روسيا وإفريقيا واقترابات القوة البديلة - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 24 أكتوبر 2021 9:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

روسيا وإفريقيا واقترابات القوة البديلة

نشر فى : الأحد 5 سبتمبر 2021 - 7:10 م | آخر تحديث : الأحد 5 سبتمبر 2021 - 7:10 م
نشر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة مقالا للكاتب حمدى عبدالرحمن، تناول فيه تزايد دور روسيا فى مجال السياسات الأمنية الإفريقية، إلا أن استراتيجية روسيا تجاه القارة السمراء تواجه العديد من الصعوبات بجانب أنها لا تقارن حتى الآن بالوجود الغربى والأمريكى... نعرض منه ما يلى:
فى أعقاب المعرض التجارى التركى للأسلحة الدفاعية «آيدف» فى إسطنبول للعام الحالى، والذى حضره عدد من الوفود الإفريقية، ذهبت القارة الإفريقية بأغلبية ساحقة مع الخيار الروسى. وفى الفترة من 22 وحتى 28 أغسطس 2021 انعقد المنتدى العسكرى التقنى الدولى الروسى للجيش فى بلدة كوبينكا الصغيرة، على بعد نحو 70 كيلومترا من العاصمة موسكو. وهو الحدث السنوى الذى ينظمه المجمع الصناعى العسكرى الروسى بدعم من التكتلات العملاقة، مثل روستك وكلاشينكوف كونسيرن. ومن أهداف المنتدى المساعدة فى إعادة التجهيز التقنى وزيادة كفاءة أنشطة وزارة الدفاع الروسية، وتحفيز التطوير المبتكر للمجمع الصناعى العسكرى فى روسيا، والمساهمة فى تطوير التعاون العسكرى التقنى بين روسيا والدول الأجنبية. ومن اللافت قيام وفود عسكرية وخبراء من جميع أنحاء إفريقيا بالمشاركة فى هذا المعرض التجارى للجيش الروسى هذا العام. وهو ما يعنى أنه يشكل فرصة لروسيا من أجل تعزيز نفوذها فى قطاع الأمن الإفريقى.

روسيا ودبلوماسية الكلاشينكوف
لقد تم التأكيد على الطبيعة السياسية للحدث من خلال خطاب الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ومشاركة وزير الدفاع سيرجى شويجو. ومن المعروف أنه قد تم تصميم المنتدى ليكون عرضا كبيرا للقوة وتكريما للجيش الروسى من جهة، ولكنه أيضا عامل جذب شعبى داخلى من جهة ثانية. ومع ذلك فإنه عامل لنشر النفوذ الروسى من خلال جذب الوفود الأجنبية، لاسيما الأفارقة بشكل خاص. ويعد المعرض العسكرى الروسى لهذا العام مؤشرا على تراجع النفوذ الأمريكى والغربى عموما فى إفريقيا مقابل بزوغ نجم الدب الروسى فى مجال السياسات الأمنية الإفريقية.
اتجهت عيون الوفد الجزائرى، الذى تعد بلاده أحد المشترين الرئيسيين للأسلحة الروسية، صوب البحث عن طائرات من دون طيار وأنظمة إلكترونية للمراقبة. كما أبدى ممثلو جيوش غرب أفريقيا اهتماما خاصا بالمركبات المدرعة المعروضة فى الملتقى. وقد زار ضباط من القوات المسلحة المالية، والقوات المسلحة الغينية، شركة الصناعة العسكرية الروسية، التى جعلت من إفريقيا إحدى أولوياتها التجارية، كما يتضح من وجودها فى معرض شيلد إفريقيا 2021 التجارى الذى انعقد فى أبيدجان بكوت ديفوار فى أوائل يونيو الماضى، وكشفت فيه النقاب عن مدرعتها البرمائية «ستريلا».
ومن جهة أخرى حضر كبار أعضاء الجيش الإثيوبى للعثور على معدات عسكرية من أجل التغلب على آثار النكسات العسكرية الكبيرة التى عاناها الجيش الوطنى على أيدى قوات دفاع التيجراى. علاوة على ذلك، فإن تحالف المتمردين يواصل التقدم خارج حدود منطقة تيجراى، مما يشكل تهديدا متزايدا للحكومة الفيدرالية بقيادة رئيس الوزراء آبى أحمد فى أديس أبابا.

ثنائية الأسلحة والموارد الطبيعية
لدى روسيا أيضا دوافع اقتصادية واضحة عندما يتعلق الأمر بالموارد الطبيعية، على الرغم من أنها تمتلك ثروات معدنية كبيرة، فإنه من الصعب استخراجها من باطن الأرض، مما يجعل استيرادها بدلا من ذلك أمرا ميسورا. فعلى سبيل المثال دخل كونسورتيوم روسى، يضم مجموعة روستك، فى شراكة لتطوير مشروع تعدين البلاتين بقيمة 3 مليارات دولار فى زيمبابوى، وهو أكبر استثمار منفرد فى البلاد منذ الاستقلال فى عام 1980.
كما تنشط العديد من شركات الطاقة الروسية المملوكة للدولة، مثل غازبروم وروستيك وروساتوم فى إفريقيا، مع استثمارات رئيسية فى قطاعات النفط والغاز والطاقة النووية فى الجزائر ومصر وأوغندا وأنغولا. وتجدر الإشارة إلى أن الاستثمارات التى تقودها الدولة غالبا ما تكون مرتبطة بمبادرات عسكرية أو دبلوماسية. فبينما كان يتم إبرام اتفاق لبناء محطتين للطاقة النووية فى نيجيريا، التزمت روسيا فى الوقت نفسه بمكافحة الإرهاب هناك. ومن المهم فى هذا الصدد تفسير هذا الصعود الروسى فى السياسة الدولية، إذ إن العمليات الروسية، وكذلك أنشطة الشركات العسكرية الروسية الخاصة فى جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقى، قد أدت جزئيا إلى إشباع الطموح الروسى بعودة روسيا قوة عظمى مرة أخرى.

التوغل الروسى صوب دول الساحل والجنوب الإفريقى
من المرجح أن تزداد أهمية إفريقيا جنوب الصحراء بشكل عام ومنطقة الساحل على وجه الخصوص بالنسبة لموسكو، كمنطقة يمكن لروسيا أن تبنى فيها وجودها العسكرى والأمنى. فقد أصبحت الصراعات السورية والليبية أقل جاذبية لموسكو من حيث «دبلوماسية الظل العسكرية» للكرملين. بالإضافة إلى ذلك، فإن التقدم الذى تم إحرازه فى تسوية الصراع الليبى يقلل أيضا من فرص الشركات العسكرية الخاصة الروسية فى تلك الدولة. بالنسبة لمخرجات مؤتمر برلين، وكذلك المسار السياسى للحكومة المؤقتة، فمن المتوقع أن يتم إيلاء المزيد من الاهتمام لانسحاب المرتزقة الأجانب من ليبيا.
وعلى ذلك يمكن القول إنه فى حالة نجاح إجراء انتخابات عامة فى ليبيا فى ديسمبر 2021، ستواصل السلطات الجديدة أيضا مسار سحب القوات الأجنبية من البلاد. فى هذا الصدد، أصبحت منطقة الساحل منطقة جذابة بشكل متزايد للدبلوماسية العسكرية الروسية. من ناحية أخرى، المنطقة مليئة بالصراعات وكانت فى حالة اضطراب سياسى دائم فى السنوات الأخيرة. كما أن الدول الغربية بقيادة فرنسا والولايات المتحدة أضحت أقل اهتماما بمنطقة الساحل، مقارنة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التى ترتبط ارتباطا مباشرا بمفهوم الأمن الأوروبى. ولعل ذلك كله يخلق ظروفا مواتية لتوغل روسى محتمل فى منطقة الساحل والعمق الإفريقى.
ويبدو أن روسيا فى طريقها لكسب معركة قلوب وعقول النخب الإفريقية. لقد تحدث قادة ونخب الدول الأفريقية مرارا بشكل إيجابى عن موسكو. ففى قمة سوتشى 2019، دعا رئيس بوركينا فاسو روك، مارك كريستيان كابورى، روسيا للمشاركة فى قمة المنظمة الإقليمية لتجمع دول الساحل الخمس لمواجهة الإرهاب. كما أشاد الرئيس الموريتانى، محمد ولد الغزوانى، أثناء وجوده فى سوتشى، بروسيا لنهجها المتمثل فى عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الإفريقية، ودعا إلى تشكيل تكتل روسى إفريقى فى مواجهة النزعات التدخلية فى النظام الدولى.

غياب الرؤية الاستراتيجية
إن النظرة المتعمقة لتطور السياسة الروسية تجاه إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، تظهر أن «عودة» روسيا إلى إفريقيا تواجه عددا من الصعوبات على المدى الطويل. أولا، افتقار موسكو إلى استراتيجية طويلة المدى للتعاون مع الدول الإفريقية. فالناظر لمفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسى، الذى تم اعتماده فى عام 2016، يجد أنه حدد المصالح الروسية فى القارة الإفريقية بطريقة مجردة تماما. ثانيا، الطلب على الخدمات الروسية، بما فى ذلك الخدمات العسكرية، من الدول الإفريقية هو ذو طبيعة ظرفية. وخير مثال على ذلك الاتفاق بين موسكو والخرطوم على إنشاء قاعدة بحرية روسية فى بورتسودان، والذى تم التوصل إليه فى عام 2020. وبعد عام، أعلنت السلطات السودانية الانتقالية، بعد رفع العقوبات واستعادة العلاقات متعددة الأطراف مع الدول الغربية، مراجعة الاتفاقية مع روسيا بخصوص بورتسودان.
ربما تنظر النخب الإفريقية إلى روسيا باعتبارها ورقة مساومة، يستخدمونها أثناء بناء حوار مع قوى دولية أخرى. فى هذا الصدد، على المدى الطويل، لا يمكن لروسيا الاعتماد إلا على كونها مجرد واحدة من الشركاء الكثيرين للدول الأفريقية، على الرغم من أنها بعيدة كل البعد عن كونها الشريك الوحيد.
وختاما، فإنه يمكن القول إن تطورات العلاقات الروسية الإفريقية، لاسيما منذ عام 2014 أدت إلى مخاوف الولايات المتحدة والدول الغربية من عودة «الدب الروسى»، وعلى الرغم من أنه يتم إيلاء الكثير من الاهتمام بالتحركات الروسية فى القارة، فإنه من الصعب مقارنة الوجود الروسى فى إفريقيا بشركاء إفريقيا التقليديين، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، أو مع القوى الصاعدة الأخرى، مثل الصين.
ومن جهة أخرى تسير الخطط الخاصة بانعقاد القمة الروسية الإفريقية الثانية عام 2022 على قدم وساق، مما يطرح مرة أخرى العديد من التساؤلات حول تنامى الوجود الروسى فى القارة.
ويبقى السؤال والحالة هذه، هل تعد دبلوماسية القمم جزءا من استراتيجية روسيا الجديدة تجاه إفريقيا أم استمرارا لنهجها السابق؟ فى كلتا الحالتين، من المرجح أن نتوقع نموا متزايدا فى مستويات التغلغل الروسى فى إفريقيا.

النص الأصلى:

التعليقات