سيمى حارس الذكريات - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 3 ديسمبر 2021 9:10 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

سيمى حارس الذكريات

نشر فى : الأحد 3 مايو 2015 - 9:15 ص | آخر تحديث : الأحد 3 مايو 2015 - 9:15 ص

خلال الأيام نفسها الذى كان محل صيدناوى الخازندار يستعد ــ منتصف أبريل الماضى ــ لاستقبال عرض للرقص الحديث فى إطار مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة، توفى سليم صيدناوى أحد أبناء العائلة الشهيرة التى جاءت إلى مصر من مدينة صيدنايا السورية بمحافظة ريف دمشق، عام 1878 حين افتتح سمعان صيدناوى دكانا صغيرا للخردوات بالحمزاوى قبل انتقاله لشارع الموسكى ومنه إلى العتبة. نشرت الصديقة ياسمين الضرغامى على فيسبوك خبر وفاة سليم، عازف البيانو والناقد الموسيقى، فى مدينة ميتز الفرنسية ودفنه بباريس تحديدا بمقابر طائفة الروم الكاثوليك، التى كان ينتمى إليها، بعكس الشائع بين الناس إذ يتم عادة الزج باسم «صيدناوى» ضمن أملاك اليهود فى مصر، ما لا يمت للحقيقة بصلة.

ونشرت أيضا ياسمين موضوعا كانت قد أعدته عن العائلة فى عدد سابق من مجلة «الراوى» المختصة بالتراث.. تحدث فيه سليم عن أسرة كان هو أحد حفظة ميراثها، وجاءت الصور الخاصة بصيدناوى الخازندار لتغرقنا فى عصر غير العصر: الباحة الداخلية من الزجاج والحديد على غرار المبانى الرومانية، والتصميم الهندسى لجورج بارك الذى استوحاه من متاجر «لافاييت» و«لوبراتون» الباريسية، أوراق الشركة المساهمة التى أسسها الأخوان سليم وسمعان صيدناوى عام 1907 برأسمال بلغت قيمته 630 ألف جنيه مصرى، وتاريخ افتتاح فرع الخازندار سنة 1913، وما تلاه من فروع أخرى فى الإسكندرية وطنطا والمنصورة والفيوم وأسيوط، وكذلك إنشاء شركة شحن ما بين باريس ومانشستر.. مملكة تجارية ضخمة، كان يقف صاحبها أمام باب متجره ليستقبل العملاء بأناقة غير متكلفة كتلك التى كنا نشعر بها فى شقة سليم صيدناوى بميدان سيمون دى بوفوار بوسط القاهرة. كان البيانو أول ما يشد الانتباه داخل الشقة، وغالبا ما يزينه إناء زهور صغير، فى مقابل أريكة بسيطة لا تخلو هى الأخرى من أناقة زمن فات. كذلك كان زوار البيت، لهم عطر كوزموبوليتانى خاص، مهما حاولت ألا تقع فى مصيدة النوستالجيا. خليط اللغات واللهجات وتسريحات الشعر وأسماء الحضور لا تترك لك مساحة سوى لتخيل ما مضى، رغم وجود تنويعات عمرية مختلفة. وعندما يكون أحد العازفين الأجانب من أصدقاء سليم مارا بالقاهرة، كانت الشقة تعج بالمدعوين والعزف، تملؤها حركة صاخبة قد لا تبدو للوهلة الأولى منسجمة مع طبيعة المضيف الهادئة.

