سمير فؤاد يكتب عن: فن النحت الإفريقى - سمير فؤاد - بوابة الشروق
السبت 31 أكتوبر 2020 9:03 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

سمير فؤاد يكتب عن: فن النحت الإفريقى

نشر فى : السبت 5 أكتوبر 2019 - 11:10 ص | آخر تحديث : السبت 5 أكتوبر 2019 - 11:10 ص

كان عام 1975 عاما فارقا فى حياتى.. كنت أعمل مهندسا للحاسبات فى شركة بريطانية عالمية وتم إعارتى إلى فرع الشركة فى نيروبى لمدة عامين.. كانت هذه هى المرة الأولى التى سأذهب فيها إلى أرض إفريقية بالمعنى المفهوم.. أو كما نطلق عليها إفريقيا السمراء.. كنت فى غاية الحماسة لهذه الرحلة فقد كانت إفريقيا فى خيالى منذ طفولتى أرض المغامرات والإثارة.. أرض الغابات الإستوائية والسافانا والجبال والحيوانات الضارية.. كونت صورتها من الأفلام الأمريكية والتى كانت بالطبع تعكس وجهة نظر الرجل الأبيض المستعمر «.. ثلوج كليمنجارو» و«كنوز الملك سليمان» و«موجامبو» و«أتارى».
عندما وصلت إلى نيروبى مع أسرتى الصغيرة انتابنى شعور غريب فى أول أيامى وأنا أستقبل حياتى الجديدة فى درة شرق إفريقيا.. شعور طاغ بأن هذا المكان ليس غريبا عنى.. شعور بأننى أنتمى بطريقة أوبأخرى إلى هذه الأرض وازداد هذا الشعور حدة بعد أن بدأت أزور معالمها وأتعرف على ناسها وأرضها وثقافتها.
فى كينيا لا تملك إلا أن تقترب من الفن الإفريقى.. ووجدت هذا فى البلاد الإفريقية الأخرى التى زرتها لاحقا.. فهو موجود فى كل مكان خاصة المنحوتات الخشبية.. ليس فى محال العاديات المتخصصة فقط وإنما فى الفنادق والأسواق وعلى الأرصفة.. ولو خرجت خارج حدود المدينة فستجدها فى كل قرية وكثيرا من الأحيان تجد أحد هؤلاء الفنانين الفطريين وقد نصب مشغله تحت سقيفة على قارعة الطريق وجلس يعمل وسط أعماله المبعثرة حوله بغير نظام ولا ترتيب..فى البداية تجد الكثير من الأشياء النمطية المكررة نتيجة لأن الصانع اكتشف أنها ترضى ذوق السياح ولكن مع الوقت تكتشف القطع المتفردة التى نحتها الفنان لمزاجه الخاص أو حتى تكتشف فى وسط عشرات التماثيل المكررة لتمثال رمز الإخصاب مثلا قطعة فريدة حرف الفنان فيها فجعلها تنطق بتعبيرية فريدة وسط القطع النمطية الأخرى المثيرة للملل.
وقعت فى غرام فن المنحوتات الخشبية منذ البداية بأشكالها الفراغبة العجيبة التى لا تحاكى الواقع وتعبيريتها الفطرية وخيالها المنطلق.. ثم وعيت أنه لم يكن الغرض من النحت الإفريقى خلق قطع فنية بمفهومنا المعاصر للفن فهو مرتبط بالطقوس أولا وأخيرا.. الطقوس الخاصة بالأرواح سواء الخيرة أو الشريرة خاصة أرواح الأجداد الذين غادروا إلى العالم الآخر.. أو الطقوس الاحتفالية الخاصة بالمناسبات الاجتماعية خاصة الأربع مراحل الرئيسية فى حياة الإنسان.. الميلاد.. البلوغ.. الزواج.. والموت.
يصنع الفنان الإفريقى منحوتاته لكى تأوى إليها الروح الهائمة.. لكى تستكين ويأمن غضبها ويعرف مكانها فيخاطبها ويسترضيها.. لكى يقدم لها القرابين ويستعين بها على مجابهة مصاعب حياته... إذا أخذنا هذا فى اعتبارنا فسنعى المشاعر الدافقة والأحاسيس الفوارة التى كانت مسيطرة على الفنان وهو يصنع منحوتته والتى كانت فى اعتقادى تصل إلى مرحلة الهلوسة والتماهى مع عالم الأرواح.. ويجب أن نأخذ فى اعتبارنا أيضا أنه يبدأ منحوتته من جذع أوغصن شجرة.. فتتشكل من شكل إسطوانى.. ولأن الشجر أيضا فى معتقداته له روحه الخاصة فكان الفنان يعامل خامته بالاحترام الواجب فيتجول فى تضاريسها بحرص باحثا عن الشكل الذى ستهبه له ولهذا كان الناتج أشكالا غريبة لا تحاول أن تحاكى الواقع ولا تستطيع أن تجد لها شبيها فى الفنون الأخرى.. كتل منحوتة بمهارة عالية ولها منطقها الفراغى الخاص.. شخوص برءوس كبيرة ذات ملامح غريبة وجذوع طويلة وأرجل قصيرة.. وحيوانات خرافية ليس لها مثيل فى الطبيعة.. وأقنعة ذات عيون ضيقة وشفاه غليظة وملامح عجيبة.. قد يستوحى الفنان نماذجه من الطيور والحيوانات التى يعرفها أو من أقرانه من الإنس وقد يمزج بين كل هذه الأشياء.. يشكلها بمنطقه الخاص وذاك كما يتراءى له سعيا نحو الشكل الذى يعتقد بفطرته أنه سوف يؤدى الغرض الذى صنعه من أجله.

التعليقات