سمير فؤاد يكتب: عن الكاميرا والفن التشكيلى ــ (1) - سمير فؤاد - بوابة الشروق
السبت 31 أكتوبر 2020 1:04 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

سمير فؤاد يكتب: عن الكاميرا والفن التشكيلى ــ (1)

نشر فى : السبت 14 مارس 2020 - 10:35 ص | آخر تحديث : السبت 14 مارس 2020 - 10:35 ص

منذ أن كان أجدادنا القدماء يرسمون على جدران الكهوف والفنانون عبر العصور يحاولون استنباط أو استعارة وسائل وتقنيات تعينهم على زيادة المساحة التعبيرية لأعمالهم، أو تجعل مهمتهم أسهل أو كلاهما.. ومنذ استنباط صناعة الألوان بخلط الأكاسيد الأرضية بدهون الحيوانات واستعمال فرشاة من ذيولها أو من ريش الطيور وأدوات الفن تتطور مع الزمن.. وكان الفنان دائما يتلقف الاختراعات التى تجد سواء كأدوات أو نظريات ليرى مدى إمكانية الاستفادة منها لتطوير المساحة التعبيرية لديه.. وكان هناك علامات فارقة فى تاريخ الفن مثل اختراع الورق واكتشاف نظريات إسقاط الضوء والمنظور واختراع آلة الطباعة واكتشاف خصائص الضوء وغيرها.. وكان اختراع الكاميرا فى القرن التاسع عشر من الأحداث الفارقة فى التاريخ ليس بالنسبة للفن فحسب وإنما للإنسانية كلها.
مرت الكاميرا بمراحل متعددة منذ اكتشاف خاصية حدوث صورة مقلوبة لمشهد فى غرفة مظلمة عبر ثقب أو ما نسميه بالكاميرا أوبسكيورا ربما فى القرن الخامس فى الصين وحتى اختراع الكاميرا فى القرن التاسع عشر.. وكانت المشكلة الرئيسية هى المساحة الكبيرة للإسقاط وكان وضع عدسة فى مكان الثقب لتركيز الإسقاط على مساحة أصغر هو الحل.. ولكن صناعة العدسات كانت غير دقيقة والزجاج ليس بالنقاء الكافى.. وقد لجأ علماء البصريات فى القرن الرابع عشر فى البلاد الفلمنكية إلى حل بديل وهو استعمال مرآة مقعرة، حيث كانت صناعة المرايا المقعرة وقتها قد وصلت إلى مستوى عالٍ من الدقة فوضعت مرآة مقعرة لتعكس الصورة الساقطة فى الغرفة المظلمة وتركزها على سطح لوحة ذات مساحة صغيرة.. وكانت المشكة وقتها أن المرايا المقعرة كانت محدودة الأبعاد، وبالتالى كانت مساحة الإسقاط القصوى فى حدود ثلاثين سنتيمترا.
كان الفنان الفلمنكى يان فان أيك ( 1390ــ 1441) والذى يعزى إليه الفضل فى اختراع الألوان الزيتية رائدا فى استعمال تقنية المرآة المقعرة فى تنفيذ لوحات شخصية عديدة عالية الدقة ذات خصائص فوتوغرافية عكس الأسلوب السائد وقتها ولكنها كانت تقريبا بنفس المقاييس الصغيرة فى حدود الثلاثين سنتيمترا للأسباب سالفة الذكر.
مع تطور صناعة الزجاج فى القرن الخامس عشر فى إيطاليا أمكن صناعة عدسات ذات نقاء ودقة عاليتين وجرى استعمالها فى صناعة تصاميم جديدة من الكاميرا أوبسكيورا مكنت من إسقاط صورة واضحة من الموديل المراد رسمه على مسطح اللوحة بمساحة أكبر من التى كانت تتيحها المرآة المقعرة ولكن هذا كان يحتم أن تكون الموديل فى ضوء الشمس الساطع.. وطبقا للأبحاث الحديثة فإن الفنان الإيطالى كارافاجيو (1571 ــ 1610) كان أول من استعمل هذه الوسيلة، وهذا يفسر كيف تحولت لوحاته إلى الواقعية الكبيرة مع التضاد الشديد بين الضوء والظل.
ظلت الكاميرا أوبسكيورا من الأدوات المساعدة التى استعملها الفنانون فى تنفيذ لوحاتهم حتى القرن التاسع عشر ومن أهمهم كان الهولندى يوهانس فيرمير (1632 ــ 1675) والفرنسى جان دومينيك أنجر (1780 ــ 1867) والإسكتلندى دافيد روبرتس (1796 ــ 1864) الذى استخدم نوعا منها يسهل حمله يسمى كاميرا لوسيدا فى تنفيذ لوحاته التى أنجزها فى رحلته لمصر وبلاد الشام.
فى عام 1827 سجل الفرنسى نيسفور نييبس ما نعتبره الآن أول صورة فوتوغرافية بالمعنى المفهوم.. وتلاه عام 1836 لويس داجيير بتسجيل أول أسلوب عملى لالتقاط الصور الفوتوغرافية على ألواح الفضة وهو ما أصبح يطلق عليه أسلوب داجيير.. وتطورت صناعة الكاميرا بخطى سريعة واستطاع إدوارد مويبريدج فى عام 1878 أن يحلل حركة حصان يركض بواسطة متتالية من الصور.. ومن أوائل الفنانين الذين استعملوا الصورة الفوتوغرافية كمرجع فى بعض أعمالهم كان الفرنسيان كورو وديلاكروا وتعاظم هذا مع تطور الكاميرا وإتاحتها للجمهور فكان الفنان الفرنسى إدجار ديجا (1834 ــ 1917) أول من اقتنى واحدة وقد قال عنها «إنها أداة الفورية السحرية»، وبالرغم من هذه المقولة فإننا لا نجد فى الصور الفوتوغرافية التى التقطها ديجا بنفسه أى إحساس بالفورية.. لقد كانت مثالا على التنظيم والتخطيط فقد كانت الأوضاع التى تتخذها موديلاته فى هذه الصور أوضاعا تم ترتيبها بعناية كما كانت الإضاءة فيها محسوبة بدقة.. وقد أثرت الصورة الفوتوغرافية على أعماله فى نواحٍ عديدة فقد بدأ يرسم تكوينات ذات قطعات غريبة على الفن فى هذا الوقت كأن يقطع إطار اللوحة جزء من جسم الشخص أو يضغط التكوين فى جزء من اللوحة ويترك المتبقى فراغا، كما أن اختراع ما يسمى الكرونوفوتوغرافى عام 1882 بواسطة العالم والمصور الفوتوغرافى الرائد فى تحليل الحركة إتيين جول ماريى أعطى لوحات ديجا بعدا جديدا فى وضع راقصاته وكأنهن فى متتابعة حركية.. وقد تبع ديجا العديد من التأثيريين الذين راقتهم فكرة اللقطات المسماة بالعفوية، وبرع فى هذا الفنان الفرنسى بييربونار (1867 – 1947) فى اللقطات النى أخذها لزوجته الموديل الأثيرة له وتلك التى كان يلتقطها فى شوارع باريس.

التعليقات