لحظة آنية أبدية - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأحد 25 أغسطس 2019 5:53 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





لحظة آنية أبدية

نشر فى : الأربعاء 5 أبريل 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 12 أبريل 2017 - 1:32 م
شاءت الصدف أن أكون موجودة فى أربع مناسبات عزف فيها موسيقيون سوريون الموشحات والقدود الحلبية مؤخرا أمام جمهور جله سورى، ولكن فيه أيضا أشخاص من جنسيات أخرى هم ذواقون للتراث الحلبى. من مدرسة تعلم الأطفال السوريين اللاجئين فى لبنان أصول الموسيقى والغناء الحلبى، إلى حفلة موسيقية فى جامعة مرموقة فى نيويورك عزفت فيها فرقة موسيقية كبيرة مع مغنٍ شاب من حلب، إلى حفلة خاصة فى منزل استضاف أصحابه أحد آخر أساتذة العود الحلبيين والذى استقر فى مصر، إلى حفلة عامة عزف فيها شباب يظهرون علنا كفرقة للمرة الأولى.

أستطيع أن أصف بدقة ما يحدث لى فى كل مناسبة كهذه، وأكاد أجزم أنه يحدث لكل من هم حولى فى تلك المناسبات.
***
تبدأ الحفلة، وبغض النظر عن طبيعتها سواء أكانت سهرة خاصة أو حفلة فى مكان عام، ببعض النغمات الخجولة والمألوفة التى تصدر عن الآلات وكأنها تلقى السلام على من أمامها، فيمضى الحضور الدقائق الأولى يستجمعون أجزاء من حياتهم سقطت من ذاكرتهم. مع الأغنية الأولى يكون جميع الحاضرين فى أماكنهم جالسين أسوياء الظهور شديدى التركيز أمامهم. يحتاج المستمعون إلى أغنيتين أو ثلاث قبل أن يعود إليهم شعورهم بأنفسهم وبما حولهم، فيصبحون فجأة كمن يخرج إلى النور من مكان شديد الظلمة أمضى فيه عدة ساعات. شدة النور تكاد تعميهم رغم أنهم وطوال جلوسهم فى الغرفة المظلمة كانوا يحلمون بالشمس. تحتاج العيون إلى دقائق لتعتاد على الفرق بين الظلمة والنور، فيقف الشخص متسمرا فى مكانه لا يجرؤ على التقدم أو حتى الحراك. تدخل النغمات ببطء من الأذنين إلى الرأس فيبدأ العقل بفرز تلك الصور المؤلمة بجمالها وبعدها. «أنت أحلى الناس فى نظرى جل من سواك يا عمرى».. يرتخى الظهر قليلا فى الكرسى وتبدأ اليدان بالنقر على الهواء وكأن المستمع ينقر على طبلة خفية.
«أمر باسمك إذ أخلو إلى نفسى كما يمر دمشقى بأندلس»، هنا تفقد الكتفان بعضا من تصلبهما بينما تتسارع ضربات الحنين فى القلب وذبذبات الذكريات فى المخ. متى استمعت إلى هذه الأغنية للمرة الأولى؟ لا يمكننى أن أضع يدى على تاريخ محدد أو حتى مناسبة تذكرنى بموشح أو بأحد القدود المحببة إلى نفسى. يجوز أن هناك، داخل ذاكرة كل سورى، درجا سريا يحتوى على صور لمناسبات اجتماعية وعائلية، يخترقها صوت كبار المطربين وهم يرددون «ابعت لى جواب وطمنى، ولو إنه عتاب لا تحرمنى». فى الدرج صور لأشخاص لا نتذكرهم، أعمام وعمات وأقارب للأجداد ترتبط وجوههم فى ذاكراتنا بالعيد أو بجلسات العزاء أو الأعراس. «طال المطال طال وطول، لا بيتغير ولا بيتحول... مشتاق لك يا نور عيونى، حتى نعيد الزمن الأول».
***
مع الأغنية الخامسة أو السادسة يكون الحاضرون قد أصبحوا جزءا من الكورس وانصهروا مع جو القاعة، فهم الآن يحيطون المغنى بكلمات يرددونها بصوت أعلى وبنفس أعمق، حتى إذا وصل المغنى إلى مقطع «نفسى ألاقى محبوبى بين الياسمين والريحان» بدا الحاضرون وكأنهم انتقلوا إلى حالة أشبه بما يسمى بـ«التجارب خارج الجسد»، حيث يشرح بعض المتقدمين فى مجالات اليوغا أو التصوف أن هناك حالة يدخل فيها شخص قد صفّى عقله تماما وأخرج منه المنغصات اليومية بهدف الوصول إلى مساحة نفسية شديد النقاء. فى تلك اللحظة أشعر وكأننى وصلت إلى الأبدية، «فى بلاد الياسمين» هو المكان الذى أريد أن أبقى فيه، هنا، محاطة بالموشح الذى أتشح به فيغطينى من رأسى إلى أخمص قدمىّ. «فى بلاد الياسمين» جملة تلفنى وتطير بى إلى سقف الصالة، هناك أرقص مع الكلمات وأنا أتحدى قانون الجاذبية فهو لا يعنينى حيث أنا. هنا فى هذه اللحظة الآنية الأبدية تشتعل فيّ كل الحواس، فأشم رائحة النعناع الأخضر فى طبق التبولة، وأسمع صوت هدير الماء من بركة كانت فى سنواتى الأولى لا تزال تستقبل ماء النبع فى منزل جدتى، لا أعرف كيف ظهر لى البيت القديم هنا فى حفلة، فى مكان بعيد جدا عن قبر جدتى، وهو منزل قد هُدِم منذ زمن وحلت مكانه عمارة سكنية حديثة وبشعة. «والله يا مجرى المى يابا سلم عليهم عليهم».
***
هناك مساحة شديدة الخصوصية تخلقها الموسيقى الحلبية، هناك حالة من الانفصال عن الواقع يصل إليها السوريون فى حضرة نغمات القدود القديمة، التى قد يكونون قد كرهوها فى صغرهم، كما كرهتها أنا فى طفولتى، لأكتشف فى لحظات غير متوقعة أننى أحفظ كلماتها كلها عن ظهر قلب. هو ذلك الدرج الصغير فى ذاكرتى، والذى يبدو أن والدى الحلبى الأصل كان يفتحه كل يوم ليضع فيه جملة من هنا وجملة من هناك، تحسبا لتلك اللحظات شديدة الوحدة التى سوف أعيشها بعيدا عن البيت، والتى سوف أحتاج فيها أن أشعر بقربى من سوريين آخرين قد لا أعرفهم ولكنهم هم أيضا يحفظون الكلمات ذاتها. لن يهمنى فى تلك اللحظة من يجلس بجوارى، حين ألتفت إليه أو إليها ونغنى معا «حالى حالى حالى وبالى بالى بال» ونحن نرفع أيادينا فى حركة جعلتنا نتجاوز معا، وللحظات قصيرة، كل الأمور اليومية والصور التعيسة عن بلد لم يعد ومجتمع تفكك وبيوت تهدمت. هنا وفى هذه اللحظة كل ذلك لا يهم، لأن لحظتنا، على قصرها، هى لحظة أبدية.

 

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات