حلم روزا - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 14 نوفمبر 2019 8:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

حلم روزا

نشر فى : السبت 7 مايو 2016 - 9:55 م | آخر تحديث : السبت 7 مايو 2016 - 9:55 م
عندما لا يعجبك الحاضر تهرع إلى الماضى. وبدلا من أن تجد نفسك محاصرا بأفراد من عائلتك أو معارفك وقد التفوا حول التليفزيون بعد أكلة فسيخ ورنجة يوم شم النسيم لمتابعة تطورات الموقف داخل نقابة الصحفيين وأزمتها مع وزارة الداخلية، مرددين: ما الذى يريده هؤلاء؟ هل هو وقت الحديث عن الحرية والمطالب وقد نتحول إلى سوريا أو العراق بين عشية وضحاها؟، بدلا من أن يجد الكثيرون منا أنفسهم محاطين بمن ينكر عليهم حقهم فى أداء مهنتهم «لأن الوقت غير مناسب»، تجد نفسك تتشبث بحلم، حلم أن تكون أو تظل صحفيا وأن تعبر عن موقفك ورأيك أو طريقتك فى تغطية الأحداث الجارية وفقا لما تعلمت، فى وقت صارت فيه حرية التعبير أمرا مكروها، وجد من أجل الشر.

المشهد نفسه تكرر مع العديد ممن امتهنوا الصحافة، حتى لو حديثا. نظر إليهم ذويهم، يوم التجمع العائلى حول أكلة فسيخ، نظرة سخرية أو استهجان: ما الذى تريدونه؟ ولا داعى لأن تبدأ بالشرح، فهم لا يريدون أن يسمعوا الإجابة، بل يستنكروها مسبقا، وكلهم آذان موصدة. آذان أدمنت صوت بعض الإعلاميين وهم ينطلقون من رواية ملفقة إلى أخرى، أملتها عليهم هذه الجهة أو تلك. آذان لم يعد يطربها سوى الكذب وألاعيب البروبجاندا، بعيدا عن منطق الأشياء، خاصة وأن بعضهم لا يهوى القراءة ولا يرغب فى استقبال موزع الصحف التى لم تعد تستخدم لديهم سوى فى تنظيف الزجاج وفرشها تحت أكلة فسيخ أو سمك. والقائمون على الصحف لهم قطعا الدور الأكبر فى هذا، فلم ينجحوا فى إعادة اختراع المهنة بما يتناسب مع إمكانات العصر ولا فى كسب ثقة المستهلك نظرا لتدنى المستوى.

***

هواء يوم شم النسيم جاء محملا برغبة عارمة فى أن تسبح فى الخيال وحيدا وأن تسترجع تجارب صحفية ناجحة، رغبة فى أن تسترجع حلم سيدة عنيدة ورقيقة مثل روزاليوسف، فى مطلع القرن الفائت. تحلق مع كتاب «ذكريات»، وهى سيرتها الذاتية التى صدرت قبل وفاتها بقليل فى العام 1958 والتى قسمتها إلى جزأين: أيام مع الفن وأيام الصحافة.
تروى كيف لمعت فى رأسها فكرة تأسيس مجلة روزاليوسف، ساعة عصارى، وهى جالسة فى محل حلوانى اسمه «كساب» كان يوجد مكان سينما ديانا بوسط القاهرة، فى أحد أيام شهر أغسطس سنة 1925. كانت تتحدث مع أصدقائها محمود عزمى وأحمد حسن وإبراهيم خليل عن الفن وعن الحاجة لوجود صحافة فنية محترمة ونقد سليم، ثم توقفت لحظة عن الكلام وتساءلت: لماذا لا أصدر مجلة فنية؟ كم تكلفنى 3000 نسخة؟، فرد إبراهيم خليل، الصحفى بجريدة «البلاغ»: 12 جنيها. وكانت روزاليوسف قد توقفت لفترة عن التمثيل وعاشت فى عزلة إلى حد كبير.

فى اليوم التالى ذهبت إلى جريدة «البلاغ» وكتبت طلب ترخيص لعمل مجلة، ولم تنتظر انتهاء الإجراءات، بل أفسحت غرفتين فى شقتها بشارع جلال، وضعت فيهما مكتبين قديمين، واتصلت بصديقها محمد التابعى، الصحفى الأبرز وقتها، لكى يساعدها فى تنفيذ الفكرة. كتبت روزاليوسف أو فاطمة اليوسف افتتاحية العدد الأول الصادر فى شهر أكتوبر من العام نفسه، تشرح فيها منهج المجلة الأسبوعية الفنية الأدبية المصورة، والتى ستتحول تدريجيا إلى معمل لتخريج الرسامين منهم صلاح جاهين وعبدالسميع وصاروخان وغيرهم كثر. انتشرت انتشارا واسعا، رغم ضعف الإمكانات المادية، فمع كل عدد كانوا لا يملكون ما يكفى لإصدار ما يليه حتى يأتى الموزع ليعلن بفرح: بيعت آخر نسخة!، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مجلة سياسية، مع نشر تحقيق صحفى أثناء محاكمة محمود فهمى النقراشى وأحمد ماهر، بعد مقتل السردار الانجليزى لى ستاك.

***

كانت روزاليوسف قريبة من وجهة نظر الوفد تهاجم الحكومة فى ظل حياة سياسية غير مستقرة تحت حكم الملك فؤاد والاحتلال الإنجليزى، ثم اختلفت مع الوفد وتفاقمت الأزمة بينهما إلى حد حشد المظاهرات على أبواب المجلة والهتاف ضدها وقذف المبنى بالطوب، ومن بعدها تم الحجز على محتويات بيت روزاليوسف والزج بها فى السجن، لكن ذلك لم يزدها إلا صلابة فاستكملت إمبراطوريتها الصحفية بعد الخروج من الحبس لتشمل عدة إصدارات حتى وفاتها عن عمر يناهز السابعة والستين.

ما اعتبره البعض مجرد «نزوة» صحفية لسيدة رقيقة يحمر وجهها خجلا تارة، ويجلجل صوتها تارة أخرى بين مكاتب المحررين وعنابر المطبعة، صار حلم الكثيرين من أبناء مهنة يجب أن تمارس، بلا قيود ولا أقنعة. صحيح أنها تتحول أحيانا، ومنذ القدم، إلى مهنة من لا عمل له، وأنها قد تجلب لك المتاعب التى تبدأ بشتائم العمالة والتخوين وقد تنتهى بالمولوتوف والحبس، إلا أنها فى مكان ما تظل مهنة وحلم وشغف. حلم روزا يراودنا، رغم اعترافها أن أهم صعوبة واجهتها كانت تتعلق بكونها امرأة، تعبها ذلك أكثر من الجهد المضنى ومشكلات سوق الصحف وضعف الإمكانات، لكنها أعطتنا الأمل والرغبة فى أن يردد كل منا أو يكتب على قطعة صغيرة من الورق: «أنا روزا»، وكأنها بداية لحملة تدوين على الإنترنت من أجل حرية الصحافة.
التعليقات