•••

«سيمي«، كما كان يناديه المقربون، كان محبا للموسيقى الكلاسيكية الغربية التى جمعه حبها بصداقة طويلة مع المفكر الفلسطينى الأصل إدوارد سعيد، لا يحب «سيمى» أن تختلط بصنوف أخرى خاصة النغمات الشرقية.. لا يستسيغ تجارب الدمج، رغم متابعته لكل ما هو جديد، فقد ظل التلميذ المحافظ لعازف البيانو البولندى الشهير ــ تيجرمان (1893ــ1968)، إذ دأب على التوجه إليه لتلقى الدرس بشارع شامبليون، بصحبة إدوارد سعيد، الذى كان يصغره بثلاث سنوات. معا ذهبا لمهرجان سالزبورج الموسيقى عام 1957 ولعبا التنس فى نادى الجزيرة، ثم جمعتهما لبنان بعد هزيمة 1967. كانت عائلة سليم قد تركت القاهرة بعد تأميم أملاكها سنة1961، عرفوا بالخبر من الصحف وأبوه يحتسى القهوة بفيلتهم بجاردن سيتى. ظل سليم يعمل فى البداية بمحل الخازندار نظير راتب شهرى ضئيل، إلى أن دخل مكتب والده فوجد الضابط الذى حل محله يشاهد التليفزيون وأولاده حوله يلعبون «بيبى فوت» أو كرة قدم الأطفال، فقرر أن يخرج بغير عودة. وتقاضى الملاك الثلاثة الأصليون إلياس (والده) وجورج وجوزيف (أولاد سمعان) 15 ألف جنيه لكل منهم على سبيل التعويض عن رأسمال قدر وقتها بنحو 2 مليون جنيه.

•••

رحل والده إلى سويسرا لأسباب صحية، ولحق به سليم الذى درس الموسيقى بين سويسرا وألمانيا، ومن بعدهما عاش فى لبنان حتى اشتعال الحرب الأهلية وعودته إلى القاهرة عام 1977 واسترداد الأسرة لبعض من أموالها. فى حديث شيق أدلى به لصحيفة الأهرام ويكلى بالانجليزية، بعد وفاة إدوارد سعيد فى 2003، حكى كيف تقابلا بعد غياب فى منتصف السبعينات، حين كان سعيد فى اجتماع للمجلس الوطنى الفلسطينى بالقاهرة، وكيف ظل حديثهما عن الموسيقى لا ينقطع بين الحينو الآخر حتى جاء دور مشروع أوركسترا السلام عام 1998 الذى دعى إليه إدوارد سعيد والموسيقى الشهير دانيال بارينبويم، ليجمع عازفين عرب وإسرائيليين وألمان، أى حوار بين «أعداء الماضىو الحاضر» بالموسيقى، وكان على سليم أن يرشح عازفين مصريين للمشاركة.

•••

بشعره الفضى الكثيف ومظهره الكلاسيكى، كان سليم يعطى انطباعا بأنه حارس للذكريات.. عازف بيانو وسط الأطلال، سواء داخل شقته بوسط القاهرة على بعد خطوات من ميدان التحرير أو عندما نراه ضمن أبطال فيلم المخرجة تهانى راشد «جيران» الذى تؤرخ فيه لتحولات حى جاردن سيتى، وهو فى فيلتهم الخاوية.

يكتب نقدا موسيقيا بالفرنسية والإنجليزية، تلمحه على شرفة قصر المانسترلى فى حديث جانبى مع عازف البيانو رمزى يسى.. وكأنه من عالم آخر، من عصر كانت مصر تجمع أصدقاءه إدوارد سعيد وجورج قرم، السياسى والأكاديمى اللبنانى صاحب المؤلفات الهامة عن تاريخ الشرق الأوسط، الذى ولد بالإسكندرية فى مطلع الأربعينيات. لم يكن الباب مغلقا أمام أحد، نستقبل الكوادر فى شتى المجالات فكان التأثير فى الملبس والمأكل والفكر والعادات.. أما الآن ولظروف وتعقيدات مختلفة، فسنرى ما سيفضى إليه الخليط الحالى، توليفة البشر الهاربين من جحيم السياسة فى المنطقة قد تؤدى بنا إلى تأثيرات متباينة، وقد تفرز حراسا آخرين للذكريات، لكن وفق روح العصر ومدى التفاعل والاندماج.

التعليقات