عالم كريستينا - سمير فؤاد - بوابة الشروق
الخميس 22 أكتوبر 2020 9:09 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

عالم كريستينا

نشر فى : الجمعة 14 أغسطس 2020 - 9:50 م | آخر تحديث : الجمعة 14 أغسطس 2020 - 9:50 م

قال الفنان الأمريكى أندرو وايث (1917 ــ2009) «إننى أرسم حياتى».. فخلال حياة ثرية مديدة سجل فى مئات اللوحات مواضيع ذات علاقة مباشرة بمجريات حياته وطبيعة الأرض من حوله والأشخاص الذين ربطتهم به علاقة إنسانية.. وأصبح واحدا من أشهر الفنانين الأمريكيين الواقعيين فى القرن العشرين ولوحته عالم كريستينا من أشهر أيقونات الفن الأمريكى.
كان أندرو طفلا عليل الصحة فنشأ معزولا فى المنزل خوفا عليه من المرض.. لم يذهب إلى المدرسة فتولى مدرسين خصوصيين تعليمه فى المنزل.. والده نويل وايث كان مصورا قديرا مشهورا برسم اللوحات التاريخية ولوحات الغرب الأمريكى واللوحات المصاحبة للنصوص فى المجلات والكتب والإعلانات.. فى مرسم والده الملحق بالمنزل كان يقضى معظم أوقات طفولته وصباه.. فى سن الرابعة بدأ يرسم قبل أن يتعلم الكتابة وتولى والده تلقينه أصول الصنعة فأجاد الرسم بالألوان المائية والزيتية والتمبرا.. وكان والده هو أستاذه الوحيد وقد أذكى فيه عشق المناظر الطبيعية والتمسك بقيم وتقاليد فن التصوير.. أحب الشعر والموسيقى وعشق مشاهدة الأفلام السينمائية التى أذكت خياله البصرى.
أراد له والده أن يحذو حذوه فى تصوير اللوحات للكتب والمجلات وبالغ فى السيطرة على حياته حتى أنه قال عن هذه الفترة من حياته بأنها كانت أشبه بالسجن.. ولكن هدفه كان أن يكون فنانا وليس مصور كتب ومجلات.. فطور أسلوب شديد الواقعية يهتم بالبناء العام للوحة كما يعنى بالتفاصيل الدقيقة.. وراح يعبر فى أعماله عن الطبيعة من حوله فى فيضها وقسوتها.. وعن عزلة الإنسان وكفاحه ضدها.. وفى هذا كان يعبر عن عزلته الذاتية وعالمه الداخلى.
تعتبر لوحته «عالم كريستينا» من أشهر لوحات الفن الأمريكى إن لم تكن أشهرها وقد رسمها عام 1948 عندما كان فى زيارة لمزرعة آل أولسون فى مين وعاش فيها لبعض الوقت.. وقد استلهم موضوع اللوحة من ابنة صاحب المزرعة كريستينا أولسون.. وكانت كريستينا قد أصيبت فى طفولتها بشلل الأطفال الذى جعلها غير قادرة على المشى.. وكانت امرأة شديدة المراس قوية العزيمة رفضت أن تقضى حياتها على كرسى متحرك.. فكانت تتحرك زاحفة على الأرض تنتقل من مكان لآخر بقوة ساعديها.
تردد اللوحة هذه الأجواء التى برع وايث فى تسجيلها والتى تعكس شخصيته.. الشخوص الوحيدة التائهة فى طبيعة شاسعة قاحلة.. وهى فى جوها العام تشبه لوحته «الشتاء» والتى أنتجها قبلها بعامين فى عام 1946 والتى تمثل شخصا برداء أسود يقف تائها أسفل ربوة مغطاة بعشب كالح.
اللوحة تصور الفتاة كريستينا وحيدة عاجزة فى فضاء شاسع تجاهد فى سعيها الحثيث لبلوغ منزلها.. أسفل الجزء الأيسر من اللوحة تقبع الفتاة المشلولة على الأرض المكسوة بالعشب الكالح.. ويردد لون فستانها الزهرى الباهت حالة التقشف التى تغلف جو اللوحة.. لا نرى إلا مؤخرة رأسها ولكننا على يقين أنها تثبت نظرتها على هدفها المرجو وهو ذلك المنزل القائم على قمة التل.. من وضعية جسدها المرتفع عن الأرض على ذراعيها النحيلتين وساقيها العاجزتين ويديها القابضتين على العشب بإصرار يبدو واضحا أنها تجاهد زاحفة للوصول إلى المنزل.
تتكاتف عناصر اللوحة لتؤكد الإحساس بأن وصولها إلى هدفها سيكون صعبا عسير المنال.. فالفضاء الواسع يؤكد صعوبة الرحلة.. والمنظور المتطلع لأعلى يزيد الأمر مشقة فعليها ليس أن تقطع هذا الطريق الطويل زاحفة فقط وإنما أيضا متسلقة هذا المنحدر الذى سيقودها لأعلى التل.
الضوء الغائم الذى يغلف جو اللوحة يزيد من الإحساس بالكآبة.. ورغم أن الظلال الملقاة على جسدها تشير إلى سقوط أشعة الشمس مائلة من يمين اللوحة إلا أنها أشعة باهته آفلة.. فى أعلى التل تنتصب مجموعة من المبانى الرمادية التى تبدو مقفرة وحيدة فى الفضاء المترامى الأطراف.. ويزيد من عزلة المشهد هذا السياج الذى يحيط برقعة الأرض المحيطة بالمنزل.. وتتضافر كل هذه العناصر لتزيد من الشعور الحاد بالوحدة والضياع الذى يغلف جو اللوحة.
برغم أن جميع الخطوط الموجودة باللوحة تؤدى للمنزل لتؤكده كهدف.. مثل الطريق الصاعد يمين اللوحة والذى يؤدى إلى المنزل.. والمنحنى الذى يؤطر رقعة العشب اليابس الذى يقطع اللوحة فى ثلثها الأعلى ثم يدور صاعدا إلى قمة التل.. وقطعة الأرض المحيطة بالمنزل.. إلا أنها فى مجموعها تساهم فى زيادة عزلة الفتاة حيث إنها جميعها تقع فى الثلث الأعلى من اللوحة تاركة المساحة الأكبر أسفلها للفراغ الواسع الذى تقبع فيه الفتاة.
نحن لا نعلم كيف ولماذا وصلت الفتاة إلى هذا الموقف الموحش الذى يبعث على اليأس؟.. هل زحفت بنفسها هابطة التل وهى الآن تحاول العودة.. أم أن أحدا قد هبط بها ثم تركها لحالها لتتدبر أمرها.. أم أن هذا كله أضغاث أحلام وكابوس مخيف سوف ينجلى حينما تفوق من سباتها العميق.. إلا أننا لا نملك حيال هذا المشهد إلا أن نتجاوب مع هذه الحالة الإنسانية التى تطرحها اللوحة فى تمثيلها لكفاح الإنسان فى وحدته ومحدودية قدراته وكم المعوقات التى تظلل كل خطواته لتعرقله عن بلوغ هدفه المنشود.. ويظل السؤال المعلق فى أذهاننا بعد مشاهدة اللوحة هو هل ستنجح كريستينا فى بلوغ هدفها أم لا؟.. وسيظل هذا السؤال مطروحا إلى الأبد بدون أى إجابة حاسمة.

التعليقات