ماذا بعد حرب غزة الرابعة؟ - معتمر أمين - بوابة الشروق
الإثنين 26 فبراير 2024 1:10 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

ماذا بعد حرب غزة الرابعة؟

نشر فى : الإثنين 4 ديسمبر 2023 - 7:15 م | آخر تحديث : الإثنين 4 ديسمبر 2023 - 7:15 م

تتباين المشاعر لدى رؤية الحرب تعود مرة أخرى لغزة بعد هدنة قصيرة دامت سبعة أيام، لم تكن كافية لكى يلملم الشعب الفلسطينى جراحه بعد 50 يوما من حرب شعواء ارتكبت فيها قوات الاحتلال الإسرائيلى أبشع أنواع المجازر تحت سمع وبصر العالم، بدون أن يردعها أى توازن مع قوى إقليمية، أو يوقفها قانون دولى أو حتى إنسانى. ومع عودة القتال يتجدد السؤال، وماذا بعد؟ وللإجابة على هذا السؤال نطرح أسئلة أخرى. هل السؤال عن السبيل لوقف الحرب؟ أم هو عن شروط كل طرف لوقف الحرب؟ الشاهد، أن السؤال الرئيسى للحرب يتغير كل فترة بحسب نتائج المواجهات، فبعد أن كان هدف إسرائيل هو تدمير حماس، تراجع الهدف إلى تحرير الرهائن الإسرائيليين المحتجزين فى غزة بالقوة. ولكن من سريان الهدنة والتبادل السلمى للأسرى بين الطرفين، والذى نجحت فيه حماس إعلاميا ببراعة، فإن الهدف أصبح استئناف القتال من أجل تحقيق الأهداف التى فشلت فيها إسرائيل حتى الآن. ولكن هل تنجح إسرائيل فى تدمير حماس، والإفراج عن الرهائن بالقوة، واغتيال قادة حماس؟
• • •
لنأخذ سيناريو نجاح إسرائيل فى تدمير حركة حماس. وفى هذا الإطار نجد عدة أسئلة لا تقل صعوبة عما سبق. فهل معنى تدمير حماس هو تدمير باقى الفصائل فى غزة؟ ثم هل معنى ذلك أن الشعب الفلسطينى سيفض يده من مبدأ المقاومة وينصاع لإرادة المحتل الإسرائيلى؟ وماذا سيحدث لمقاتلى حماس؟ هل ستقتل إسرائيل كل مقاتلى حماس والتى تقدر أعدادهم بـ40 ألفا؟ وإذا لم تستطع قتل هذا العدد، ماذا سيفعل الناجون من حرب غزة الرابعة؟ هل سيتوقف المقاومون عن المقاومة أم يتحولون إلى عصابات بلا قيادة موحدة تصبح أكثر ترويعا للأمن سواء فى غزة أو لجوارها؟ ثم ماذا سيحدث للقضية الفلسطينية بعد كسر حركة حماس؟ هل تتوقع إسرائيل أن تتحول منظمة التحرير الفلسطينية إلى منظمة النزوح الفلسطينى التى تنظم هجرة الفلسطينيين والفلسطينيات من الداخل إلى دول الجوار أو إلى الخارج؟ هل تتوقع أى حكومة إسرائيلية مهما بلغ تطرفها أن منظمة فتح مهما بلغ انقسامها ستكون الأداة التى تشرف على تصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية؟ وإذا كان الشطح فى التفكير قد يصل بالمحللين الإسرائيليين إلى الانفصال عن الواقع إلى درجة النكران، فهل يتوقعون أيضا أن تقف كل من مصر والأردن تتفرجان على طوفان المهاجرات والمهاجرين الفلسطينيين وهم يغزون أراضيهم؟ ولذلك نقول، إن أى نصر إسرائيلى على حركة حماس هو فى واقع الأمر سبب لتوتر علاقات إسرائيل مع مصر والأردن، وقد يتصاعد بمرور الوقت إلى مواجهة، لاسيما بعدما كشفت إسرائيل علانية عن خططها لتهجير الشعب الفلسطينى عنوة إلى سيناء والأردن.
• • •
