ذات.. سجل حياة - كمال رمزي - بوابة الشروق
الإثنين 6 أبريل 2020 11:43 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ذات.. سجل حياة

نشر فى : الإثنين 5 أغسطس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 5 أغسطس 2013 - 8:00 ص

من دون تحفظات، أنا مفتون بهذا العمل. كلما توالت حلقاته، يزداد الإعجاب به، واضطر، من باب الشغف بمعرفة أسراره، إلى إعادة مشاهدته. المسلسل، بقلب دافئ وعقل يقظ، يتعرض لحياة عائلة قاهرية، من الطبقة الوسطى، خلال ستة عقود، وثلاثة أجيال، مع التركيز على البطلة «ذات»، المستوحى من «ذات الهمة»، الشخصية التى قدمتها السيرة الشعبية، كنموذج فريد للصبر والجلد، القادرة على مواجهة الخطوب بشجاعة، المتزنة، العاقلة.. هنا، «ذات»، بأداء، نيللى كريم البديع، المتفهم بعمق لأبعاد الشخصية، تولد مع ثورة يوليو 1952. والدها، الموظف، سعد، القليل الكلام، الحنون، بأداء الأستاذ أحمد كمال.. والأم، المصرية حتى النخاع، حيث تقوم بدورها، القديرة التى تفاجئنا بنضجها وتمكنها، من عمل لآخر، فضلا عن شقيقها الكبير، حسن، الذى سيهاجر لاحقا، إلى بلاد العم سام، التى تنسيه أهله أو تكاد.

كاتبة السيناريو الموهوبة، مريم ناعوم اعتمادا على رواية صنع الله إبراهيم الشهيرة، ترصد الجوانب الواضحة والخفية لأبطالها، فها هو زوج «ذات» عبدالمجيد، الموظف فى أحد البنوك، الذى لم يكمل تعليمه، يتسم بالطيبة والتفاهة، المنفعل دائما، المتطلع، المنساق، المتخوف من الغد، وفيما يبدو أن باسم سمرة وجد ضالته فى تجسيد هذا النموذج، فتعايش معه على نحو طبيعى.

ذات، برغم قوتها وصمودها، تعيش مقموعة، فحين كانت طفلة، لا تقوى على الرفض، تعرضت لعملية الختان المرة، فتركت فى نفسها أثرا لا يمحى.. وعندما تزوجت، فرض عليها زوجها، بمؤازرة والدتها، عدم استكمال دراستها الجامعية. ومع الغلاء، تضطر للعمل موظفة فى التليفزيون المصرى، ثم تشترى ماكينة خياطة لتحيك الملابس، توفيرا لثمن فساتين طفلتيها من ناحية، وتحقيقا لزيادة الدخل من ناحية ثانية، فهى، طوال الوقت، تنشط فى عمل أية مشروعات صغيرة، تجلب شيئا من المال.

لكن المسلسل ليس مجرد «دراما أسرة»، ينغلق على أشخاصه وأحداثه، فالكاتبة، بوعى شامل، تدرك أن الأسرة لا تعيش بمعزل عما يدور خارجها من أحداث وتطورات، تؤثر بالضرورة، على مسارها ومصيرها، بل تتقاطع أحيانا مع حياة الأفراد، الأب، على سبيل المثال، الوطنى، الناصرى، يتابع، بألم، زيارة السادات لإسرائيل، ولا يستطيع إلا أن يموت بعد عدة أيام.. وبموته، الذى يعنى، رسميا نهاية حقبة وبداية حقبة، يترك أثرا حزينا، ينبض بالحضور، داخل قلب ذات.

