علاقة الدين بالسياسة كما ينبغى طرحها - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 23 أكتوبر 2019 5:44 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


علاقة الدين بالسياسة كما ينبغى طرحها

نشر فى : الخميس 7 فبراير 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 7 فبراير 2013 - 8:00 ص

دعنا نحاول طرح موضوع الدين والسياسة على النحو التالى:

 

أولاً: عبر أكثر من قرن من الزمن طرح الموضوع، فى غالب الأحوال، بشكل حاد واستقطابى مثير للعواطف المتشنجة وللجدل العقيم. فالعلمانيون أصروا على الفصل التام والقطيعة الجذرية بين حقلى الدين والسياسة. والكثير من القوى الإسلامية السياسية أصرت على الغمس الكامل للدين فى السياسة واستحضرت شعار أن الإسلام هو دين ودولة.

 

ثانياً: كانت مرجعية العلمانيين الأساسية خارجية مسترجعة تاريخ الكنيسة الكاثوليكية الأسود الانتهازى فى مجتمعات القرون الوسطى الأوروبية من جهة وردود فعل مفكرى الأنوار الأوروبيين تجاه ذلك التاريخ من جهة أخرى. وكانت مرجعية القوى الإسلامية تراثية تراجعية فى الزمن مستحضرة تاريخ ممارسات الحكم فى المجتمعات الإسلامية والفكر الفقهى المساند لتلك الممارسات. والواقع أن كلتا المرجعيتين تقعان خارج الزمن والمكان ولا دخل لهما بواقع المجتمعات العربية فى العصر الذى نعيش.

 

•••

 

ثالثاً: إن الإسلام كدين متجذر فى وجدان وعقل العربى المسلم، والإسلام كثقافة مكون أساسى من مكونات ثقافة الإنسان العربى أياً كان الدين الذى ينتمى إليه. وبالتالى فإن أية محاولة للقفز على هاتين الحقيقتين عند التعامل مع موضوع السياسة فى الحياة العربية ستواجه العقبات وتدخل فى مماحكات لا نهاية لها، عدا عن رفض فطرى عند غالبية المواطنين العرب فى شتى أرجاء وطن العرب لمثل ذلك القفز. وفى الواقع فلم توجد قط سياسة لم تحكم مبادئها ومنهجيتها وسيرورة مسارها ثقافة المجتمع السائدة، والدين جزء منها.

 

رابعاً: وإذن ما الحل لهذه المعضلة التى طال أمد اجترارها؟ أولا لنتذكر أنها ليست قضية هامشية حتى نتجنبها إذ هى فى واقع الأمر أحد أهم مفاتيح دخول العرب فى حداثتهم الذاتية المتواصلة مع العصر الذى يعيشون. فى اعتقادى أن أحد الحلول يكمن فى التوقف عن وضع الأمة أمام ضرورة الانحياز فقط لأحد الخيارين: إما الفصل التام الغريب على طبائع الأمور فى حياتها أو الوصل العبثى الإندماجى الغامض المرشح ليكون مليئاً بالمشاكل والتفسيرات التى لا حصر لها ولا عد.

 

الحل فى اعتقادى هو فى الانتقال إلى تركيز الحديث والمناقشات على التفاصيل التى ستحكم العلاقة بين الدين والسياسة. ومع أن الشيطان يكمن فى التفاصيل كما يقول المثل الشهير، إلا أنه بالنسبة لهذا الموضوع آن الأوان لكشف الشيطان وطرده من ساحة هذا الموضوع، فالتعايش مع الغموض والغمغمات اللفظية لم يعد فى صالح مستقبل الحياة السياسية العربية.

 

•••

 

لست بالمؤهل ولا القادر على تبيان ملامح العلاقة الصحية الواقعية التى ينبغى أن توجد بين الدين والسياسة، فلهذا الأمر الصعب المعقد، ولكن غير المستحيل، فرسانه ومريديه. وبالطبع فإننا لا نتحدث هنا عن إيجاد علاقة صحية بين قوى الإسلام السياسى وغيرها من القوى السياسية الأخرى. إنما نحن هنا بصدد فكر ومنهاج سياسى عربى تفصيلى جاد يتوجه لحل تلك المعضلات التى جئنا على ذكر بعضها، ويتخطى استقطابات وتخندقات الفصل والوصل، ولا يكتفى بنقل وترشيح هذه التجربة أو تلك فى هذه البلاد الإسلامية أو تلك. ذلك أن الواقع يدحض وجود تجربة ناجحة فى أى بلد إسلامى والتى استطاعت إيجاد حل ناجح للمعضلة التى تواجهها مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

 

•••

 

ليس المطلوب حتماً إعادة محاولات الحلول التلفيقية السابقة التى حوت الكثير من التناقضات والتوترات بين حقلى الدين والسياسة. المطلوب هو طرح أسئلة محددة والإجابة عنها. مثلاً، هل أدوار مؤسسات المراجع الدينية ــ  أياً تكون مسمياتها ــ أدوار استشارية بحتة، مثلها مثل المؤسسات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والعلمية وغيرها التى تستشار كمراكز اختصاصية من قبل البرلمانات والحكومات؟ هل الكلمة النهائية فى هذه الحالة لممثلى الأمة المنتخبين والمعينين الذين لا يخضعون إلا لمحاسبة الشعوب التى انتخبتهم؟ هل تفسير الدساتير والقوانين تقوم بها فقط المحاكم الدستورية والتى بالطبع وحدها تقرر من تستشير قبل اتخاذ قراراتها؟ هل المشورات المقدمة من قبل مؤسسات المرجعيات الدينية تعبر فقط عن اجتهاد وفهم أصحابها البشرى للدين، وليس لها بالتالى قدسية لا تسمح لأحد أن يناقشها أو يرفض الأخذ بها؟

 

هناك عشرات الأسئلة الأخرى التى تحتاج أن تطرح وأن يجاب عنها. بهذه الطريقة تفكك الأجزاء المتشابكة عن بعضها البعض ويصبح النقاش حول نقاط محددة وليس حول كلمات عامة تفهمها كل جهة معنية بطريقتها الخاصة وينقلب النقاش إلى جدل عبثى عقيم.

 

•••

 

مرة أخرى نذكر بأن قضية العلاقة بين الدين والسياسة أصبحت كبرى القضايا وأولى الأولويات فى الحياة السياسية العربية. وبالتالى فإن مواجهتها وإيجاد حلول معقولة لها سيفتح الباب على مصراعيه لحل مسالة الحداثة العربية، بل وكل مكونات مشروع النهضة العربية. مطلوب من المفكرين والفقهاء المستنيرين الموضوعيين المساهمة فى ذلك.

 

 

 

مفكر عربى من البحرين

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات