ماذا يجرى فى إدلب؟ - من الفضاء الإلكتروني «مدونات» - بوابة الشروق
الخميس 28 مايو 2020 7:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ماذا يجرى فى إدلب؟

نشر فى : الخميس 5 مارس 2020 - 10:45 م | آخر تحديث : الخميس 5 مارس 2020 - 10:45 م

نشرت مدونة «الديوان» التابعة لمركز كارنيجى مقالا للكاتب «يزيد صايغ» تحدث فيه عن الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام روسيا وتركيا بخصوص الأوضاع فى إدلب، جاء فيه ما يلى:

مع استمرار تصاعد وتيرة الأحداث فى محافظة إدلب منذ مصرع 33 جنديا تركيا فى 27 فبراير، يُواجه الرئيس التركى رجب طيب أردوغان خيارات فى غاية الصعوبة، لا يخلو أى منها من المجازفة الكبرى.
لكن، ما يجب التطرق إليه أيضا، وعلى القدر نفسه من الأهمية، هى الخيارات الاستراتيجية الروسية: هل تدعم موسكو هجوما غير محدود لنظام الأسد، أم أنها فى الواقع تستخدم الوضع على الأرض كأداة لاستيلاد سطوة أكبر على أنقرة؟ وإذا كان الأمر كذلك، ماذا تريد حقا من تركيا؟ بكلمة: التصعيد دراماتيكى بالفعل، لكنه يبقى على الأرجح تكتيكا تفاوضيا وإن عالى المجازفة، وقد ينبثق من رحمه تفاهم روسى ــ تركى جديد حول إدلب. بل وأبعد من إدلب.
الآن، إذا ما دققنا بالوضع العسكرى على حدة، سنجد أن خفض التصعيد هو أفضل خيار لأردوغان. ويدل تصريحه فى 1 مارس بتأييد حل سياسى على ذلك. ولكن، إذا تم ذلك من دون وقف لإطلاق النار، ستكون الحصيلة تدفقا هائلا جديدا من اللاجئين السوريين من إدلب، الذين سيحاولون الدخول إلى الأراضى التركية. قد يكون البديل الوحيد لهذا السيل هو ترتيب وصول هؤلاء إلى مناطق سيطرت عليها تركيا إبان عمليتى عفرين ودرع الفرات. بالطبع، هذا سيفاقم الأعباء على أنقرة التى توفر معظم الخدمات والبنى التحتية فى هذه المناطق، بيد أنه سيكون أفضل من دخول السوريين إلى الأراضى التركية، لأن ذلك يستثير أصلا معارضة محلية ويقلص الدعم الشعبى لحزب العدالة والتنمية الذى يتزعمه أردوغان.
***
عكس الإعلان الرسمى التركى فى 28 فبراير عن فتح الحدود أمام اللاجئين الساعين للوصول إلى أوروبا تلك الاعتبارات والمخاوف. بيد أن المحاولة هذه لتحويل الرأى العام التركى، وانتزاع المزيد من التمويل الأوروبى للمساعدة فى تخفيف العبء المتنامى، وتحفيز رد دولى (وخاصة أوروبى) أكثر فاعلية على أزمة إدلب تحمل أيضا فى طياتها خطر زيادة التوترات بين تركيا وأوروبا دون تحسين وضع أردوغان داخليا.
الخيار المعاكس هو استعراض قوة التصميم التركى فى داخل سورية. وهذا يعنى، بكلمات أخرى، أنه يتعين على تركيا أن تُظهر الإرادة والعزم على الرد بالمثل على أى هجوم ضد قواتها فى إدلب، بأمل أن يُثبط ذلك نظام الأسد عن شن المزيد من الهجمات. وقد قامت القوات التركية بالفعل بإطلاق حملة من هجمات المدفعية والطائرات بدون طيارين على قوات النظام، وزودت مجموعات المعارضة السورية المسلحة الحليفة لها بصواريخ أرضــجو التى تُطلق من الكتف والتى نجحت فى إسقاط مروحيتين للنظام، عدا إسقاط الدفاعات التركية لطائرتين مقاتلتين للنظام فى 1 مارس. كذلك، ليس ثمة ظل من الشك بأن أنقرة منخرطة أيضا فى العملية الناجحة التى نفذتها قوات المعارضة لإعادة الاستيلاء على مدينة سراقب فى 27 فبراير وعلى طيف من البلدات والقرى الأخرى فيما بعد. لكن، حتى لو أصاب هذا الاستعراض للقوة عين النجاح، لعله لن يخدم سوى لحماية القوات التركية فى المحافظة. ولكن من المحتمل أن ذلك لن يكون كافيا لردع النظام عن مواصلة هجومه العام فى إدلب وغربى حلب، كما ظهر من استعادته السيطرة على سراقب مرة أخرى بعد بضعة أيام.
على أن الدلائل الراهنة تشى بأن النظام السورى يتقصد استهداف القوات التركية، ربما لأنه يشعر، أو يعرف، أنه يحظى بالحماية الروسية. وفى الواقع، كانت تقف روسيا حتما وراء هذه المناورة رغم ما تحمل من مجازفة، على الأقل فى البداية. وربما ذلك يفسر شدة حملة «درع الربيع» العسكرية التركية، التى ما كانت ستكون مؤثرة لو بقيت محدودة. هنا، كان من المثير للانتباه أن روسيا لم تتورط مباشرة فى الهجمات على القوات التركية. بيد أن لجوء أنقرة إلى ردود فعل عسكرية أقوى قد يرفع وتيرة المخاطرة بوقوع مجابهة سياسية على الأقل، إن لم تكن عسكرية أيضا، مع روسيا التى تمتلك بالطبع القدرة على الرد بالمثل. مثل هذه القدرة تشمل تمكين الهجمات على الجيب التركى فى شمال شرق سورية، حيث ازدادت المناوشات أخيرا بين «الجيش الوطنى السورى» المدعوم من تركيا و«قوات سورية الديمقراطية» بقيادة فعلية كردية وحشد نظام الأسد قوات إضافية.
وتشمل كذلك إمكانية تزويد حزب العمال الكردستانى داخل تركيا بصواريخ أرض ــ جو المحمولة على الكتف، كما فعلت سابقا حين زودت تركيا المعارضة السورية بأسلحة مماثلة فى مايو 2016.
هذا، وسيترتب على تركيا دفع المزيد من القوات البرية إلى إدلب، إذا ما اختارت التصعيد على نحو أقوى. وهذا سيزيد من مخاطر تكبد الخسائر والإصابات فى صفوفها، وقد يحفز أيضا الردود الروسية المباشرة. أو فى مستطاع أنقرة دفع سلاح الجو التركى إلى المجال الجوى السورى فوق إدلب، لكن هذا غير ممكن من دون ضوء أخضر من موسكو، وهو أمر غير وراد.

إلى أين يقودنا كل هذا؟
من جهة، الحرب الشاملة غير مُحتملة للغاية، لأن الأكلاف وأيضا الأضرار التى ستلحق بالعلاقات الاستراتيجية بين تركيا وروسيا ستكون فادحة، إلى درجة لا يستطيع معها أردوغان تحمل مثل هذه المخاطرة. كما أن التصريحات الداعمة الصادرة عن الأمين العام لحلف شمال الأطلسى والرئيس الأمريكى دونالد ترامب وقادة غربيين آخرين، ليست كافية لحفز تركيا على التخلى عن الاستثمار الذى وظفته لتطوير علاقاتها مع روسيا.
ومن جهة أخرى، لروسيا مصلحة فى عدم خسارة كل الثمار التى قطفتها فى علاقاتها مع تركيا، ولا فى دفع أنقرة مجددا إلى أحضان حلفائها الأطلسيين. وهذا الأمر قد يعطى أردوغان هامشا للمناورة يسمح له بمواصلة الردود العسكرية التركية وتدفيع الأثمان لقوات الرئيس بشار الأسد (طالما لا تتدخل القوات الروسية مباشرة لوقف الهجمات التركية)، بغية إقناع روسيا بأن تركيا لن تتراجع. وهذا قد يحمل موسكو على كبح جماح النظام السورى.
بيد أن كل ذلك مرهون بما تسعى إليه روسيا فى إدلب. فسلاحها الجوى لعب دورا رئيسا فى دعم هجوم قوات النظام السورى فى عام 2019، ما أدى إلى اتفاقية سوتشى لخفض التصعيد. والواقع أن معظم الضغط العسكرى الحقيقى على تركيا آنذاك جاء من سلاح الجو الروسى، بدعم من مدفعية النظام مع تحركات محدودة للقوات البرية السورية. لكن حدث فى بعض الأحيان اللاحقة أن روسيا امتنعت عن توفير الدعم الجوى لهجمات النظام فى محافظة إدلب، ما أوحى بأنها لم تكن تسعى إلى انتزاع مكاسب استراتيجية أو سياسية معينة من أنقرة فى تلك اللحظات.
ما اختلف الآن هو حجم الهجوم البرى الذى شنه النظام، بدعم من سلاحه الجوى، والذى حظى بدعم سياسى واستراتيجى روسى قوى. لكن موسكو لم تلعب هذه المرة الدور العسكرى الرئيس. وفى الوقت ذاته، لم تحظر روسيا على القوات التركية استخدام المجال الجوى فوق محافظة إدلب، فسمحت لها ضمنا بإطلاق الهجمات المتواصلة للطائرات بدون طيارين على قوات النظام وبإخراج قاعدة النيرب الجوية العسكرية غرب حلب من الخدمة فى 1 مارس.
لعل روسيا مستعدة الآن للقبول بأقل من أهدافها الأصلية فى إدلب، علاما أنها ستسعى بالتأكيد لتثبيت مكاسب النظام أخيرا هناك. وسيكون هدف أول على الأرجح هو إعادة رسم خارطة الانتشار العسكرى التركى فى المحافظة، وتحديدا سحب نقاط المراقبة التركية التى أقيمت بموجب اتفاق سوتشى فى عام 2018 إلى ما وراء طريقى م4و م5 السريعين.
بيد أن التركيز الدراماتيكى على إدلب قد يخفى فى طياته استعدادا روسيا لتفاهمات جديدة مع تركيا تتعلق بمناطق أخرى من سورية، وخاصة الحسكة ودير الزور. وبالفعل، فإن شدة التصعيد فى إدلبــ وتواصل الهجمات على قوات المراقبة التركية فى إدلب وجرأة النظام فى محاصرتها الواحدة تلو الأخرىــ قد يميطان اللثام عن هدف استراتيجى أوسع. إذ يجب أن نتذكر هنا أن روسيا ترعى محادثات بين نظام الأسد والأكراد، وربما هى تحاول تليين المقاومة التركية حيال أى صفقة قد تبرمها فى دمشق، الأمر الذى قد يكون نذيرا بوضع حد للوجود العسكرى التركى، وبتخلى أنقرة عن حلفائها فى المعارضة السورية وعن المناطق المدنية الآمنة فى الداخل السورى.
قد لا يحدث هذا الآن بل على مدى أطول، بيد أن الحريق الراهن المُحتدم فى إدلب يوحى بأن ثمة أهدافا استراتيجية أوسع قيد العمل.

النص الأصلى:من هنا

التعليقات