صمت القصور - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 19 سبتمبر 2019 10:01 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

صمت القصور

نشر فى : السبت 4 نوفمبر 2017 - 8:25 م | آخر تحديث : السبت 4 نوفمبر 2017 - 8:25 م
حكاية أخرى من حكايات المنطقة المظلمة، هذه المرة من كردستان العراق. خطاب التنحى الذى ألقاه الرئيس مسعود برزانى، زعيم الحزب الديمقراطى الكردستانى، الأحد الماضى، أمام برلمان الإقليم، الذى أعلن فيه تنازله عن السلطة من أول نوفمبر الجارى، ورفضه الاستمرار فى منصبه، وبالتالى توزيع صلاحياته على الجهات المعنية حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة الذى لم يحدد بعد، دخل بنا مجددا إلى دهاليز القصور الغامضة فى مدينة أربيل ومصيف صلاح الدين، على بعد عشرة كيلومترات شمالا. عناصر الحكاية دائما واحدة: عشيرة تسيطر، توريث، فساد و ثروات طائلة تقدر هنا بحوالى 600 مليار دولار تفوح منها رائحة تهريب النفط وغسيل الأموال، وفقا لبعض الصحف التى تستند إلى مصادر فى البنوك السويسرية. 
***
من ناحية الشكل، انسحب مسعود برزانى المنتهية ولايته رسميا فى 2013، (مددها البرلمان سنتين)، ثم ظل فى الحكم تحت وطأة الخطر الداعشى، ليشغل منصب رئيس الإقليم منذ 2005. ويتردد بالطبع فى الكواليس أنه سيظل ممسكا بجميع الخيوط فى يده، فمن سيخلفه سيكون غالبا ابن شقيقه وصهره، نيجيرفان (51 سنة)، الذى يشغل منصب رئيس الوزراء منذ 2014، بعد أن تولى عددا من الحكومات المتعاقبة من سنة 2006. معنى ذلك أن الصراع قد حسم بدرجة كبيرة لصالح نيجيرفان، وأن الخاسر الأكبر هو مسرور(48 سنة)، ابن مسعود برزانى ورئيس جهاز الأمن القومى والمسيطر على قوات البيشمركة (الجيش) والأسايش (قوات الأمن الداخلى أو الشرطة)، الذى سعى لخلافة أبيه وقيل إنه كان مهندس استفتاء 25 سبتمبر الماضى حول الاستقلال، المرفوض من معظم القوى الإقليمية والدولية. 
***
كالعادة، محاولات التوريث المستميتة تسارع وتيرة الأمور وتصعد من رعب آخر الليل. وكالعادة أيضا يتابع عامة الناس دراما الصراع على السلطة التى تدور فى حالة كردستان العراق بين من يملك عصا الاقتصاد فى الإقليم وهو نيجيرفان، صاحب العقارات الضخمة فى أوروبا وأمريكا والمصارف والمراكز التجارية فى أربيل ودهوك وغيرها من المحافظات، والذى ارتبطت به استثمارات ومصالح عائلة برزان جميعها، وبين مسرور المتحكم فى الجناح الأمنى والعسكرى الذى يحظى بدعم قيادات الحزب المخضرمين، بخلاف منافسه المتزوج من أخته نبيلة وله منها خمسة أولاد.
تركيبة أبطال الصراع، بتكوينهم ومشوارهم ودراستهم ونزعاتهم، تجعلنا نفهم أكثر المسألة الكردية، لكنها تجعلنا أيضا نشعر أنه لا أمل ولا نجاة لهذه المنطقة، طالما تدار كأنها عزبة عائلية. شخوص الصراع غنية ماديا، إذ يقدر البعض ثروة نيجيرفان بحوالى 115 مليار دولار، فى مقابل 54 مليار لمسرور، و 372 مليار لمسعود برزانى وحده، إلا أنها شخصيات غنية جدا دراميا على وجه الخصوص.
***
الأب والعم مسعود مصطفى برزانى «أبو مسرور«، من مواليد مدينة مهاباد الإيرانية عام 1946، التى شهدت تأسيس كيان كردى باسم «جمهورية مهاباد« لم يدم طويلا، حاصل على الشهادة الابتدائية، لكنه حظى بزعامة سياسية اكتسبها بحكم الخبرة، إضافة إلى تاريخ والده وشرعية النضال. أما نيجيرفان فقد ولد فى قرية برزان الجبلية فى العراق، إلا أنه توجه مع عائلته وآلاف من الأكراد للعيش فى إيران عام 1975، هربا من نظام البعث. وهناك درس العلوم السياسية فى جامعة طهران وأصبح ناشطا فى صفوف الحركة التحررية الكردية وتقدم بسرعة فى صفوف الحزب الديمقراطى الكردستانى الذى أسسه جده، ثم نال شهادة الدكتوراه من إحدى الجامعات الأمريكية. هو من الجيل الذى لا يزال يتحدث العربية، بخلاف بعض شباب الأكراد الأصغر سنا، إضافة إلى إجادته للكردية والفارسية والإنجليزية. يحب ركوب الخيل وكرة المضرب والأدب، خاصة الشعر الكردى والفارسى، ويهوى الاقتصاد الحر. لذا نسج العديد من العلاقات البرجماتية والمصالح التجارية مع المحيط ودول الجوار الذى لا يرغب فى تهديدها، بسبب استفتاء حول الاستقلال تم الدفع به فى وقت غير مناسب، إذ يفضل تمهيد أرضية ملائمة للتفاوض والتفاهم والحوار مع الأطراف المعنية، خاصة بغداد. و يرى أنه من الأفضل البقاء حاليا ضمن عراق موحد، وأن يكون الاستقلال اقتصاديا فقط، على أن يتم التفاهم مع حكومة العبادى لاحقا بشأن بقية التفاصيل. وبالتالى هذه الإشارات التطمينية التى يعطيها لبغداد كما لدول الجوار، إيران وتركيا، تكسبه دعمهم إلى حد كبير.
***
الدولة، الحزب، العشيرة، العائلة، الثروة، المصالح، النسب، الحصار، منابع النفط، القوة العسكرية مقابل المال، السيطرة على الأرض... هذه هى الكلمات المفتاحية التى تسمح للعوام متابعة الصراع الدائر والذى قد يتطور فى الأيام والسنوات المقبلة، وهم فى صفوف المشاهدين أو المتضررين. تنافس بين نيجيرفان ومسرور لم يقتصر على المعترك السياسى والعسكرى، بل امتد إلى الحقل الإعلامى، حين قام مسرور بإنشاء فضائية «كردستان 24« فى مقابل فضائية «روداو« المملوكة لنيجيرفان. نتابع تارة صمت القصور أو صراعاتها التى تطفو على السطح، فنعيد اكتشاف شخصيات تمحو أخرى، شخصيات تحسم أو تعلق فصل من فصول الرواية.
التعليقات