون رقم 1 لسنة 2000 هى أمور الزواج دون غيرها.
بين المتاهة القانونية تلك، تبقى مسألة الزواج والطلاق كأحد أهم أركان الأحوال الشخصية والذى لا يوجد مفسرا له.
شريعة المسيحيين
المسيحيون فى مصر ينقسمون لثلاثة مذاهب أو مِلل، الأرثوذكسى والكاثوليكى والبروتوستانتى، وهى مذاهب عقائدية لها أحكام دينية مختلفة. وينقسم أصحاب المذهب الأورثوذكسى، الذين يشكلون 90% من مسيحيى مصر، إلى طوائف مختلفة، طائفة الكنيسة المصرية وطائفة الروم التى تتبع الكنيسة اليونانية والأرمن التابعة للكنيسة الأرمنية والسريان التابعة للكنيسة السورية. أما الكاثوليك فينقسمون لسبع طوائف: الأقباط، الروم، السريان، الأرمن، الموارنة، الكلدان واللاتين. وأخيرا البروتستانت فهم طائفة واحدة هى الإنجيليين الوطنيين.
فما هى الشريعة المسيحية فى ظل كل هذا التنوع؟
وفقا لمحمد السعيد رشدى فى كتابه «الأحوال الشخصية لغير المسلمين»، ظهر اتجاهان فى تعريف ماهية الشريعة المسيحية: الأول لا يعتد إلا بما جاء الإنجيل كمصدر وحيد للشريعة، وعليه فإن العلاقة الزوجية هى علاقة مقدسة وسر من أسرار الكنيسة السبعة ولا يجوز التعرض لها أو حلها لأن ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان. ومن ثُم حرم المذهب الكاثوليكى الطلاق نهائيا، واستثنت الكنيسة الأرثوذكسية عن ذلك سببين اثنين هما الزنا أو الخروج عن الملة.
تبنى أنصار الاتجاه الثانى تعريفا أكثر شمولا للشريعة المسيحية، واعتمدوا على ما أقره رجال الدين فى فتاواهم ومجالسهم وقضائهم، والذى أيدته محاكم مصرية، وهو يتضمن أسبابا أخرى للطلاق صارت عرفا مع كثرة تواترها عبر الزمن ولا يجوز إهدار قيمتها القانونية. وقد أيدت هذا الاتجاه محكمة النقض مرارا بتأكيدها أن لفظ شريعة المسيحيين لا يقتصر فقط على ما جاء فى الكتب السماوية بل يمتد ليشمل الأحكام الموضوعية التى كانت تطبقها المجالس الملية قبل إلغائها فى 1955.
شروط تطبيق الشريعة الإسلامية على المصريين غير المسلمين
حدد القانون رقم 1 لسنة 2000 ثلاثة شروط يجب توافرها لتطبيق شريعة غير المسلمين وليست الشريعة الإسلامية لكى تعتد بها المحاكم المصرية عند نظرها فى النزاعات المتعلقة بمسائل الزواج لغير المسلمين فإذا انتفت إحدى هذه الشروط تطبق الشريعة الإسلامية. وهذه الشروط هى:
ــ أن يكون الزوجان متحدى الدين والملة/المذهب والطائفة، فلا يجب أن يكون الطرفان من معتنقى الديانة المسيحية وفقط، بل أن يتبعا نفس المذهب وينتميان إلى نفس الطائفة. فمثلا يجب أن يكونا من اتباع المذهب الأورثوذكسى ومن الأقباط أو يكونا من الكاثوليك الأرمن أو البروتستانت، وهكذا.
ــ أن تكون طائفتهما (وليس فقط المذهب) كان لها جهة قضائية ملية منظمة قبل إلغاء المجالس الملية فى 31 ديسمبر 1955، وأمثلة على الطوائف التى ليس لها جهة قضائية وليس معترفا بها فى الكنائس المصرية طائفة السبتيين البروتوستانت وهى طائفة ظهرت فى أمريكا فى القرن الـ19، وطائفة المورمون وهى طائفة مسيحية ظهرت فى أمريكا فى 1830 ولا تعترف بالطوائف المسيحية الأخرى.
ــ ألا يكون الحكم الذى استندت عليه شريعتهم مخالفا للنظام العام، أى القواعد الأساسية التى تتعلق بالمصالح العليا للمجتمع، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية كما هى مبينة فى القوانين المصرية. والمرجع الذى تستند إليه هذه القواعد، وفقا لمحمد السعيد رشدى هو ما يتم التوافق عليه فى الأنظمة القانونية والاجتماعية للدولة السارية على جميع المصريين المسلمين منهم وغير المسلمين والتى أصبحت وثيقة الصلة بمصر والمصريين، خاصة إذا وُضع فى الاعتبار أن كثيرا من أحكام الشريعة المسيحية «مأخوذة من قوانين وأعراف أجنبية قامت بنقلها إلى مصر الهيئات والرئاسات الدينية التى كانت تشرف على الطوائف المختلفة، وقد تتضمن تعارضا مع النظام العام فى مصر».
ومن الأمثلة المتكررة على مخالفة النظام العام، كما جاء فى كتاب «النظام القانونى للزواج عند المسيحيين المصريين» لسعيد جبر ورجب كريم وعبدالهادى فوزى، هو عدم تطبيق المذهب الكاثوليكى لنظام العِدة، أى ضرورة مرور فترة من الوقت حتى تتزوج الأرملة أو الزوجة التى أُبطل زواجها من آخر. وبما أن نظام العِدة استلزمه مصالح المجتمع العليا لمنع خلط الأنساب، فإن عدم العمل به عند الكاثوليك يُعتبر خرقا للنظام العام. وهنا يوقف تطبيق الشريعة الكاثوليكية وتحل محلها الشريعة الإسلامية التى تقرر مدة أربعة أشهر وعشرة أيام كفترة عِدة حتى يحل زواج المرأة من آخر.
مثال آخر فى شريعة الأقباط الأورثوذكس، هو حرمان الطرف الذى يثبت عليه واقعة الزنا ويحكم بطلاقه، من الزواج مدى الحياة. ويُعد هذا متعارضا مع النظام العام لأنه يهدر حرية أساسية من الحريات العامة وهى حرية الزواج وتكوين أسرة، ويتضمن عقابا مدى الحياة لجريمة عقابها حدث فعلا بانفصال الطرفين بالطلاق.

رانية فهمى استشاري حقوق الطفل
التعليقات