تركستان الشرقية.. هل تسير نحو الزوال من خارطة العالم الإسلامي؟! - سيد قاسم المصري - بوابة الشروق
الثلاثاء 31 مارس 2020 6:08 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

تركستان الشرقية.. هل تسير نحو الزوال من خارطة العالم الإسلامي؟!

نشر فى : السبت 8 أغسطس 2009 - 7:08 م | آخر تحديث : السبت 8 أغسطس 2009 - 7:08 م

 
تركستان.. كما هو واضح من اسمها تعنى موطن الترك.. وهى منطقة شاسعة بين روسيا والصين.. تقاذفتها رياح التاريخ ففقدت استقلالها عدة مرات، وأخيرا تقاسمتها روسيا والصين.. فقامت روسيا بضم تركستان الغربية إليها وهى الجمهوريات الإسلامية التى أعلنت استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفيتى.. بينما ضمت الصين تركستان الشرقية للمرة الأخيرة عام 1949 بعد انتصار الثورة الشيوعية بقيادة ماوتسى تونج، وأزالت من الوجود ما كان يعرف بجمهورية تركستان الشرقية الإسلامية التى أعلنت عام 1944.

تقع تركستان الشرقية بأكملها خارج سور الصين العظيم، إذ كان بناء هذا السور فى الواقع لحماية الصين من غارات القبائل «الهمجية» كما كانوا يسمونهم.. مما يعد دليلا تاريخيا آخر على وقوع المنطقة خارج الصين. وتبلغ مساحة تركستان الشرقية حوالى 1.7 مليون كم2 أى سدس مساحة الصين، وهى غنية بالبترول والمعادن الثمينة والأراضى الزراعية الشاسعة وأجود أنواع اليورانيوم، وهى أول منطقة يدخلها الإسلام فى آسيا بعد الشرق الأوسط، حيث دخلها الإسلام عام 95 هجرية.. ولا يزال سكانها مسلمىن وغالبيتهم من عرقية الإيجور التركية الذين يستخدمون الحروف العربية فى الكتابة حتى الآن.

وهذه المنطقة لها تاريخ عريق فى الإسلام.. فقد صلح إسلامهم ولم يعرف عنهم نشوء أى فرق ضالة بينهم.. بل إن فضلهم على الإسلام كبير.. فهى المنطقة التى أنجبت أسماء لامعة فى التاريخ الإسلامى، وكان المسلمون يشكلون 100٪ من السكان حينما استولت الصين عليها عام 1949.

وفى عام 1955 منحت الصين الحكم الذاتى للأقلية، وأطلقت عليه اسم إقليم الحكم الذاتى، للإيجور فى سنيكيانج، حيث غيرت اسم المقاطعة من تركستان الشرقية إلى سينكيانج التى تعنى باللغة الصينية الأراضى الجديدة The new frontiers

ثم بدأ الاستيطان الصينى للمنطقة من «عرقبة الهام» حتى تساوى عددهم تقريبا الآن مع عدد المسلمين من عرقية الإيجور.. وأصبح الصينيون «الهان» هم الذين يجنون ثمار التنمية الاقتصادية ويشغلون الوظائف الاقتصادية البراقة ويحصلون على معظم المنافع ويشكلون غالبية السكان فى المدن، بينما تراجع المسلمون إلى القرى والرعى والزراعة.

وأعقب ذلك محاولة لتغيير التاريخ والثقافة بعد التغيير الإثنى وتغيرت الوقائع على الأرض.. وبالطبع كان العائق الأكبر هو الإسلام.. فبدأت السلطات حملة على الدين وعاشت المنطقة فترة مأساوية حتى بداية الثمانينيات عندما بدأت ثورة الانفتاح الصينى بقيادة الزعيم دينج هسياو بينج.. وخفت القبضة على المسلمين لفترة من الزمن.

وتمتع المسلمون بفترة من الاستقرار بدأت بالمؤتمر الوطنى العام الصينى عام 1987 الذى أقر حقوقهم المدنية والدينية واللغوية ودامت هذه الفترة حتى التسعينيات، حين أدى انهيار الاتحاد السوفيتى وإعلان استقلال دول تركستان الغربية المجاورة إلى بزوغ مخاوف لدى القادة الصينيين خشية أن يمتد ذلك إليهم.. فأعادوا تشديد القبضة وتم إلغاء قرارات عام 1984... وفى عام 1993 أعلن الحزب الشيوعى الصينى إلغاء استخدام لغة الإيجور التركية فى مراحل التعليم، ووضعت قيود عديدة على ممارسة الشعائر الدينية.. وعلقت لافتات على المساجد تحظر دخول المساجد على الأطفال أقل من 18 سنة (وكأنها أفلام إباحية!!) وتحظر أيضا على الموظفين العامين وأعضاء الحزب الشيوعى دخول المساجد، كما تحظر إقامة الاحتفالات الدينية، وبالطبع فإن الحكومة هى التى تتولى تعيين الدعاة والأئمة والخطباء وتحدد لهم الموضوعات المسموح التحدث فيها.

ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر لتزيد المخاوف من المسلمين، مما أدى إلى ازدياد القبضة ووصم كل محاولة لاستعادة الحقوق المسلوبة بالإرهاب الدولى الذى تحركه عناصر القاعدة.

ولم تكن أحداث يوم 5 يوليو 2009 الدامية فى العاصمة إلا انفجارا آخر لهذا القمع الشديد للحريات وكان السبب المباشر وراءها هو مقتل اثنين من العمال المسلمين فى أحد المصانع فى مدينة شاوجوان فى مقاطعة جوانجدونج على أيدى زملائهما من عرقية الهان الصينية.. وظل المسلمون لمدة شهر فى انتظار أن تتخذ السلطات الصينية الإجراءات العقابية المناسبة ضدهم دون جدوى.. فخرجت مظاهرة غاضبة فى العاصمة قوامها ــ وفقا للتقديرات الرسمية ــ ثلاثة آلاف شخص ــ وقد وصفتهم السلطات الرسمية بأنهم «حفنة صغيرة من الخارجين على القانون تحركهم القوى الانفصالية فى الخارج والقوى الإرهابية فى الداخل والخارج».. ولا يمكن للمراقب المنصف أن يصم الثلاثة آلاف الذين خرجوا ومن بينهم نساء وأطفال وعائلات بأكملها بأنهم إرهابيون يتحركون بتعليمات من الخارج.. بل هناك أسباب حقيقية تتمثل فى الاضطهاد الدينى والعرقى والتفرقة والافتقار إلى العدالة فى الجوانب الاقتصادية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومحاولة طمس الهوية العرقية والدينية للمسلمين فى الإقليم.. وكان من الطبيعى أن ينتفض المسلمون غضبا كلما أتيحت لهم الفرصة أو أثارت حادثة معينة مكامن من المواجع.

فى الواقع، فإن وضع المسلمين فى إقليم تركستان الشرقية فى الصين «سينكاينج» يماثل تماما أوضاع الأقليات الإسلامية فى معظم الدول الآسيوية التى تختلف عنها فى غرب أوروبا، فهى ليست وافدة من الخارج، بل هى من أبناء البلاد الأصليين الذين وفدت عليهم الدولة التى ينتمون إليها الآن، أى احتلتهم وضمتهم إليها وينطبق ذلك على المسلمين فى محافظات جنوب تايلاند، فقد كانت تفهمهم فى الماضى، سلطنة من سلطنات الملايو تسمى سلطنة «فطانى» ثم قامت مملكة سيام «تايلاند حاليا». بضمها بالقوة إليها، فهم ينتمون إلى عرقية الملايو ويتحدثون لغتها ويدينون بالإسلام ولا فرق بينهم وبين سلطات الملايو الأخرى التى تكون ماليزيا حاليا سوى أنهم يكتبون لغتهم بحروف عربية، بينما تستخدم ماليزيا الحروف اللاتينية، وأثناء تجوالى فى المنطقة برفقة محافظ الإقليم عام 2005 شاهدت أفراد الشعب، يتحدثون إلى محافظهم من خلال مترجم، لأنه يتحدث اللغة التايلاندية وهم يتحدثون المالوية، وبالمثل فى جنوب الفلبين، كانت هناك سلطنة سولو المسلمة التى امتد نفوذها إلى معظم أنحاء جزيرة «مينتداناو» فى جنوب الفلبين والتى استعصت على إسبانيا، فلم تستطع ضمها إلى الجزر التى أطلقت عليها اسم مليكها «فيليب» ولم تضم إلى الفلبين إلا بقوة الولايات المتحدة التى اشترتها من إسبانيا عام 1899، ومازالت الجزيرة تناضل من أجل الحكم الذاتى لشعب المورو المسلم من جنوب الفلبين، وينطبق ذلك أيضا على ميانمار ومنطقة أو سلطنة أراكان التى يقطنها غالبية من شعب الروهينجيا المسلمين.. والأمثلة كثيرة ومتشابهة ويطول الحديث عنها، نظرا لأن الأقليات الإسلامية تشكل ثلث العالم الإسلامى، أى نحو 500 مليون نسمة.. كلهم فى الهم شرق.

سيد قاسم المصري مساعد وزير الخارجية الأسبق
التعليقات