لكن ماذا لو نجحت حماس وفصائل المقاومة فى غزة وصمدوا أمام العدوان الإسرائيلى، ولم يفقدوا السيطرة على غزة، وأفشلوا محاولات جيش الاحتلال فى الإفراج عن الرهائن بالقوة. فى هذا السياق سنصطدم بعدة تطورات وتداعيات فى منتهى الخطورة. أولها، إن فشل جيش الاحتلال فى كسر حماس يقلب الطاولة على جيش الاحتلال نفسه. فمعنى الفشل فى غزة أن جيش الاحتلال فقد قدرته على التأثير ناهينا عن الردع، ولا تستطيع إسرائيل أن تعيش فى المنطقة بدون هيبة الجيش، وسلاح الردع، والقوة المفرطة التى تحميها. وثانيها، أن التفاعلات الداخلية فى إسرائيل ستكون فى منتهى الشدة، فمن ناحية هذه أول حرب تخوضها إسرائيل ويكون اليمين المتطرف هو المهيمن على الحكم، فعادة ما يكون اليسار هو المهيمن ثم يأتى اليمين لنجدة الحكم بعد الإخفاق فى إحراز نتائج جيدة فى الحروب، كما حدث فى 1973، و2006 وغيرهما. ومعنى فشل اليمين فى الحرب أن المجتمع الإسرائيلى سيعود لحالة أشد انقساما مما كان عليه قبل الحرب، بين يمين متطرف لا يستطيع الوفاء بتعهداته ويريد تغير جوهر الدولة، وبين يسار تقدمى لا يستطيع صنع أغلبية أو تغيير المعادلة الداخلية. ولذلك نقول إن هذا المنحنى الخطر، سيحقق ما كان يخشى منه الرئيس الأمريكى بايدن من أن يستغل أعداء إسرائيل الحرب لصالحهم. وأخيرا، معنى صمود حماس فى غزة أنها ستتقدم فى الضفة على حساب السلطة الفلسطينية، ويؤكد على ذلك، أن أغلب من أفرجت عنهم إسرائيل بطلب من حماس كانوا من أبناء الضفة الغربية، وهو ما يعزز حضور حماس فى الضفة.
أما على مستوى الإقليم، فهناك ثلاثة أمور يجب أخذها فى الاعتبار وهى؛ أولا أن التنافس بين المشروعات الدولية الكبرى التى تمر بالمنطقة يميل لصالح طريق الحرير الصينى، فى مقابل ممر الهند ــ أوروبا الذى كان من المفترض أن يعبر من الإمارات إلى إسرائيل. وفى هذا تراجع للمصالح الأمريكية مقابل تقدم للمصالح الصينية. وثانيا، أن حرب غزة وصمود المقاومة رفع من أسهم المحور الذى يطلق على نفسه محور المقاومة فى المنطقة والذى يعمل بقيادة إيران، ويشمل فصائل فى العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، وغزة بطبيعة الحال. واكتسب هذا المحور نقاطا عديدة بعد صمود حماس، وتفوقها إعلاميا على إسرائيل فى عملية تبادل الأسرى. وبالتالى إذا انتهت الحرب أيا كان نتيجتها بدون أن يتبعها محاسبة الولايات المتحدة لإيران على تنامى دورها الإقليمى، فإن محاور المقاومة سيجذب المزيد من الأنصار، وفى المقابل ستتراجع أسهم الدول المطبعة التي اقامت علاقات مع إسرائيل. وثالثها، أن صورة الولايات المتحدة فى المنطقة تضررت أشد الضرر بسبب موقفها من الحرب على غزة. وتجرأت عليها الميليشيات الموالية لإيران فى العراق وسوريا، واليمن. ولعل خشية الولايات المتحدة من هذا التراجع فى صورتها هو ما جعل كبار مسئوليها بدءا من الرئيس بايدن يعيدون طرح أو التأكيد على مسألة حل الدولتين، وتبنيهم التحرك سياسيا فى هذا الاتجاه.
لا أظن أن الولايات المتحدة قادرة أو راغبة فى إحياء مسار تفاوض جاد من أجل حل الدولتين لاسيما فى ظل حكومة تعتبر الأكثر يمينية فى تاريخ إسرائيل. وإقدام هذه الحكومة على مجرد عقد لقاء من أجل بحث مسألة الدولتين هو بمثابة إعلان انتحار لحكومة اليمين. فلا قاعدتها الجماهيرية المتشددة ستوافق على ذلك، ولا الوزراء الممثلون لليمين المتطرف سيمكثون فى الحكومة لو أقدمت على التفاوض. هذا واستمرار إسرائيل فى الحرب بدون تحقيق نتائج ملموسة هو بمثابة انتحار سياسى أيضا. وأبسط دليل على ذلك، أن بعد عودة القتال فى اليوم رقم 56 من بداية الحرب، فإن المقاومة الفلسطينية استهدفت بصواريخها عدة مواقع فى قلب إسرائيل، وكأنها فى بداية الحرب. مما يعنى أن قدرات المقاومة الصاروخية لم تتأثر بعد آلاف الغارات الجوية التى ضربت كل ما يمكن ضربه فى غزة. وكأن المقاومة كسبت الجولة بالفعل، وعلى إسرائيل وحلفائها فى المنطقة مواجهة التداعيات.

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات