عن لوحة الإعدام لفرانسيسكو جويا - سمير فؤاد - بوابة الشروق
الجمعة 30 أكتوبر 2020 3:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

عن لوحة الإعدام لفرانسيسكو جويا

نشر فى : السبت 24 أغسطس 2019 - 12:25 م | آخر تحديث : السبت 24 أغسطس 2019 - 12:25 م

فرانسيسكو جويا ــ أسبانى ــ (1746 ــ 1828)

الثالث من مايو1808

 

يعتبر جويا واحدا من أعظم مصورى العصر الرومانتيكى فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وكان فنه انعكاسا للتقلبات الاجتماعية والسياسية التى حدثت فى عصره خاصة اللوحات التى أنتجها فى المرحلة الأخيرة من حياته.
رسم جويا هذه اللوحة عام 1814 كواحدة من اثنتين الأولى تمثل ثورة جماهير مدريد فى الثانى من مايو 1808 ضد قوات نابليون الغازية وهذه اللوحة النى تمثل مشهد إعدام مجموعة من المدنيين خلال موجة القمع التى قامت بها القوات الغازية فى اليوم التالى.
يتراص فيلق الإعدام كجدار صلد منتصبا على يمين اللوحة مصوبا بنادقه إلى رهط مبعثر على يسار اللوحة من المحكوم عليهم.. منهم من قضى نحبه ومنهم يواجه جلاديه منتظرا مصير من سبقوه وفريق ثالث ينتظر دوره وقد غطى بعضهم عينيه بيديه هربا من بشاعة المشهد أو ربما متمنيا أن يكون ما يمر به كابوس مقيت سينجلى بعد سبات عميق السواد.
قصد جويا أن يمثل التضاد الواضح بين الانتظام العسكرى فى وضع فريق الإعدام بزيهم الموحد ذى اللون المحايد ووقوفهم فى وضع التأهب لإطلاق النار ووجوهم المنكسة التى لا نميز سماتها وبين البعثرة والتشرذم التى تسود المحكوم عليهم بأزيائهم المتناقضة وأوضاع أجسامهم المختلفة ووجوههم التى يسودها الهلع.. وفى وسطهم يعطى جويا البطولة البصرية المطلقة إذا جاز التعبير إلى ذلك الشخص ذى العيون الجاحظة الذى يرتدى قميصا أبيض وسروالا أصفر ويرفع يديه عاليا فى الهواء مستنسخا وضع الصلب.. ولكى يؤكد جويا هذا الاستنتساخ فقد وسم راحة يده اليمنى بجرح كذلك الذى يحدثه مسمار الصلب.. ولكى يحقق جويا له هذا التميز فقد وضعه فى بؤرة إضاءة المصباح الموضوع على الأرض وجعل ثيابه من أكثر الألوان سطوعا بين جميع الألوان.. الأصفر والأبيض.. كما أن حركة اليدين مع الساقين تمثلان علامة إكس والتى وضع منتصفها فى مسار البندقية المصوبة نحوه كما لو كان ذلك الشخص يساعد جلاديه على دقة التصويب.. كما بالغ جويا فى حجم هذا الشخص بحيث لو انتصب واقفا لزاد طوله على المترين طولا...هذا التأكيد على معنى التضحية والاستشهاد يتناقض مع تعبير الخوف والهلع الذى يبدو على وجهه.. هل يعبر هذا التناقض عن شعور جويا ذاته الذى كان معجبا بمبادئ الثورة الفرنسية وغض النظر عن تطلعات نابليون الاستعمارية وتنصيبه نفسه أمبراطورا إلى أن شاهد بعينيه الوحشية التى قمعت بها قواته أهل بلده فتغير موقفه إلى الضد.. وأليس هذا يذكرنا بموقف لودفيج بيتهوفن وسيمفونيته الثالثة عندما كتبها تمجيدا لبطولة بونابارت فى دفاعه عن الحرية ثم مزق الإهداء عندما نصب نابليون نفسه إمبراطورا.
اللوحة ثرية بالإيقاعات الخطية التى تشد عين الرائى لتتجول فيها لتستقر فى منتصف اللوحة عند المتوازيات الأفقية للبنادق مثل المحور المائل للتل الذى يأخذ العين منزلقا من يسار اللوحة ويتقاطع معه المحور المكون من قبعات الجنود منزلقا من يمين اللوحة والمحور الذى يفصل منطقة النور والظل فى منتصف اللوحة ليتوقف عند المصباح لتأخذه الحافة الرأسية إلى أعلى.. وفى عمق اللوحة تنتصب كتلة من الأبنية تكلل المشهد وينتصف فى وسطها ذلك البرج كشاهد على هذه المذبحة المروعة.
هذه اللوحة العبقرية تتعدى محدودية الحدث التاريخى الذى تمثله لتصبح رمزا لويلات الحروب ووحشية وقسوة الإنسان النى ما زال يمارسها حتى يومنا هذا.. وقد أصبحت أيقونة اتخذها العديد من الفنانين مثالا يحتذونه مثل إدوارد مانيه فى ( إعدام الأمبراطور ماكسيميليان 1867) وبابلو بيكاسو فى (مذبحة كوريا 1951) والصينى يو مينيون فى (الإعدام 1995).

التعليقات