المخرجة، كاملة أبوذكرى، المتفوقة، مع طاقم عملها، لم يفتها متابعة المتغيرات فى مصر، طول الفترة الزمنية، ماديا ومعنويا، سواء بالنسبة للوقائع الكبرى، حروب 56، 67، الاستنزاف، 73، بالأناشيد والأغنيات المصاحبة لكل واقعة، معززة بمشاهد وثائقية، أو بطراز السيارات والأتوبيسات، أو بشكل الميادين، أو بتغير الملابس وتسريحات الشعر، منذ الميكروجيب إلى الجلابيب الطويلة، ومنذ نعومة الشعر المسدل، بالقصة على الجبين، إلى الباروكات، إلى البونيهات، إلى الحجاب.. ولا يفوت المسلسل متابعة ما يستجد من اهتمامات، الغسالات الكهربائية، حلل البخار، أطباق المينامين، السيراميك بدلا من القيشانى، أجهزة التسجيل، ثم الفيديو.. هذا العنصر التوثيقى، بصدقه ودقته، يعد، إنجازا غير مسبوق، فى دراما الشاشة الصغيرة.

هذه التطورات والتغيرات، تمتزج تماما مع خصوصيات الأبطال.. ذات، منذ طفولتها، يشكل الحام بالنسبة لها، مرفأ الطمأنينة، تلجأ لها حين تحتاج لجمع شتات نفسها، وبالضرورة، يغدو من أمانيها أن تجعله أنيقا، جميلا، وبالتالى تعمل على تغييره.. هكذا، كما كانت من قبل، تتمنى اقتناء باروكة مثل باروكة.. ميرفت أمين.

كذلك الحال، وإن جاء على نحو آخر.. صديق عبدالمجيد الحميم، وجاره النصاب وجدى الشقيطى ــ هكذا اسمه ــ بأداء هشام إسماعيل، الذى يتسلل له ليلا ــ الشقيطى هو الذى يذهب ــ حاملا معه الفيديو، لمشاهدة أفلام البورنو، وطبعا، يفتضح أمرهما، عند المرأتين، فالزوجة، أول من يعلم.

المواقف، تتوالى بالغة الثراء، تفاصيلها الصغيرة تتضمن أوسع المعانى.. بينما والد ذات، على فراش الموت، تهاتف شقيقها تليفونيا، ترجوه الحضور لأن الأب يتمنى أن تكتحل عينيه برؤية ابنه قبل الفراق، لكن حسن، لا يأتى إلا بعد فوات الأوان.. يطرق الباب. ذات تفتح له.. تقف فى مدخله، كما لو أنها ترفضه. نيللى كريم، بوجه تتعمد أن يكون جامدا، وبنظرة باردة، يشوبها الاستنكار، وبعد صمت، تقول له ثلاث كلمات مفعمة بالمعانى «بابا مات يا حسن».

مرور الزمن يترك أثره على الجميع: الأم، انتصار، يترهل جسمها ويبيض شعرها. عبد المجيد، أصبح، خاصة بعد إصابته بالسكرى، نحيلا، خاملا، بطيئا.. ذات، الجميلة، أضحت بدينة، وأخذت الخطوط الغائرة تزحف حول شفتيها.. لكن، فى المقابل، البنات يكبرن، يشتد عودهن، يزداد ألقهن.

المسلسل، برهافة، ومن دون مغالاة، يتابع تغيرات فى سلوك الموظفين المسئولين، العاديين من الناس، مع جنون الثراء، فيما بعد الانفتاح، حيث الرشوة والفساد والاحتيال.. لكن «ذات» لا يفوته الإشارة إلى قيم مضيئة فى المجتمع المصرى، فعلاقة الجيرة العذبة، بين ذات وجارتها سميحة، بأداء خاص ومميز من ناهد السباعى، بمثابة طاقة عزاء للطرفين.. وتحت سطح المناكفات بين ذات ووالدتها، يكمن نهر من المحبة.

«ذات» لأسباب عدة، لم يأخذ حقه، جماهيريا ونقديا، لذا، لا أجد حرجا فى دعوتك لمشاهدته، على مسئوليتى.

كمال رمزي كاتب صحفي
التعليقات